8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

هل يضع التطوّر في فلسطين "الظاهرة الجهادية" في خانة ضيّقة؟

مرّ الخبر مرور الكرام: ثلاثة شبّان مسلمين من البقاع الغربي انقطعت اخبارهم واختفوا ثم تلقى ذووهم قبل أيام قليلة اتصالات "مجهولة" تخبرهم ان ابناءهم "استشهدوا" في العراق.
ليس هذا الخبر إلا جزءاً من الرواية. فمنذ بضعة أسابيع "تبخّر" عددٌ من الشباب المسلم من منطقتي البقاع الغربي وطرابلس. كانوا قد أبلغوا أقاربهم ومعارفهم بأنهم ذاهبون الى مكة لأداء مناسك العمرة. بعضٌ منهم تبيّن في وقت لاحق انه باع ما يملك وهو يسير بطبيعة الحال لأن هؤلاء الشبّان من بيئة اجتماعية غير ميسورة. تبيّن إذاً ان الأمر لا يتعلق بـ"عُمرة" يعودون بعدها بسرعة، وانما بـ"هجرة" طويلة قد لا تكون عودة بعدها.
تجمعت المعلومات عن هذه "الظاهرة"، ظاهرة الاختفاء المتوازي لشبّان مسلمين، وجرى إبلاغ هذه المعلومات الى السلطات الأمنية كافة. كان ذلك قبل الاعتداء الصاروخي الذي تعرّض له تلفزيون "المستقبل" قبل أكثر من شهر. ولأن وزير الداخلية الياس المر كان على علم بهذه المعطيات، بادر في يوم الاعتداء على "المستقبل" الى الربط بينه وبين المعلومات عن شُبان مسلمين مختفين، فـ"قرر" ان الاعتداء من فعل فاعل اسلامي متطرف مستبقاً نتائج التحقيق. وهذا الأمر يمكن أن يكون ثمة عودة اليه.
المعلومات الآنفة مستقاة من مصادر اسلامية حركية سنية تسارع الى القول ان هذه "الظاهرة" تكوّنت في مناخ معين ينبغي من وجهة نظرها التعرّف اليه، على اعتبار ان ثمة ميلاً لدى البعض الى "التضخيم".
وتعتبر المصادر ان هذه الظاهرة تكوّنت في امتداد بروز ما تسمّيه "التيار السلفي الجهادي" في غير موقع في المنطقة، "التيار" الذي تشكل عناوين فلسطين والعراق وأفغانستان عوامل ضاغطة ومؤثرة عليه وفيه، فيسعى الى الانتقال الى هذه الأمكنة لـ"الجهاد" ضد الوجود الاجنبي فيها، مكلفاً نفسه بذلك حتى من دون فتاوى صادرة عن مراجع مشهود لها بالعلم والفقه، مبدياً الاستعداد للسير في هذا الأمر باتباع من يشير الى ذلك. وتضيف ان انغلاق الأفق السياسي في لبنان حتى للتيارات الاسلامية المعقلنة يشكّل بدوره سبباً مشجعاً لشبان "تأسرهم" العناوين الآنفة، وكذلك فإن الوضع الاجتماعي في البلد يدفع بعدد لا بأس به منهم الى "التعويض" عن يأسه بـ"الشهادة". وتقول المصادر نفسها تكراراً ان الأداء الأمني للسلطة والأجهزة يشكل سبباً جوهرياً في تغذية الشعور بـ"اليأس"، ذلك ان تضخيم خطر تطرف أصولي في لبنان والتصرّف على أساس تصديق هذا التضخيم بعد المبادرة اليه، يجعلان بيئة معينة اسلامية في حكم الملاحقة، فضلاً عن ان ما ينشر من التحقيقات "ليس جدّياً" كما تقول.
الاختراق الأمني
وفي تقدير الأوساط الاسلامية الحركية السنّية ان "ظاهرة التيار السلفي الجهادي" ليست جادة بحيث تصبح "حالة" تستقطب في الوسط الاسلامي السنّي، وانما لم تبلغ مستوى من الخطورة، وانها على الأرجح ناجمة عن "فراغ سياسي" في لبنان. بيد ان ما تلفت النظر اليه، هو ان هذه "الظاهرة" وغيرها من "الظواهر" التي يمكن القول انها متطرفة لاسيما في المخيمات الفلسطينية، مخترقة من قبل الأجهزة وان بعض هذه الأجهزة يوظفها لاغراض أمنية ـ سياسية، كما حصل في مخيم عين الحلوة قبل مدة مثلاً، حيث تقول المصادر نفسها وتؤيدها في ذلك أوساط فلسطينية مطلعة، ان الأحداث الأخيرة في ذلك المخيم نجمت عن فخ أمني نصبته الأجهزة بغرض سياسي. وما تتخوف منه ليس فقط أن تكون ثمة إمكانية لاستخدام المناخ المضخم عن خطر أصولي لأخذ البيئة السنّية الحركية في الطريق، بل أن يتم استخدام هذه الظواهر بشكل من الأشكال.
الهدنة في فلسطين بين "حماس" و"الجهاد"
على ان الأوساط نفسها تفتح القوسين لتتوقف عند التطور الأخير في فلسطين والمتمثل في الهدنة التي اتفقت الفصائل الفلسطينية عليها وأكدتها في الأيام القليلة الماضية.
وفي هذا المجال، تشير الى ان حركتي "حماس" و"الجهاد الاسلامي" وافقتا على الهدنة، الأولى خصوصاً أي "حماس" بعد "استفتاء" مناصريها في الضفة الغربية وقطاع غزة أولاً، ومعتقليها وأسراها في السجون الاسرائيلية ثانياً، وأنصارها في الشتات والخارج ثالثاً، فأسفر "الاستفتاء" بمحصّلته عن موافقة قيادة الحركة على الهدنة بعدما تبيّن لها حجم الصعوبات في الضفة خصوصاً.
وعلى الرغم من اعتراض أحد قياديي "حماس" البارزين عبد العزيز الرنتيسي، فقد أمكن للحركة ان تتخذ قرارها وتتلافى تصادم الآراء داخلها والصدام مع الفصائل الاخرى.. وأكثر من ذلك، تستطيع "حماس" بموقفها هذا أن تمارس ضغطاً وشدّاً باتجاهين: باتجاه اسرائيل كي لا تنتهك ما تتوصل اليه من اتفاقات مع الحكومة الفلسطينية وذلك عبر التذكير الدائم بأن الهدنة مؤقتة ومشروطة، وباتجاه رئيس الحكومة الفلسطينية محمود عباس كي لا يقدم على مزيد من التنازلات و"يصمد" أمام ضغوط حكومة ارييل شارون.
اما بالنسبة الى "الجهاد الاسلامي"، فتعتبر الأوساط والمصادر الآنفة، انها "ماشية" مع "حماس" في قرارها. وإذ تذكّر بأن منبت "حماس" و"الجهاد" واحد وهو حركة "الاخوان المسلمين" في غزة، وبأن "الجهاد" تركت "الاخوان" بين عامي 1980 و1981، واختارت العمل العسكري واتجهت نحو التحالف مع ايران، تذكّر ايضاً بأن "حماس" أسّست بين العامين 1980 و1987 بنية تحتية كبيرة من المستشفيات والمساجد والجمعيات والأندية، وهي لم "تجنح" الى العمل العسكري إلا بعد "مرج الزهور" عندما أبعدت اسرائيل نحو 400 كادر من كوادرها الى هذه المنطقة من لبنان، الأمر الذي يعني بالنسبة الى المصادر الاسلامية السنّية الحركية ان توقف "حماس" عن العمل العسكري لا يلغي دورها وفاعليتها وتأثيرها. وتشير أخيراً الى ان موافقة حركتي "حماس" و"الجهاد" على الهدنة كان ايضاً بعد مشاورات اقليمية أبرزها مع ايران التي شجّعت على ذلك.
لماذا؟
لماذا توقفت المصادر نفسها عند هذا "التطوّر الفلسطيني"؟. لتقول ان من شأن هذا الحدث أن ينعكس على لبنان، وتحديداً على "الظاهرة السلفية الجهادية"، وعلى المخيمات ايضاً، إذ وعلى الرغم من اضطراب الساحة العراقية، فإن هذا "الموقع المقاوم" في العراق لا يزال يثير الالتباس بينه وبين "بقايا نظام صدام"، في ظل عدم وجود فتاوى علمائية سنّية او شيعية بـ"الجهاد". وعليه فإن المطلوب من وجهة نظرها في لبنان، عدم إسقاط اليقظة الأمنية في موازاة عدم تضخيم الخطر واطلاق عمل سياسي "يحاصر" هذه الظاهرة وغيرها ويثبت الأفق المسدود أمامها... فلا يعود شباب مسلم الى... الاختفاء والتحوّل "لقمة سائغة" لمن يؤشر بيده الى الأمكنة الخطأ، ولا يتحوّل الى لقمة سائغة في ألاعيب أجهزة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00