8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

صفير يرفض "إغراءات مارونية" ويتمسّك بتطبيق الدستور إلزاميّاً

قبل أيام قليلة، وخلال استقباله أحد الوفود في بكركي، استعاد البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير مفردات كان خطابه السياسي يضجّ بها قبل فترة من مثل "السيادة" و"القرار الحرّ" و"إدارة اللبنانيين لشؤونهم". وقد بدت هذه الاستعادة خارج السياق الذي التزمه البطريرك، بشكل خاص منذ الخامس من آذار الماضي عندما أصدر مجلس المطارنة الموارنة برئاسته عشيّة الحرب الأميركية على العراق، بياناً متضمناً آنذاك لفتة ايجابية الى الرئيس السوري بشّار الأسد وإخراجاً لموضوع العلاقات اللبنانية ـ السورية من سياق التطوّرات الاقليمية وما تفرزه من توازنات.
وقد تابع البطريرك تعميق هذا الالتزام وصولاً الى المجمع الماروني الشهر الماضي، وإن كان لا مجال للشك هنا في ان "ضبّ" صفير لمفردات "الخطاب السيادي" خلال فترة استغرقت أربعة أشهر ليس مرادفاً لـ"التراجع" عنها، بل من الواضح ان "الضبّ" جاء يعبّر عن خيار من شقّين: الأول هو تأكيد "عروبة" مسيحيي لبنان بما هي انتماء الى المنطقة المتعرّضة لأخطار شتّى وتفاعل مع قضاياها، وفي ذلك "حماية" للمسيحيين، والثاني هو عدم تمكين أحد في لبنان وخارج لبنان من إدراج أي بحث في العلاقات اللبنانية ـ السورية في خانة أي اشتباه بمراهنة على توازن قوى جديد في المنطقة.
خلال هذه الفترة، وخصوصاً بعد انتهاء الحرب على العراق وسقوط نظام صدّام حسين، كان المتحدّث الى شخصيات من المعارضة المسيحية الأكثر قرباً الى البطريرك يلمس ان ثمة شعوراً لدى هؤلاء بأن سيّد بكركي "زادها" في "التمهّل" وفي اقتصار "توجيهاته" على "العام جداً"، مع أن أحداثاً كثيرة مرّت أبرزها في لبنان قيام الحكومة الحالية التي رأت فيها المعارضة المسيحية ردّاً سلبياً على إشارات بطريركية ايجابية. ومع ذلك، التزمت هذه المعارضة بـ"سقف بكركي" وقالت في قرارة نفسها "لعلّ في ما يقوم به البطريرك حكمة"، وهي التي بفعل مجموعة من العوامل منذ إقفال "ام.تي.ي" وإلغاء نيابة غبريال المرّ، "سحبت" الموضوع اللبناني ـ السوري مما يسمّى "التداول". لكن المعارضة ظلّت خلال هذه المرحلة تشعر بتراجع دورها وفاعليته، حتى ان اجتماعاتها في "قرنة شهوان" بدت أشبه بـ"تأكيد الوجود"، وخلت مواقفها من أي محاولة تأسيس لحركة سياسية معينة، في ظل "اجتهادات" غير موحّدة بين أركانها، وتعذّر التفكير بصوت عالٍ مع وجود "حسابات" شتّى داخلها إزاء"المفصل" الذي تمرّ به المنطقة ولبنان.
صفير يضيق ذرعاً بـ "السلطة"
والآن وبعد أن "سخّن" البطريرك من جديد، يُطرح السؤال الآتي: لماذا.. وفي هذا التوقيت؟
عن هذا السؤال، تجيب مصادر سياسية مقرّبة من صفير أن ثمة سببين رئيسيين وراء ذلك "الفلاش" البطريركي.
أولاً ـ يلمس البطريرك الماروني انه في الوقت الذي يبدي حرصه الشديد على ترسيخ خطّ العيش المشترك الاسلامي ـ المسيحي ويعلن معادلته الشهيرة "الموارنة للبنان وليس لبنان للموارنة"، وفيما لا يتوانى عن تأكيد ان في ذلك تحصيناً للبنان بالتفاهم مع سوريا، وبينما مطلوب من المسيحيين "عدم التفكير" بمآل المنطقة بعد التطوّرات الهائلة المؤثرة في لبنان وعدم الإعلان بما يستخلصونه من تفكيرهم، خشية اتهامهم بـ"المراهنة" على الولايات المتحدة، يلمس البطريرك ان ثمة على صعيد السلطة وفريق أساسي فيها تموضعاً محسوباً بأفق العلاقات السورية ـ الأميركية ومستقبلها، لا بل ان معلومات المصادر المقرّبة منه تفيد ان مبعوثين لهذا الفريق ينقلون إليه مواقف وتحليلات تختلف بشكل ملموس عن تلك المعلنة، مواقف على غاية في المرونة حيال الولايات المتحدة. وتذكّر المصادر نفسها في هذا المجال بأن البطريرك قال أمامها مرات عدة انه سواء انتهى "التجاذب" السوري ـ الأميركي الى "عدم تسوية" او انتهى الى "تسوية" أياً كان توازنها، وهما احتمالان واردان سياسياً، فإن الضمانة الأولى هي توكيد ميثاق العيش المشترك والتفاهم مع سوريا أياً يكن الاحتمال في العلاقة السورية ـ الأميركية.
ثانياً ـ ويلمس صفير في ضوء ما تقدّم وما يسمعه من المبعوثين، ان ثمة عملية "تسويق" تتعلّق باستحقاقات مقبلة، أخطر ما فيها بحسب المصادر انها تحاول "الإغراء" مارونياً إذ تفتح بحثاً بالدستور والصلاحيات الدستورية وتطلب اصطفافاً معيّناً. وهذا الأمر بالتحديد هو ما ضاق البطريرك ذرعاً به كما تقول، وذلك من زاويتين، الأولى ان "الناس بالناس والقطّة بالنفاس"، بمعنى انه بينما يفترض أن يدور البحث حول أولويات اخرى، ينشغل بعض السلطة في "مشروع" خاص به، والزاوية الثانية ان صفير لا يزال على تمسّكه بالطائف نصّاً وروحاً، الطائف بوصفه مرجعية للدستور والصلاحيات وبوصفه مرجعية للعلاقات اللبنانية ـ السورية، وقد كرّر ذلك مراراً أمام المبعوثين مؤكداً ان تطبيق الطائف هو الممر الإلزامي لاختباره واختبار إمكان تعديله.
على هذه الخلفية، تلفت المصادر السياسية المعارضة المقرّبة من صفير الى ان كلامه الأخير مطلع الأسبوع الجاري، يأتي في سياق انزعاج من مقابلة الخط الذي سعى الى ترسيخه بأداء سلبي، نافية أن تكون لهذا "التسخين" علاقة بمجريات "قانون محاسبة سوريا" في الكونغرس الأميركي كما يشيع همساً بعض "المتربّصين". وتتوقع أن تتوالى "إشارات التسخين" من قبل البطريرك في الفترة اللاحقة، من غير أن يعني ذلك توجهاً نحو "التصعيد"، بل توجهاً الى أخذ "مسافة" معينة من بعض التطوّرات.
خلوة "سيّدة الجبل": ملاحظات "حيادية"
في هذا المناخ البطريركي، دعا النائب فارس سعيد يوم السبت الماضي الى خلوة "دار سيّدة الجبل" التي كانت بحسب المعلومات حصلت على "بركة" البطريرك، خصوصاً من زاوية مشاركة مسلمين فيها.
في هذه الخلوة، شعر من حضرها ان المعارضة المسيحية تعيش أجواء "نهاية مرحلة" وإن كانت هذه المعارضة لا تطلق حركة سياسية ضاغطة على مجرياتها. بيد انه يمكن تسجيل الملاحظات الآتية على الخطاب السياسي الاجمالي في الخلوة:
أ ـ ثمة قناعة ضمن "الخطاب الاجمالي" وإن بـ"نبرات" متفاوتة عند المتحدثين بأنه لا مناص من أخذ التطوّرات الاقليمية حول لبنان في الحسبان، وبأن "المشكلات" التي تواجه الولايات المتحدة في العراق وفلسطين لن تكون مستعصية، وإن سوريا نفسها تأخذ ذلك في الاعتبار وأنه لا بدّ للبنان من أن يقوم بالمثل ليس للانجذاب الى الفلك الأميركي بل لتحصين وضعه بالعلاقة مع سوريا حيال هذا الأمر، كما يقول معظم المتحدّثين في الخلوة.
ب ـ في ثنايا "الخطاب الاجمالي"، دعوة ـ وإن غير معلنة ـ الى تسوية بين المعارضة المسيحية وبعض قوى النظام السياسي التي تعتقد المعارضة انها تمثّل ثوابت في طوائفها شيعياً ودرزياً وسنيّاً، لا بل ان بعض المعارضة المسيحية يعرب عن تفهّمه لمواقف "ثوابت الطوائف" ولا سيما النائب وليد جنبلاط.
ج ـ يبرز تأكيد من قبل المتحدثين في الخلوة على ضرورة بروز كتلة مسيحية ـ اسلامية (تتفاهم مع سوريا)، تتمسك بالدستور وتعتبر ان التغيير المطلوب هو في "النهج" وليس في النصوص الدستورية. ويشدّد المتحدثون على ان تطبيق الدستور هو الضمانة للمسيحيين بما لهم وما عليهم. وفي هذا، تلاقٍ واضح مع البطريرك صفير.
هذه الملاحظات التي يمكن تسجيلها لا يمكن في المقابل "تحميلها" للبطريرك، لكن يبدو ان الخلوة التي تمثّل أول "تحرك" معارض منذ فترة، تستظل المناخ البطريركي، وفي عمق الأمور ان التعديلات الدستورية تقود الى انقسام ما لم يكن بحثها مستظلاً بكتلة سياسية من قوى متعدّدة.. وذات حجم تمثيلي، كما يؤكد مشاركون في خلوة النائب سعيد.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00