هل أقلعت "خارطة الطريق" في اطارها الفلسطيني ـ الاسرائيلي وما الخروق للهدنة إلا تعقيدات اللحظة التي تسبق ارتفاع الطائرة المقلعة؟.
هذا السؤال كان موضع اهتمام العديد من الأوساط السياسية والديبلوماسية في الأيام القليلة الماضية. وبالاستماع الى مصادر ديبلوماسية عربية بعضها متابعٌ من واشنطن، يمكنُ رسم الصورة الآتية:
أولاً ـ اذا كان الهدف "الأخير" لـ"خارطة الطريق" هو التوصل الى اقامة دولة فلسطينية، يمكن القول في هذا المجال إن الخلاف على "مبدأ" وجود دولة فلسطينية ليس قائماً بين الأطراف الثلاثة أي الولايات المتحدة والحكومة الاسرائيلية والسلطة الفلسطينية. بيد أن الخلاف قائم ويتركّز على "حجم" هذه الدولة وقابليتها للحياة.ذلك أنه فيما يعتبر رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون ان الدولة الفلسطينية يجب الا تتجاوز كونها جزراً سكانية تتوسطها مستوطنات على أراض تتبع لإسرائيل، يتمسك الفلسطينيون بدولة على كامل الضفة الغربية وقطاع غزة أي على حدود العام 1967، بينما لا تحسم الموافقة الأميركية على قيام دولة فلسطينية "قابلة للعيش" الموافقة على قيامها على كل المساحة المشار اليها. ولذلك كله تعتبر المصادر الديبلوماسية ان هذا الخلاف المتصل بالهدف من "خارطة الطريق" لا يزال يمثل الاشكالية الرئيسية لهذه الخارطة، هذا من دون نسيان ان للخلاف على جغرافية الدولة تتمة أساسية هي أيضاً تتعلق بعنواني القدس وحقّ العودة.
ثانياً ـ على افتراض ان الولايات المتحدة "حكَم" أو "وسيط"، فذلك يعني انه سيكون عليها من أجل تحقيق هدف "خارطة الطريق" في الموعد المعلن في العام 2005 أن تضغط بأحد اتجاهين: إما على اسرائيل وإما على السلطة الفلسطينية، على الأولى لتقبل الرؤية الفلسطينية للدولة أو على الثانية لقبول أدنى من رؤيتها. فهل تستطيع واشنطن الضغط وعلى من؟
الضغط على اسرائيل
ثالثاً ـ ان الضغط الأميركي على اسرائيل ليس بحسب المصادر الديبلوماسية أقل من مواجهة أميركية ـ اسرائيلية. لذلك فإن السؤال هو: هل ترغب أميركا في ممارسة الضغط "الرهيب" على اسرائيل وهل تستطيع اذا رغبت؟. والجواب عند المصادر هو "لا". ذلك أن الرئيس الأميركي جورج بوش أمام استحقاق انتخابي رئاسي قريب، وثمة تحالف مساند له لا يستطيع التفريط به، مكوّن من ثلاث مجموعات باتت معروفة وهي المحافظون الجدد واليمين المسيحيّ واللوبي الاسرائيلي، ويحتل ممثلو هذه المجموعات المكونة للتحالف 35 موقعاً رئيسياً داخل الادارة. والى حاجة بوش الانتخابية الى هذه المجموعات الثلاث، يضاف انها جميعاً تجاهر برفضها لـ"خارطة الطريق". فهل يكون انتظار حصول ضغط على شارون أمراً منطقياً؟. واذا كان الجواب انه أمر منطقي بعد الانتخابات، فإن الرد على ذلك هو أن الانتخابات لا تنتهي في أميركا، لأن ثمة انتخابات في أميركا كل عامين سواء انتخابات مجلس النواب أو الكونغرس أو الرئاسة.
... أم على الفلسطينيين
رابعاً ـ اذا كان الضغط الأميركي على اسرائيل متعذراً، فهل أن الضغط على الفلسطينيين أسهل ويعطي نتيجة؟ وفي الاجابة عن هذا السؤال تقول المصادر نفسها إنها تتوقع أن تستنسب واشنطن هذا الخيار، لكنها تستبعد وجود من يقبل بين الفلسطينيين بـ"حلّ" لا يلتقي مع المطالب الفلسطينية ولو نزل الفلسطينيون عن السقف الذي رسموه لأنفسهم وارتضوا تنازلات معينة، لأن قبول ما تطرحه اسرائيل فلسطينياً بمثابة مجازفة بالوضع الفلسطيني.
خامساً ـ اذا كان ما تقدم يعرضُ لـ"الاشكاليات" الكبرى التي تواجهها "خارطة الطريق"، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو الآتي: هل يمكن للمرحلة الانتقالية التي يفترض انها بدأت أن تصمد، وللهدنة أن تدوم، ولقدرة السلطة الفلسطينية على ضبط الوضع والامساك به أن تتحقق... وإلى أي مدى يمكن كل ذلك ان لم تقم اسرائيل بنفسها بمحاولة "صياغة" وضع فلسطيني ينزل تحت السقف بكلّ ما يعنيه هذا من عمليات عسكرية؟.
سادساً ـ في ضوء المقدمات الآنفة، تسأل المصادر الديبلوماسية العربية: اذا كان ما تقدم يعني أن لا أفق مفتوحاً أمام "خارطة الطريق"، فلماذا أقحم الرئيس بوش نفسه فيها؟. وفي الجواب عن ذلك، تقدّر أن بوش الذي يتمتع داخل الولايات المتحدة بسمعة رجل حرب، بحاجة الى أن يقدّم صورة أخرى عن نفسه، صورة رجل سلام، مراهناً على أن ليس ثمة خسارة يجنيها من "الخارطة" وعلى أن تستمر مفاعيل الانطلاق بها فترة زمنية كافية ومراهناً على مخرج يتمثل بدفع الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني الى القبول بـ"حل وسط": دولة على جزء اساسي من الارض لكن ليس كلها، دولة متواصلة مع ايجاد "تدبير" لموضوع العودة وآخر لموضوع القدس. وتضيف اعتباراً آخر هو أن بوش يحتاج الى "اخماد" جبهة لصالح "التفرغ" على "جبهتي" العراق وأفغانستان.
العراق.. أفغانستان.. الاقتصاد
سابعاً ـ تبدي المصادر نفسها اعتقادها أن حرص بوش وفريقه "الليكودي" وتصميمه على الفوز بولاية ثانية يؤسس خلالها لسيطرة حاسمة للحزب الجمهوري المجدد بنيوياً بالارتباط مع التحالف الذي يسيطر على الادارة اليوم، الأمر الذي يجعله "يحجم" عن الضغط على اسرائيل، لا يعني ان ادارته لا تواجه مشكلات قد تتسبب بفشل انتخابي. وفي هذا الاطار، تشير الى أن تصاعد المقاومة في العراق وتزايد القتلى الأميركيين سيؤثران على بوش. وتلفتُ أيضاً الى بروز أداء نوعي مختلف في أفغانستان من قبل حركة "طالبان" في مواجهة الأميركيين، وقد أكد ذلك، ممثل الأمين العام للأمم المتحدة في أفغانستان الأخضر الابراهيمي في أحد لقاءاته خلال زيارته الى بيروت مؤخراً، عندما لفت الى أن العملية الأخيرة التي نفذت ضد الأميركيين قام بها ما يقارب مئة مقاتل طالباني. أما الأمر الثالث الذي يضغط على بوش فهو الوضع الاقتصادي الذي أبرزت احصاءات صدرت قبل أيام قليلة أن إحدى نتائجه ارتفاع نسبة البطالة الى مستوى غير مسبوق (6.5 في المئة) في وقت لا يزال بوش يراهن على أن يبدأ مفعول التخفيض الضريبي في الظهور خلال العام 2004، الأمر الذي لا يشاطره فيه معظم الاقتصاديين الأميركيين.
ثامناً ـ على أن المصادر نفسها التي تعتبر العناوين الثلاثة السابقة علامات استفهام، تشيرُ الى احتمال خطير في حال وجد بوش نفسه في "حشرة". وتقول إن لدى الصقور المسيطرين على ادارته "مفهوماً" يرون على خلفيته أنه لا بد دائماً من وجود حرب تخوضها أميركا ضد عدو محدد وخطر محدق. والاحتمال الخطير هو أن يلجأ بوش الى حروب "حقيقية" أو "مشاريع حروب" اذا تراءى له أن شعبيته ترتفع في مثل هذه الحال، واذا تذكّر أن "عظماء الحروب" بمن فيهم والده خسروا عندما انتهت حروبهم.
سوريا وإيران
تاسعاً ـ في هذا السياق، تنظر المصادر الى الضغوط الأميركية على سوريا وإيران بوصفها منطلقة من مخاوف أميركية من تنامي ما يشبه حرب العصابات في العراق، وتهدف الى لجم سوريا وإيران ومنعهما من أي تشجيع لحرب عصابات في العراق. وتقول إن هذه الضغوط المركزة لسبب عراقي، تدخل في اطار "التخويف" المستهدف ضبط الايقاع الاقليمي.
عاشراً ـ تختم المصادر الديبلوماسية العربية بالتشديد على أن مشكلات "خارطة الطريق" عديدة، لكن الإدارة الأميركية "تأمل" أن تنجح "الخارطة" بتنازلات من الجانبين، فالولايات المتحدة تعتبر أن الحلّ في فلسطين يحلّ مشكلتها في العراق، وترى أنه اذا سارت "خارطة الطريق" لا تعود المنطقة مسرحاً لحروب.
في الجواب عن سؤال: هل أقلعت "خارطة الطريق"، من الواضح ان المصادر المتحدثة تغلّب الحديث عن الاشكاليات، من غير أن تقفل الأبواب، وهي في أجوبتها عن الأسئلة تضيف اشكاليات على اشكاليات.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.