8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

لماذا يتخلّى جنبلاط عن دوره كلاعب سياسي محلي رئيسي؟

لم يسبق لرئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط أن ظهر على المسرح السياسي اللبناني بالصورة التي يقدّمها الآن عن نفسه، صورة المقطوع الصلة بالقوى الرئيسية في الاجتماع السياسي، حيث لا تحالفات معلنة بينه وبين معظمها ولا تحالفات "موضوعية" ايضاً.
فالعلاقة بينه وبين البيئة المسيحية المعارضة مقطوعة وإن وجدت فمع "هوامشها" وبتقطع. والعلاقة بينه وبين "مسيحيي النظام" غير قائمة بجدية وله على هؤلاء ملاحظات عديدة. والعلاقة برئيس الحكومة رفيق الحريري انقطعت مؤخراً في الوقت الذي لا تقوم علاقة بديلة بأي من رموز الاسلام السياسي الآخرين، لا بل هو لا ينظر بكثير احترام الى معظمهم. والعلاقة برئيس مجلس النواب نبيه بري فضلاً عن "إشكالياتها التاريخية" غير وثيقة بالمرة، بينما لعلاقته المتينة بـ"حزب الله" اعتبارات وطنية وقومية بالدرجة الأولى.
هذه "الصورة" التي يقدّمها جنبلاط عن نفسه، تعكس بحسب متابعين كثر وضعاً غير مألوف للزعيم الجنبلاطي في الحياة السياسية للبلد، فهو الحليف لسوريا لا يبني علاقات تحالفية مع حلفائها او من يجاهرون بانتسابهم الى خطها، ولا هو في المقابل يسعى الى دور بين هذه القوى. بل أكثر من ذلك، نأى بنفسه عن أي مسعى بين الرئيسين اميل لحود ورفيق الحريري، وهو قبل الانقطاع مع الثاني كان يملك موقعاً مميزاً عند الاثنين... وقيل انه جرى التمني عليه سورياً أن يؤدي هذا المسعى... فكان ما كان من إعلان من جانبه ان "الحريري خسرني" فعطّل بنفسه إمكان الدور.
جنبلاط والحريري
لا أحد يستطيع النيابة عن جنبلاط في التفسير "العميق" لهذه "الصورة" التي لا يشك أحد في كونها لا تعكس الموقع الحقيقي لهذا الزعيم السياسي. غير ان ما يجب قوله من وجهة نظر المتابعين الكثر هو ان جنبلاط لا يقدّم صورة مقنعة عن نفسه الآن، ولا المعلن من الأسباب مقنع ايضاً. فعلى سبيل المثال، ان قوله انه لم يعد باستطاعته مواكبة الرئيس الحريري في نهجه الاقتصادي (والاجتماعي تالياً) يتناقض مع النجاح الذي حقّقه جنبلاط (بالاتفاق مع بري) وبدعم من "الشارع المطلبي" بحدوده، في فرض تعديلات على موازنة العام 2003 وفي بند رئيسي منها يتعلق بضريبة الـ5 في المئة، وهو نفسه قال آنذاك ان تسوية فرضت على الحريري. ثم ان خلافه الاقتصادي غير الجديد مع الحريري استمر طويلاً مظللاً بـ"تحالف سياسي"... والى ذلك يضاف ان الخسارة إذا وجدت من هذا "التحالف السياسي" لجهة عدم قدرته كما يردّد في أحيان كثيرة على "مواجهة" الحالة الشعبية ـ الاجتماعية، فإن خسارة "التحالف السياسي" مع الحريري أكبر وتنعكس في مناطق كثيرة يعرفها جنبلاط.
..ولحود والمسيحيون
وعلى سبيل المثال ايضاً، فإن علاقته بالرئيس لحود التي تحكمها من وجهة نظر المتابعين اعتبارات عدة من بينها احترامه لرغبة سوريا، تبدو للمتابعين أنفسهم "علاقة اشكالية" إذا ما أُخذ في الاعتبار "العقل السياسي الجنبلاطي" الاجمالي.
فجنبلاط بحسب هؤلاء لا يستطيع مجاراة الرئاسة الى الآخر، وهو يبدي في غير مناسبة مخاوف من أداء مقربين من الرئيس يسوّقون أولوية الأمن على السياسة للمرحلة المقبلة... لا بل ينقل البعض عن جنبلاط ان أحد انتقاداته على الرئيس الحريري هو أن رئيس الحكومة "قطعه" عند مفصل في تاريخ البلد صيف 2001 في موضوع أصول المحاكمات الجزائية آنذاك، حيث لا يزال جنبلاط على ما يُنقل عنه يعتبر ان هذا المفصل يؤرخ لقيام ما يشبه "النظام الأمني" في البلاد. والى "العلاقة الاشكالية" بالرئيس، يسخر جنبلاط من بعض "موارنة النظام" الذين يحاولون تقديم أنفسهم في هذه المرحلة بوصفهم المرشحين المحتملين لرئاسة الجمهورية على رقعة التقاطع بين سوريا والولايات إذا قدّر للعلاقة السورية ـ الأميركية أن تنتج تسوية معينة. باختصار، يرى المتابعون ان هذه "الاشكاليات" لا "ترّبح" جنبلاط في الوقت الذي لا تكسبه في البيئة المسيحية الاخرى.
لماذا الريبة؟
ويواصل المتابعون القراءة في "الصورة" التي يقدّمها جنبلاط عن نفسه الآن، فيقولون ان الريبة التي يبدو انه يبديها حيال القوى السياسية الرئيسية واتهامه لها بانتظار رجحان الكفّة الأميركية على سوريا، ليست (الريبة) في موضعها. ذلك ان أيّاً من القوى السياسية الرئيسية لم يكن خلال الفترة السابقة وحتى اليوم خارج "الملعب السوري" إذا جاز التعبير من جهة، وان أيّاً منها لا يرتكب معصية إن هو تابع مسار العلاقة السورية ـ الأميركية وهو مسار مستقل عن تأثير القوى اللبنانية فيه من جهة ثانية، وان أيّاً منها لا يستطيع أن ينفي ان هذا العامل أي مآل العلاقة السورية ـ الأميركية سينعكس عليه بشكل او بآخر وانه معنيّ به تالياً وان عليه أن يأخذه في الاعتبار من غير أن يعني ذلك انه أضحى أميركياً او متأمركاً... ثالثاً. يستوي في ذلك المعارضة المسيحية و"حزب الله"، الأولى من زاوية توظيف خطابها "المنفتح" المعزّز بمقررات المجمع الماروني، والثاني من زاوية قراءة آفاق الدور المقبل. ويلفت المتابعون هنا الى ان اتجاه العلاقة السورية ـ الأميركية نحو التسوية كما يقول الرئيس بري ويؤيده في ذلك النائب بطرس حرب، وإن كان حرب لا يستبعد توازناً جديداً ضمن هذه التسوية، أمر يرتب حصول مواكبة لبنانية تترجم نفسها صوغاً للواقع السياسي اللبناني على المدى غير البعيد بالتفاهم مع سوريا وليس بالضدّ منها بطبيعة الحال.
ما هو الدور المنتظر؟
من هذه المقدّمات جميعاً، يصل المتابعون الى مجموعة من الاستنتاجات المهمة أبرزها اثنان. الاستنتاج الأول هو انه إذا كان صحيحاً ان مجموعة من الأمور والاستحقاقات لا يقرّرها لاعبون سياسيون محليون ولا التوازن اللبناني نفسه، فإن الصحيح بقدر عالٍ ان تعبير الاجتماع السياسي اللبناني عن نفسه أولاً بأول مفيد استعادةً لفاعليته وتطويراً لها. اما الاستنتاج الثاني، فهو ان وليد جنبلاط بالصورة التي يقدّمها عن نفسه في اللحظة الراهنة، وهي بنظر المتابعين ليست الصورة المقنعة، إنما يجرّد نفسه من ورقة قوة رئيسية كونه الوحيد الذي يستطيع أن يلعب دور همزة الوصل بين القوى وبينها وبين سوريا. فجنبلاط "الآن" يرتكز الى عاملين اثنين فقط، أولهما زعامته الدرزية المحسومة وثانيهما ان وجود الدروز في الصيغة حاجة وضرورة، بينما يؤدي اضطلاعه بدوره كهمزة وصل بالمعنى المشار اليه آنفاً الى تحصين فاعلية تعبير الاجتماع اللبناني عن نفسه من ناحية والى ضمان تموضع الواقع اللبناني في الاتجاه الصحيح من ناحية ثانية.
ويختم المتابعون "مطالعتهم" بالقول ان الزعيم الجنبلاطي "عوّد" اللبنانيين على أداء سياسي مختلف، لا يكتفي معه بالمواقف "المبدئية" بل يذهب الى إطلاق دينامية سياسية لا تناقض مواقفه المبدئية هذه... وانه سيبقى مطالباً بمثل هذا الأداء فيخرج الوضع السياسي من "الاضطراب" الذي يشعر به عندما يرى جنبلاط نفسه... متردّداً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00