تورد مصادر متابعة معلومات تفيد أن ثمة من يحصي الكتابات السياسية في جريدة "المستقبل" التي لا تتوافق مع توجهات بعضهم أو سياساته، ويضع هذه الكتابات في خانة الرئيس الحريري فتُنسب اليه قيادة حملة سياسية بـ"الواسطة" أي عبر الكتّاب في "جريدته"، فيحاسب تارة على خرق هدنة مفترضة وأخرى على المبالغة في "الوفق". والحال إن في ذلك ظلماً للرئيس الحريري، لكن فيه ظلماً مضاعفاً لكتّابها. ذلك أن الأمر يعني رفض مهنية هؤلاء الكتّاب الصحافيين، ورفض حقهم في الكتابة عن البيئات السياسية المتعددة واتجاهاتها ومقارباتها، ويعني تجريدهم من دورهم، فيما الأمر متاح لزملاء في صحف أخرى... وكل ذلك في سياق "تمييز عنصري" غير مقبول.
لذلك وفي ضوء المعلومات الآنفة والدلالات التي تنطوي عليها، فإن الكتّاب في "المستقبل" اتفقوا على "خطاب القسم" الآتي:
"نقسم بالله العظيم أن كتاباتنا السياسية تعكس أجواء فعلية في البلد لا نقوم بتقديمها إلا مخففة، ونقسم أن الرئيس الحريري لا يُطلع عليها مسبقاً وأنه عندما يقرأها يكون غير موافق في معظم الأوقات، ونقسم أننا سنتمسّك بحقنا في المساواة مع سائر الأقلام، ونقسم أننا لن نقبل من أي كان انتهاك هذا الحق لنا ولغيرنا من الزملاء".
بقرادوني
أما بعد،
في الوقت الذي يلتزم الرئيس الحريري "التسوية المجحفة" التي مهدّت لـ"استئناف" جلسات مجلس الوزراء، تلاحظ الأوساط السياسية مجموعة من المفارقات التي تحصل لا بل تزداد بعد هذه التسوية المجحفة. ففي حديث إذاعي قبل بضعة أيام بعد جلسة الساعات السبع وتعليقاً عليها يقول رئيس "الكتائب" الوزير كريم بقرادوني إن "الخروج من الحلقة المفرغة للملفات الخلافية هو لمصلحة الجميع". ويضيف: "لا شك أن رئيس الجمهورية هو رمز لا يجوز أن يخسر فإذا سقط هذا الرمز سقط الوطن"، ويتابع: "هذا الرئيس بالذات أصبح رمزاً للاستقرار الداخلي، ودور رئيس الحكومة في هذا الإطار أن يحل المشكلات (...)".
وفي هذا المجال تعرب الأوساط عن اعتقادها أن في ما يقوله بقرادوني قدراً عالياً من الخطورة ليس من زاوية إمكان أن ينسب هذا الكلام الى الرئيس نفسه وحسب، إنما من زاوية نسفه لمبادئ دستورية أساسية.
فإذا كان لا يجوز لرئيس الجمهورية أن يخسر، فمعنى ذلك بطريقة أخرى أن كل ما يريده رئيس الجمهورية يجب أن "يمشي" ويُؤخذ به، وعندئذٍ لماذا مجلس الوزراء والتصويت فيه علماً أن بقرادوني "زايد" على الجميع بدور مجلس الوزراء؟ ثم ما معنى "المشاركة" في مجلس الوزراء طالما أن كل ما يريده الرئيس يجب أن "يمشي"؟. و"الأنكى" من ذلك كله أن بقرادوني يعتبر أن "دور رئيس الحكومة هو حل المشكلات" أي أن دوره يتلّخص بالوقوف على خاطر رئيس الجمهورية لتسير الأمور كما يريد.
على أن كلام رئيس "الكتائب" يسلّط الضوء بمفعول رجعي على الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء، فتكون ترجمته عندئذٍ أن الجلسة نجحت لأن ما يريده رئيس الجمهورية اعتمد، وتكون ترجمته أنه إذا خسر رئيس الجمهورية تصويتاً ـ جدلاً ـ يكون الوطن مهدداً بالسقوط!
حرب
وقبل أن تعود الى الدلالات السياسية الأخطر في كلام بقرادوني، تتوقف الأوساط عند كلام آخر للنائب بطرس حرب في حديث إذاعي أيضاً. يقول حرب إن الدستور يقضي بأن "يُطلع رئيس الحكومة رئيس الجمهورية مسبقاً على جدول الأعمال، وهذا يعني أن يتشاور معه". ويضيف أنه "إذا طلب رئيس الجمهورية إلغاء بند ولم يتوافق على ذلك مع رئيس مجلس الوزراء تبقى صلاحية إدراجه عند رئيس الوزراء، لكن من حق رئيس الجمهورية عندما يُطرح في مجلس الوزراء أن يطلب إرجاء البحث فيه، وإذا كان رئيس الجمهورية يريد أن يضيف شيئاً ولم يتوافق عليه مع رئيس الوزراء فهناك المادة التي تعطي رئيس الجمهورية الحق بإضافته من خارج الجدول". ويستكمل حرب ذلك بالقول إن "الوزير هو رئيس وزارته ولا يجوز لرئيس الحكومة مصادرة صلاحيات الوزير ومنعه من إرسال أي مشروع الى مجلس الوزراء".
هكذا إذاً "يربّط" النائب حرب رئيس مجلس الوزراء وصلاحياته ولو أنه لا يُمارس التعميم كما يفعل بقرادوني، ويكتفي حتى الآن بموضوع صلاحية وضع جدول الأعمال، علماً أن حرب كان سبّاقاً الى قول ما مفاده إنه طالما أن رئيس الجمهورية ثابت دستوري ورئيس الحكومة متحوّل، فما على رئيس الحكومة إلا أن يغادر الى بيته إذا كان الاتفاق بينه وبين رئيس الجمهورية متعذّراً!.
وفي رأي الأوساط أن ما تحدّث فيه الوزير بقرادوني والنائب حرب بصرف النظر ما إذا كان خرقاً لما يسمّى "هدنة" أو لا، فإنه يدخل في إطار من التباري على تقديم شروح في الدستور لا تستوي مع نصه وروحه.
ذلك أنه إذا كان الرئيس الحريري لا يفتح النقاش على مصراعيه حول صلاحيات رئيس مجلس الوزراء ويتطرق الى هذه الصلاحيات أحياناً من مدخل جزئي مثل إعداد جدول الأعمال، فليس معنى ذلك أن المواقع الدستورية الأخرى تمارس صلاحياتها الحقيقية والفعلية، وليس معنى ذلك أنه بفعل "توازن قوى" معيّن يمكن فرض ممارسة معينة للدستور تنطوي على تغيير في طبيعة النظام السياسي.
ما بعد "الهدنة"
وتستنتج الأوساط نفسها أن ما تم التوصل اليه أخيراً هو بالفعل "تسوية مجحفة" و"ضد" الرئيس الحريري، وضد مطلق رئيس لمجلس الوزراء. والدليل أنه كان ولا يزال في وسع الحريري أن ينطلق مما يُقال لـ"يمشكلها". والدليل الآخر أن في استطاعة الحريري أن يسأل: كيف تُحال محطة تلفزيونية على التحقيق لأنها هاجمت المدير العام للأمن العام بينما تحترف هذه المحطة مهاجمة رئيس الحكومة يومياً وتطاول في هجماتها علاقات لبنان على غير صعيد ولا تحال على التحقيق؟. والدليل الثالث أن المحطة تحدّت قرار مجلس الوزراء في ما يخص الإعلام والذي قضى بالمحاسبة في إطار القانون لكل مخالفة بعد هذا القرار ولا تزال إمكانية بحثها عن حمايات سياسية مفتوحة.
ومن ذلك تصل الأوساط الى استنتاج آخر وهو أن ما يحصل بعد "التسوية المجحفة" يؤشر الى أن الأجواء في البلاد لا تزال "مكهربة"، وتزيدها مواقف من "نوع" ما أعلنه بقرادوني وحرب "كهربة".
مسيحياً
على أن أوساطاً مسيحية تقول في هذا المجال إنها إذا كانت في موقع "مراقبة" ما يدور على مستوى السلطة السياسية، فإنها لا تعتبر نفسها حيادية بالمطلق حيال ما يدور، وترى أن ما يجري ليس تطبيقاً للدستور، وتقول إنها لطالما اشتكت من تطبيق غير متوازن لهذا الدستور... وإن كانت تعلن أنها لن تدخل علنياً على الخط الآن، لكنها تذكّر بتأكيد البطريرك نصرالله بطرس صفير على أن "الطائف" هو ضمانة المسيحيين، وتذكّر أيضاً بفحوى ما انتهى اليه المجمع الماروني قبل أيام لجهة دور الموارنة في إطار العيش المشترك. بيد أن ما يلفتها ليس موقف بقرادوني ودوره، ما يجعله موضع ملاحظة حتى من داخل السلطة ومن الوزير الياس المر تحديداً، بل ما يلفتها أكثر الخطى المتسارعة للنائب حرب نحو الخروج من "الحيرة" بالابتعاد عن المعارضة والاقتراب أكثر من السلطة من بوابة الوزير المر.
وتختم بسؤال: من يفك اللغز الآتي: بين تسويق بعضهم في السلطة لعنواني الإرهاب الأصولي والمخيمات الفلسطينية خارجياً، وتسويق بعضهم الآخر لشروح دستورية انتهازية خطيرة... ما المقصود وما تأثيره المرتقب؟








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.