8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

وتعارض اكتفاء واشنطن بـ"العصا" في فلسطين والمنطقة الاختلاف الأوروبي ـ الأميركي تكتيكي وليس استراتيجياً

تكشف مصادر ديبلوماسية غربية عن اختلاف أوروبي ـ أميركي متجدّد على خلفية ما يجري الآن في العراق وفي فلسطين، حيث لأوروبا التي رفضت الانخراط في الحرب على العراق وجهات نظر مختلفة حيال السياسة الأميركية المعتمدة في المسألتين العراقية والفلسطينية.
في هذا المجال تقول المصادر الديبلوماسية ان أوروبا عموماً وفرنسا خصوصاً، سعتا بعد انتهاء العمليات الحربية الأميركية التي أدّت إلى سقوط نظام صدام حسين، إلى اعتبار الحرب التي شكّلت عنواناً خلافياً حاداً مسألة من الماضي، كما سعتا إلى تطبيع مع الولايات المتحدة ظهرت ملامحه خلال الأسابيع الأخيرة. غير ان ذلك لا يختصر من وجهة نظر المصادر واقع حال العلاقات الأوروبية ـ الأميركية بالنسبة إلى الشرق الأوسط تحديداً.
ففي المسألة العراقية، ينطلق التخوّف الأوروبي من الاعتبارات الآتية:
أولاً ـ يبدو واضحاً بالنسبة إلى الأوروبيين ان أميركا التي انتصرت في حربها على نظام صدّام لم تنجح في إطلاق مسار سياسي يختصر المرحلة الانتقالية وينقل العراق إلى مرحلة ما بعد صدّام، وإن من شأن ذلك أن يولّد فوضى عارمة في العراق لا شك أن نذرها قائمة الآن وهي مرشحة للتفاعل أكثر فأكثر.
ثانياً ـ في تقدير الأوروبيين ان استمرار الولايات المتحدة حتى الآن في تجاهل الأمم المتحدة ودورها في العراق، من شأنه ان يُشعل مقاومة عراقية ضد الاحتلال الأميركي يعزّز حال الفوضى في هذا البلد، وذلك في وقت تدل الوقائع، ولا سيما وقائع التعاطي الأميركي مع "الاجتماع العراقي" عن جهل بمكوّناته وتعقيداته، وليس أدلّ على ذلك من المعطيات التي أسّست الإدارة الأميركية عليها قبل الحرب، ومن التخبط والارتباك السياسيين بعد الحرب. وعلى هذا الأساس تعتبر أوروبا ان وجود المنظمة الدولية في العراق يمكن أن يحدّ من الفوضى وأن يطلق مساراً سياسياً منطقياً.

إسرائيل والمفاعل الإيراني والترانسفير
ثالثاً ـ في مثل هذه الأجواء، يخشى الأوروبيون انفلات التدخلات الاقليمية في العراق على نحو يزيد من الفوضى. وفي هذا المجال تشير المصادر الديبلوماسية الغربية إلى ان الأوروبيين يأخذون على محمل الجدّ التهديدات الواردة في "دراسات" اسرائيلية ينطلق واضعوها من ان ما يجري في العراق الآن ولا سيما على مستوى تشكّل بدايات مقاومة ينخرط فيها شيعة العراق، من شأنه أن يشكّل خطراً على العراق، وإن على اسرائيل أن تبادر بحسب هذه "الدراسات" إلى قصف المفاعل النووي الايراني، الأمر الذي يدفع ايران إلى مزيد من الانغماس في العراق. وفي هذا الإطار تبدي أوروبا تحفّظات واضحة حيال المحاولات الأميركية لزعزعة النظام الايراني من الداخل.
رابعاً ـ كما تنظر أوروبا بقلق إلى "دراسات" اسرائيلية أخرى ينطلق واضعوها من ان الفوضى القائمة في العراق تشكّل مناخاً مؤاتياً لتحقيق "الترانسفير" أي نقل كتلة كبيرة من الفلسطينيين إلى العراق، والتأثير بذلك على مسار البحث في تسوية ما للمسألة الفلسطينية.

"خارطة الطريق" مشروطة من "اللوبي" في أميركا
وإذا كانت المصادر الديبلوماسية الغربية تحدّد الاختلاف الأوروبي ـ الأميركي حيال المسألة العراقية في ما يتعلق بدور الأمم المتحدة والمسار السياسي والتعامل مع ايران والخشية من انفلات اسرائيلي، فإنها تسارع إلى تعيين عناوين الاختلاف إزاء المسألة الفلسطينية و"أزمة الشرق الأوسط".
أ ـ تعتبر أوروبا بشكل عام أن "خارطة الطريق" التي رسمتها "اللجنة الرباعية"، هي في المبدأ غير قابلة للنقض من قبل أي من طرفي "النزاع" الفلسطيني والاسرائيلي، إذ كان الاتفاق بشأنها على أن يُلزم الطرفان بها لأنها تمثل خلاصة ما يرى المجتمع الدولي ان لا بد من تنفيذه باتجاه دولة فلسطينية "حقيقية"، بينما سمح الأداء الأميركي لإسرائيل بأن تمتلك حق "الفيتو".
ب ـ وتعتبر أوروبا أن المطلوب فلسطينياً بموجب "خارطة الطريق" قد تحقّق جلّه، وأن اقتراب السلطة الوطنية الفلسطينية وفصائل المقاومة من انجاز هدنة في "العمليات الاستشهادية" لا بدّ من دعمه وتشجيعه، بينما ترفع الحكومة الاسرائيلية وتيرة ضغطها على الجانب الفلسطيني باتجاه دفعه إلى اقتتال أهلي مرفوض أوروبياً، لكنه يمرّر أميركياً. وفي اعتقاد الدوائر الأوروبية كما تقول المصادر الديبلوماسية الغربية انه لا مفرّ من تهيئة الظروف في اسرائيل لقيام "حكومة وحدة" "تحرّر" شارون اليميني من اليمين الأكثر تطرّفاً منه، وإن كانت تعتقد ان أوان هذه الحكومة لن يحين قبل مرور بعض الوقت.
ج ـ وإذا كانت أوروبا "تعترف" بأن الرئيس الأميركي جورج بوش راغب في انجاز "خارطة الطريق"، فإنها تخشى عدم قدرته على الضغط على اسرائيل. وتكشف المصادر ان "اللوبي الاسرائيلي الليكودي" في الولايات المتحدة والذي يلقى آذناً صاغية من الجناح الأكثر نفوذاً في الإدارة وفي "البنتاغون" تحديداً، اشترط على بوش أن يسير بـ"خارطة الطريق".. لكن من دون ضغط على اسرائيل، أي أن يسير بما تقبله اسرائيل منها، وقد جدّد "اللوبي" هذا الطرح قبل أيام.

الصفقة الشاملة.. و"العصا والجزرة"
د ـ ترى أوروبا أن لا إمكان منطقياً من جهة، ومن زاوية المصالح من جهة أخرى، للفصل التام بين المسار الفلسطيني والمسارين السوري واللبناني، خصوصاً في ظل "التداخل الاقليمي" في المسألة العراقية. ولذلك، فإنها تعتبر انه لا بدّ من الانطلاق نحو بلورة "صفقة اقليمية" شاملة، ومن هنا كانت دعوة أوروبا وفرنسا بالتحديد إلى "خارطة طريق" موازية لسوريا ولبنان.
هـ ـ تعارض أوروبا سياسة "العصا" الأميركية حيال سوريا ولبنان، أي سياسة التقدّم من البلدين بمطالب للتنفيذ تحت طائلة عقوبات تفرض عليهما. وفي تقدير أوروبا ان هذه المطالب يجب أن تأتي في سياق "صفقة شاملة"، ومن هنا تقول المصادر نفسها ان أوروبا مع اعتماد سياسة "العصا" و"الجزرة" في آن.
وتفيد المصادر الغربية ان أوروبا إذ هي مقتنعة بأن الرئيس بوش ساعٍ إلى تجديد ولايته، ترى ان التخبّط السياسي الأميركي وكلفته في العراق وفلسطين ومجمل الشرق الأوسط، لن يكونا في مصلحة التجديد، بمعنى ان بوش الذي "يهرب" من الضغط على اسرائيل تماماً من أجل التجديد، سوف "يكتشف" ان ما سينتج من الأداء الحالي على المستويات كافة سيكون عائقاً أمام تجديد الولاية.
وتختم بالتشديد على ان الاختلاف الأوروبي ـ الأميركي فعلي، وأن أوروبا تسعى إلى "إقناع" الولايات المتحدة بأن ما تقترحه مجزٍ أكثر، وبأن ما تعرضه يفيد أميركا نفسها، بمعنى ان الاختلاف تكتيكي وليس استراتيجياً، ذلك ان أوروبا في الوقت الذي لا تدفن فيه الاختلافات مع أميركا، ليست في وارد "الانشقاق" عن الاستراتيجية الأميركية التي أعطت نتائج معينة في منطقة "الشرق الأوسط" تحديداً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00