مع نهاية واحد من "أسابيع الآلام" التي يعيشها البلد هذه الأيام، من المفترض أن يكون الحديث متاحاً الحديث بشكل "بارد" عن بعض العناوين التي شغلت الأوساط السياسية في الآونة الأخيرة، وأحد أهم هذه العناوين مسارعة وزير الداخلية الياس المر بعد الاعتداء الصاروخي الذي استهدف مبنى تلفزيون "المستقبل" واذاعة "الشرق" الى تسليط الضوء على "بيئة" محددة هي "الأصولية الاسلامية السنية" وعلى "مكانها" في المخيمات الفلسطينية.
كان هذا الموضوع على مدار الأيام الماضية مادة نقاش في العديد من الأوساط والمجالس السياسية وسجلت في شأنه الملاحظات الآتية:
أولاً ـ بصرف النظر عن معلومات تتوافر للوزير المر أو لغيره من الأجهزة الأمنية أو القضائية، لا يبدو منطقياً من زاوية "قانونية" وسياسية اطلاق الحكم ثم تقديم البراهين عليه لأن من شأن هذه "المنهجية" أن تسيء الى "الأصول" من جهة والى "المصداقية" من جهة ثانية.
ثانياً ـ ينتج عن هذه "المنهجية" التي تذكّر بـ "نكتة مريرة" تروى عن النظام السابق في بغداد والتي تقول "نعدم المشتبه ثم نحاكمه"، ينتج أداء أمنيٌ على درجة من الخطورة يعتمد "ضبّ" أكبر عدد ممكن من الناس واخضاعهم لتحقيقات واستجوابات قبل فرزهم والافراج عن عدد كبير منهم، الأمر الذي يترك "ندوباً" في المجتمع الذي ينتمي اليه الموقوفون عشوائياً. والأداء الأمني على هذا النحو ليس استنتاجاً نظرياً بل هو مبني على وقائع من بينها تصريحات أدلى بها المر نفسه سابقاً و"اعترف" من خلالها بذلك.
ثالثاً ـ مرة أخرى بصرف النظر عن معلومات متوافرة قد لا تشكل دليلاً، ليس من المصلحة بمفهومها الوطني الاجمالي تضخيم "خطر أصولي" في لبنان، وفي سياقه (التضخيم) استهداف الساحة الاسلامية بمجملها من منطلق اعتبارها بيئة لـ "الإرهاب"، ففي ذلك اقتراب من الأسلوب الأميركي بعد 11 أيلول 2001 قبل بعض الاستدراكات في الاطار "السياسي"، ولعل هذا ما يفسر احتجاج عدد كبير من الاسلاميين على هذه "المنهجية".
رابعاً ـ وفي رأي بعض الأوساط أنه اذا كانت أحداث الضنية في أحد جوانبها الرئيسية من نتائج تعريض "جماهير" اسلامية لاختبارات الأداء الأمني السالف، فان الدرس الذي يجب أن يتم حفظه غيباً هو أن تلك المنهجية وذلك الأداء يدفعان الى التطرف والتشنج الطائفي والمذهبي.
المخيمات
خامساً: هذا في "المنطق" المستند الى وقائع من بينها أنه كانت ثمة نية بعد الاعتداء الصاروخي على "المستقبل" لاعتماد أسلوب "أكمش وبعد ذلك نحصي". أما ما يمكن تسليط الضوء عليه اضافياً فيتعلق بالمخيمات. وفي هذا المجال تروي مصادر فلسطينية ان الأحداث التي جرت في مخيم عين الحلوة قبل مدة أظهرت في بعض وجوهها انه كان ثمة تشجيع أمني لبناني لجهات فلسطينية معينة على "الحسم" داخل المخيم ضد "المجموعات الأصولية" فيه والتي يسأل سكان المخيم في المقابل عن كيفية وصول أسلحة اليها. وتضيف المصادر الفلسطينية ان الأحداث الأخيرة كانت بمثابة "فخ"، لتلاحظ ان مسلسل التفجيرات والاغتيالات في المخيم توقّف بعد ذلك بينما كان شبه يومي، الأمر الذي لا بد من وجهة نظرالمصادر نفسها التي لا تعتبر الهدوء النسبي الحالي في المخيم حاسماً، أن يكون ناجماً عن "أمر عمليات" ما بالتوقف.. الآن.
سادساً ـ تعرب المجالس السياسية عن اعتقادها ان بين "منهجية" المرّ من ناحية وأداء عدد من الأجهزة من ناحية ثانية، ثمة رابطاً هو استهداف السلطة اللبنانية التأشير الى خطرين: خطر أصولية اسلامية متنقلة بين المناطق اللبنانية وخطر المخيمات التي تمدّ تلك الأصولية بامكانات أمنية. وتقول انّه اذا كان صحيحاً انّه لا يجوز إنكار وجود حالات شاذة داخل المخيمات باعتراف الفلسطينيين أنفسهم كما لا يجوز إنكار أن الوضع الحالي للمخيمات شاذّ هو نفسه طالما ان المخيمات خارجة عن سلطة الدولة اللبنانية، فان كلّ ذلك لا يبرّر من وجهة نظر الأوساط والمجالس ربط هذين العنوانين في اطار "مشروع سياسي" يضخّم الخطر ليتمكّن من تسويق القدرة على مكافحته لدى الدوائر الخارجية الأكثر اهتماماً بمكافحة ما يسمى "الإرهاب"، والولايات المتحدة بشكل خاص، الأمر الذي يعني صياغة دور السلطة اللبنانية بالعلاقة مع "الخارج".
"مشروع" نحو الخارج والداخل
سابعاً ـ وتسجّل الأوساط نفسها انّ الاعتراض ليس على مبدأ وجود "مشروع سياسي" بدور معيّن في هذا المجال، ولا على التنسيق الأمني مع الولايات المتحدة الذي يمثل أمراً طبيعياً ومفهوماً، غير انّ الاعتراض هو على انّ هذا "المشروع السياسي" مقدّمٌ بوصفه مشروعاً لبعض السلطة بهدف فتح قنوات حوار مع أميركا من هذا المدخل، والاعتراض هو على "مضمون" المشروع الذي على الرغم من كونه غامضاً، يؤشر الى وجهة أمنيّة في التعاطي مع ملفين حساسين تماماً، فيما تغيب الوجهة السياسية بشكل غير مفهوم خصوصاً في ظل إبداء الفلسطينيين استعدادهم لتسليم السلاح مع الأخذ في الاعتبار معادلة رفض اللبنانيين والفلسطينيين للتوطين ومطالبة الفلسطينيين بمفاوضة قيادتهم السياسية.
ثامناً ـ على انّ ما تتوقف الأوساط عنده ملياً، هو ما تسمّيه خطر التوظيف السياسي الداخلي لهذا "المشروع" المضمر. ذلك أنّه بقدر ما يبدو أنّه من الصعب "الفكّ" بين البعد الخارجي لـ "المشروع" وبعده الداخلي، وبقدر ما يمكن "التحسّس" حيال أي فكرة يشتمّ منها "مشروع أمني" للبلاد، فانّ الخطر يتأتى من محاولة تقديم الأمر للمسيحيين بوصفه مشروع حماية لهم في نفس الوقت الذي يجري تضخيم خطر التطرّف الأصولي لوضعه في وجه الاعتدال الاسلامي فتكون النتيجة عندئذ في مكان آخر إذ يخسر الاعتدالان المسيحي والاسلامي معاً. كما ان الخطر هو من أن يكون هذا "المشروع" مستهدفاً توازن المواقع السياسية الداخلية للفترة المقبلة.
تاسعاً ـ وفي وقت لا يلتبس على أحد أن الاستقرار في البلد يكفله الأمن، تتخوّف الأوساط من أمرين، أولهما ان تهتز الثقة بمصداقية الأمن من خلال اهتزازها بالأداء، وثانيهما أن تفرض على البلد ممرات اضطراب بهدف تسويغ "المشروع" السالف ذكره لبعض السلطة.
عاشراً ـ تختم الأوساط بالإعراب عن قناعتها بأن الوضع يحتاج الى "مشروع بديل" للعناوين الآنفة وغيرها من العناوين، وهو "مشروع بديل" لا بدّ أن تنتجه القوى والمواقع والمرجعيات الأكثر تمثيلاً في بيئاتها بعيداً من تشعّب الأزمات الدائرة في البلد، وتصويباً لمسار التموضع اللبناني العام والاجمالي حيال التطورات كافة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.