لأيام خلت، كانت واشنطن على موعد مع مؤتمر نظمته وزارة الخارجية الأميركية لمثقفين وإعلاميين من جنسيات مختلفة، من بينهم عرب، وخصص المؤتمر لعنوان وحيد هو "حزب الله" ليتفرّع من ذلك الى مجموعة عناوين اخرى. لكن بدا واضحاً منذ البداية ان الغاية هي دراسة كيفية التعاطي الأميركي مع "حزب الله" المصنّف "ارهابياً" من قبل الإدارة الأميركية.
لماذا مؤتمر عن "حزب الله" في واشنطن في هذا التوقيت؟
يقول مشاركون في هذا المؤتمر ان الولايات المتحدة "استفاقت" في الآونة الأخيرة خصوصاً بعد احتلالها العراق على "إشكالية شيعية" يمثّلها شيعة العراق وإيران و"حزب الله" وأن ثمة خشية أميركية من تطلّع الشيعة العراقيين الى قيام دولة اسلامية على النمط الإيراني في العراق او من تطلّع إيران الى اقامة دولة اسلامية في العراق عبر مزيد من اختراق الساحة العراقية. وفي سياق هذه الخشية يتخوّف الأميركيون من نشوء مقاومة تعتمد نموذج "حزب الله" اللبناني بدعم إيراني، ويتخوفون من أن ينسج "حزب الله" علاقات داخل العراق ويؤسس حزباً موازياً في هذا البلد.
الدافعان العراقي والفلسطيني
بكلام آخر، ان ما يحرّك "ملف حزب الله" في الولايات المتحدة في المباشر هو الإشكالية الشيعية في العراق وعلاقة إيران و"حزب الله" بها من وجهة النظر الأميركية كما يوضح المشاركون في المؤتمر. غير ان المشاركين يضيفون انهم بقدر ما لمسوا نيّة أميركية لقطع الطريق على هذا "التشابك" الشيعي على المحور العراقي ـ الإيراني ـ اللبناني، واستباق أي تطوّر لهذا "التشابك"، فقد لمسوا ايضاً ان ثمة حافزاً آخر لدى واشنطن يتعلق بـ"التسوية" في الشرق الأوسط. ذلك ان أميركا على قناعة راسخة بأنه في سبيل تقدّم عملية "التسوية" على الصعيد الفلسطيني ـ الاسرائيلي بداية، يجب "ضرب" كلّ من "حزب الله" و"حماس" و"الجهاد"، على اعتبار ان المنظمتين الأخيرتين تستفيدان برأي أميركا من دعم "حزب الله"، فضلاً عن كونهما مع مجمل الحركات الاسلامية في موقع العداء لأميركا والغرب.
المؤتمر عن "حزب الله" في واشنطن إذاً لأنه بحسب المشاركين موقع تقاطع لـ"تخريبين" يمارسهما الحزب على أميركا في العراق وفلسطين.
قرار "حزب الله" لمن؟
وفي المؤتمر، لفت ممثلو وزارة الخارجية الى ان ثمة تيارين رئيسيين في الإدارة حيال التعامل مع "حزب الله" تحت عنوان ان الحزب ينتمي الى "الإرهاب". التيار الأول المقيم في "البنتاغون" لا يرى بدّاً من استخدام القوة، والتيار الثاني في الخارجية يرى ان الوصول الى الهدف المتمثّل بالقضاء على "تخريب حزب الله" يقتضي عملية سياسية متكاملة.
وإذ تعمّدت الخارجية اشراك أميركيين ويهود يمثلون التيار الأول بهدف "تثقيفهم عن الاسلام السياسي"، فإنها تعتبر ان استعمال القوة كما يرى التيار الأول سيعني اللجوء الى الأداة الاسرائيلية الأمر الذي سوف يؤدي الى انفلات اسرائيل في المنطقة واحتمال حرب اقليمية. ولذلك فإن "تيار الخارجية" الذي يسلّم مع التيار الآخر بوجوب وضع حدّ لما يسمّيه "إرهاب حزب الله"، يميّز الى حدّ معيّن بين "الوجه الإرهابي" للحزب المتأتّي من "جناحيه" العسكري والأمني وبين "الوجه السياسي" المتصل بـ"البعد الداخلي" للحزب في لبنان. وإذ تجزم الخارجية الأميركية بوجوب عدم المساومة على تفكيك "الجناحين" العسكري والأمني لـ"حزب الله"، يسأل مندوبوها الى المؤتمر: من يملك قرار "حزب الله"؟ إيران أو سوريا؟
وفي الاجابة عن هذين السؤالين وغيرهما، يبدي مسؤولو الخارجية اعتقاداً ان لإيران "مونةً" على الحزب فضلاً عن الدعم المادي واللوجستي الذي يلقاه من الجمهورية الاسلامية. بيدَ ان مسؤولي الخارجية يعتبرون ايضاً ان سوريا تستطيع ويجب أن تلعب دوراً في مجال حلّ "الجناحين" العسكري والأمني. ويطرحون في هذا المجال أسئلة من نوع: هل سوريا قادرة على تفكيك الحزب؟ هل ان تقريب سوريا الى فكرة "التسوية" في المنطقة يجعلها تنتقل الى الضغط السياسي والأمني على "حزب الله"، أم ان الحزب نفسه يقوم في هذه الحالة على حلّ أجهزته بنفسه؟، أم تُقدم سوريا على تفكيك "حزب الله" عسكرياً؟ وهل يدخل الحزب في مواجهة عسكرية مع سوريا؟... أم ان سوريا ستعاود التنسيق مع إيران (و"حزب الله") لتأسيس "شيء ما" في العراق؟ الخ...
الضغط على إيران وسوريا
في الميل الى اعتماد "العملية السياسية" للقضاء على ما يسمّى "تخريب حزب الله" في مقابل القوة التي ينادي بها "البنتاغون"، يؤكد مندوبو الخارجية الأميركية أن الضغط سيكثّف في الفترة المقبلة على إيران وسوريا معاً، والعنوان المشترك للضغط هنا وهناك هو "حزب الله" على خلفية "الإشكالية الشيعية" وبالنسبة الى المسألتين العراقية والفلسطينية، عراقياً لمنع إيران من التدخل في الشأن العراقي ومنع سوريا من التفكير في وقت معيّن باستئناف أي صلة بالعراق، وفلسطينياً لمنع سوريا من "اعتراض" عملية "التسوية" ومن احتضان "حماس" و"الجهاد" ولدفعها الى تفكيك الحزب الذي يشكّل "صلة الوصل" بين كل ما تقدّم. ويقول مندوبو الخارجية ان "الحسم الأخير" في هذا الموضوع سيحتاج طبعاً الى صفقة اقليمية، لكن تحريك "التسوية" سورياً ولبنانياً لن يحصل قبل أن تقلّع "خارطة الطريق"، و"خارطة الطريق" لن تقلّع ما لم تُمنع سلفاً واستباقياً كل "التخريبات" الممكنة من وجهة النظر الأميركية. ولم ينسَ مندوبو الخارجية في انتظار "النتائج" أن يذكّروا بأن أي تصعيد في جنوب لبنان سيواجه بـ"موقف" قاسٍ من واشنطن ضد سوريا ولبنان.
إنطباعات
..إنتهى المؤتمر، وخرج منه المشاركون بثلاثة انطباعات رئيسية. الأول هو ان الخارجية الأميركية لا تزال مرتبكة حيال وجهة التعاطي مع "حزب الله"، وأنها إن استطاعت تخطّي هذا الارتباك فليس أكيداً ان ما سترسو عليه سيجري تبنّيه من مراكز القرار كافة في الإدارة. والثاني هو ان الضغوط ستشتد على إيران وسوريا في المرحلة المقبلة. والثالث هو أن تنظيم المؤتمر نفسه مؤشر إلى ان الولايات المتحدة في صدد تقويم دقيق لخطّتها المستقبلية تمهيداً لـ"شيء ما".
... إنتهى المؤتمر الذي أمكن معرفة انعقاده وبالتأكيد ليس المؤتمر الذي انعقد الإطار الأميركي الوحيد للبحث. لكن العرض السابق لمداولاته وإن كان ليس جلّه جديداً، يهدف الى القول ان استهداف "حزب الله" أميركياً مستمرّ بقوّة وإن المطلوب وعي دقيق بالمرحلة وسبل مواجهتها.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.