8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

رسالة الى الحريري "تستفيد" من الصراع على السلطة وتغذّي خطر "الفوضى السياسيّة"

كان ثمة إجماع أمس على ان الاعتداء الآثم الذي استهدف تلفزيون "المستقبل"، هو بمثابة رسالة سياسية الى رئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري الذي يشارك في أسهم المحطة، تفيد انه مستهدف بموقعه السياسي في البلاد.
فالرئيس الحريري هو الزعيم المسلم الذي يدرك من موقعه هذا ان ضمانة لبنان وعيشه المشترك هي الاعتدال، وغلبة الاعتدال في مختلف البيئات، ويدرك ان حماية العيش المشترك والوفاق اللبناني يصنعها الأقوياء في بيئاتهم على قاعدة الاعتدال. ومن موقعه كأقوى زعيم مسلم معتدل، أيقن الحريري ان دوراً أساسياً يقع على عاتقه في مخاطبة البيئة الإسلامية ودعوتها الى نبذ التطرف واعتماد الخطاب الإسلامي "السَّمِح" ومحاصرة "البؤر" التي يمكن في لحظة إقليمية ـ دولية كاللحظة الحاضرة ان تنطلق في "معارك" خاطئة في الأماكن الخطأ. وفي هذا السياق، جاء تحركه في الآونة الأخيرة باتجاه العلماء والمشايخ لدعوتهم الى تقديم الدين الإسلامي على حقيقته، والى إعادة شرح المفاهيم التي يشتغل عليها "المتطرّفون" في معرض سيرهم في "ثقافة الفوضى والعنف والإرهاب".
لذا، فإن الرئيس الحريري انما كان يشدد بتحركه المكثّف هذا على مجموعة من الأمور: إن زعامة المسلمين لا تؤخذ بالتطرف بل بالاعتدال، وان الإطلالة على الشريك الآخر في الوطن لا تكون إلاّ بالاعتدال وبطمأنته الى ان الشريك المسلم يستطيع ان يوفّر الضمان، وان حالة التطرف إذا وجدت يمكن محاصرتها، وان لبنان ليس قدره ان يكون كيان حرب أهلية كلما تبدّلت الظروف من حوله، وان حماية لبنان من التداعيات الإقليمية، لئلا يبقى ساحة بمثل هذه الأبعاد، تكون بالتفاهم الوطني.
من أيّ مُناخ يستفيد الاعتداء؟
كان ذلك كله مدار بحث في الأوساط السياسية أمس، وكان تقدير عام ان هذه العناوين جميعاً التي يمثلها الحريري مستهدفة بالاعتداء الذي طاول "المستقبل". على ان الأوساط لم تكتف بهذا القدر من النقاش، بل ذهبت الى القول إنه أياً تكن الجهة المخططة وأيّاً يكن المنفّذون، ومهما يكن "السيناريو"، فإن هذه الجريمة ما كانت لتتمّ لولا مناخ الاضطراب السياسي الذي تشهده البلاد منذ فترة، وربما منذ تأليف الحكومة الحاضرة قبل نحو شهرين.
فليس خافياً كما تقول الأوساط، ان البلاد مستغرقة في صراع على السلطة، يفتحه البعض على تغيير لطبيعة النظام السياسي. وفي هذا الاطار تأتي التأويلات المختلفة للدستور وموادّه، كما تأتي "التنظيرات" التي ترجّح لدى البعض الانقضاض على السلطة "الآن". ولا يخفى كما تقول الأوساط أيضاً ان الرئيس الحريري كان في إطار هذا الصراع في موقع دفاعي يتلقى الهجمات ويصدّها بقرار سياسي لديه عنوانه رفض الانجرار الى أي مشكلة ولو كان من شأن محاولات التطويق والحصار والانقضاض ان تنال منه، ذلك انه يسعى الى "عقلنة" الصراع والى استعادته الى أطر سليمة، ويثق بأن شيئاً لا ينال من قوته التي يستخدمها فقط لدرء الفتن عن لبنان.
لذا، تسجّل الأوساط الآنفة ان الرسالة التي يوجهها مخطّطو الاعتداء ومنفّذوه على تلفزيون "المستقبل"، والتي تفيد باستهداف موقع الرئيس الحريري، انما تستفيد من مناخ الاضطراب السياسي الداخلي وتتطلع الى إغراق البلاد في حال من الفوضى، الأمر الذي يقتضي الالتفات الى الحساسيات التي يولّدها الصراع على السلطة كما تقول الأوساط نفسها مضيفة انها تأمل أن يكون اعتداء الأمس قد أدى الى تعطيله وإيقافه عند هذا الحدّ.
ذهول.. مسيحياً
لكن البارز أمس ان الأوساط المسيحية كانت في ما يشبه حال الذهول. وهي تلخّص ذلك بأن استهداف الرئيس الحريري يمثّل تعرضاً للشريك المسلم القويّ الذي تحتاج اليه الصيغة اللبنانية، ويحتاج اليه لبنان في مواجهة الضغوط القائمة والآتية عليه لأنه يمثّل الوجه الإسلامي المعتدل الذي تتطلّبه المرحلة.
وتشير في هذا السياق الى انها حين اعترضت على تأليف الحكومة الحاضرة فهي فعلت من زاوية اعتبارها ان الحكومة لا تضمّ في صفوفها القوى الأكثر تمثيلاً على الصعيد المسيحي لتكون حكومة وفاق استثنائية تنتقل بلبنان الى مرحلة مواجهة التحديات التي تعترضه للمرة الأولى من هذا النوع منذ "اتفاق الطائف". وإذ تلفت الى انها عندما كانت تقول باستمرار انها لا ترغب في ان تجد نفسها متمحورة حول هذا الرئيس أو ذاك في سياق الخلافات الرئاسية، فليس معنى ذلك انها محايدة في تطبيق الدستور، كما ان ليس معنى ذلك انها مع فرض أعراف تنقض الدستور، ذلك انها ومنذ بداية "جمهورية الطائف" دعت الى عدم تطبيق الدستور بمنطق ميزان القوى.
وتضيف الأوساط المسيحية وجلّها معارض، انها عندما دعت الى "سلطة بديلة"، كانت تدرك تماماً ان هذه "السلطة" لا بد ان تضمّ ثوابت هم الأقوياء والأكثر تمثيلاً في بيئاتهم، وبهذا المعنى وبغضّ النظر عن اختلافات في الرأي حول هذا الموضوع أو ذاك، فإن رفيق الحريري ونبيه بري ووليد جنبلاط مثلا هم من الأقوياء ومن أركان السلطة العتيدة. وتقول ان "السلطة البديلة" تعني الآن حكومة استثنائية تتعهّد انتقال البلد من مرحلة الى أخرى. وتسأل: عندما يكون المطلوب حكومة استثنائية هل يعقل ان تكون من غير رئاسة رفيق الحريري؟
وتشدّد على ان قيام الحكومة الاستثنائية التي تنادي بها برئاسة الحريري، من شأنه من وجهة نظرها ان يجعل منها عازلاً في وجه أي تكريس لأعراف مناقضة للدستور، وان يجعل منها أداة صوغ لتفاهمات وطنية كبرى تقتضيها المرحلة، وسلطة وفاق وطني يقودها الاعتدال الإسلاميّ ـ المسيحيّ.
بالأمس إذاً، كانت الأوساط السياسية على اختلافها ترى ان الاعتداء على "المستقبل" الذي يمثّل رسالة استهداف لموقع الحريري في المعادلة الوطنية، إنما تغذى من مناخ الاضطراب السياسي الذي أدخل الصراع على السلطة البلاد فيه.. وبالأمس كانت الأوساط المسيحية أكثر من غيرها في حال ذهول. ولا مناص من القول ان الاعتداء إذ استهدف محطة اعلامية وحرية الاعلام بطبيعة الحال، لم يكن ممكناً قراءته إلاّ في "السياسة"، بمعنى ان عدم الحزم وعدم الانتباه الى ان صراعات السلطة تصير وقوداً لفتنة، سيؤديان الى فوضى خطيرة. ولعلّ التذكير بأمر رئيسيّ من التجربة اللبنانية المريرة مفيد هنا: ان أزمة النظام تساوي أزمة في الكيان... وان "التغيير" مغامرة كبرى بالنظام والكيان... وهو مشروع لا تحمد عقباه ما لم يتمّ كل شيء بالوفاق والتسوية. والحال ان لا بديل للبنان من النظام الدستوري.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00