في تلخيص لنظرتها إلى "حقيقة" الوضع الراهن وما يدور من اتصالات تمهيدية لعقد مجلس الوزراء الأسبوع المقبل، تقول شخصية نيابية كبيرة "استبشرنا خيراً بما نسبه زوّار الرئيس اميل لحود عنه حول تطبيق الدستور وبردّ الرئيس رفيق الحريري الترحيبي من البرازيل، لكنّنا فوجئنا بعد ذلك بأنّ الخلاف أشدّ مما كان متوقعاً بشأن جدول الأعمال، كما لو انّنا عدنا إلى نقطة الصفر". وتضيف "كنا ندعو إلى تطبيق الدستور فأصبحنا نخاف على الدستور من التجاذب السياسي".
وبينما يبدو واضحاً خوف الشخصية النيابيّة الكبيرة من أن يتحول الدستور من "حل" إلى "متراس"، تبدي أوساط سياسيّة متعددة الانتماءات تخوفاً من أن يستمر هدف التغيير الحكوميّ طاغياً عند البعض على أيّ هدف آخر بما في ذلك هدف تحقيق تفاهمات جديّة على آليات إدارة شؤون الحكم. ذلك انّ الدفع باتجاه التغيير من وجهة نظر هذه الأوساط هو في حقيقة الأمر دفع باتجاه تكوين عوامل الفوضى السياسيّة.
وتستدل الأوساط الآنفة في تخوّفها بإشارات سياسيّة عدة:
أيلول
أولاً ـ انّ البعض من المتحدثين عن التغيير الحكومي والراغبين فيه والساعين إليه، لا يخفي في مجالسه انّ الهدف منه هو تغيير رئيس الحكومة وليس الحكومة كلها. ويضيف هذا البعض انّ الحكومة لجهة العضوية، استثنائية في تمثيلها وفي قدرتها على مواجهة المرحلة، وعليه، فإن تخوف الأوساط هو من أن يؤدي التغيير في رئاسة الحكومة مع الاحتفاظ بـ"جسم" الحكومة إلى تأكيد المشكلة المسيحية التي واجهت تشكيل الحكومة الحاليّة وإضافة مشكلة على مستوى التمثيل الحقيقي في رئاسة الحكومة من جهة وفي العضوية المنتمية إلى الرئيس الحريري من جهة أخرى.
ثانياً ـ انّ من يحثّ على التغيير الحكوميّ بالمعنى المحدد أعلاه، يحدّد أيلول المقبل موعداً محتماً له، وفي تحديده لأيلول المقبل موعداً، يذكر هذا البعض سببين رئيسيين: الأوّل هو انّ "العلاقة السوريّة ـ الاميركيّة تكون آفاقها قد تبلورت مع هذا التاريخ وتكون آثارها قد اتضحت على الصعيد اللبناني"، والثاني هو ان "مفاعيل باريس ـ 2 تكون قد انتهت". وهنا تعرب الأوساط عن تخوّفها الكبير من ان تكون لدى الساعين إلى "التغيير" قراءة معينة للاستحقاقين اللذين يشيرون إليهما، قراءة غير مبنية على معطيات منطقية لكنهم يتبنّونها مع ذلك لإحداث "فرز سياسي" يعزّز الفوضى السياسية في البلاد ويسوّغون بواسطتها مشروعاً معيّناً.
"المناقصة".. و"دفتر الشروط"
ثالثاً ـ ومن الإشارات التي تثير مخاوف الأوساط المتعددة الانتماءات، ما يبدو انه "مناقصة" على رئاسة الحكومة تشترك فيها شخصيات إسلامية، على أساس "دفتر شروط" حدّده الحكم بواسطته المواصفات في ضوء تجربة علاقته برئيس الحكومة. واللافت في هذا المجال "أصناف" الشخصيات التي دخلت في "المناقصة" التي تراوح بين "السياسي" و"التكنوقراطي" و"الاقتصادي" و"الأمني ـ العدلي". لكن اللافت أكثر ان هذه "المناقصة" على رئاسة الحكومة وصلاحياتها تؤشر إلى "المشكلة" التي يمكن ان يعنيها التغيير على مستوى رئاسة الحكومة. وما يدعو إلى الاستغراب في كل ذلك ان الرئيس عمر كرامي تصدّر صفوف "المشخّصين" للأزمة على انها "أزمة ثقة" أكثر مما هي أزمة علاقات بين مواقع دستورية لكل منها صلاحياته، مقدماً تفسيرات دستورية توافق "دفتر الشروط" الموضوع.
"جبهة خلاص وطني"!
رابعاً ـ ومن الإشارات التي تدفع بمخاوف الأوساط إلى حدّها الأقصى، ما هو متداول من معلومات في بيئة الساعين إلى "التغيير" بالمواصفات المشار إليها آنفاً، عن توجه إلى لون من ألوان "التشكيل الجبهوي" يكون جاهزاً في أيلول أيضاً. ويذهب الساعون إلى "التغيير" ـ عن قصد ـ إلى حدّ الحديث عن "جبهة خلاص وطني" سوف تولَد في هذا التاريخ، مستعيرين بذلك تسمية لاحدى الجبهات التي قامت بين عامي 1982 و1984 بعد الاجتياح الإسرائيلي، لكن ما فات هؤلاء ـ أو لم يفتهم ـ هو ان "جبهات" تلك الأعوام شكّلت واحدة من وسائل دعم عودة سوريا إلى المعادلة اللبنانية والاقليمية بعد الاجتياح الإسرائيلي الذي كان إضعاف سوريا أحد استهدافاته. والغريب في طرح "تشكيل جبهوي" على غرار "جبهة الخلاص الوطني" اليوم انه بحسب الأوساط مبني على حساب خاطئ للنفوذ السوري في لبنان الذي لا يختلف اثنان على انه من "الثوابت" ولو تبدلت الظروف، والغريب ان أصحاب هذا الطرح يفرزون ما هو "مجموع" ويصلون بالفرز إلى داخل كل طائفة ومذهب، بينما كان الطرح في أعوام الجبهات سابقاً مستنداً إلى انقسام في لبنان بين خيارين أحدهما إسرائيلي.
وبعد الاستدلال بالإشارات السابقة، تعربُ الأوساط المتعددة الانتماءات عن تخوفها الكبير لأن ما ورد يؤشر إلى ان عنوان "التغيير" إذا رُبط بالإشارات المبنية على أحاديث للساعين إلى "التغيير" في مجالسهم وعلى "مناقصة علنية" حول رئاسة الحكومة، وعلى معلومات متداولة بقوة، إنما يعني ان ثمة دفعاً باتجاه "فوضى سياسية" خطيرة لأنه من غير الممكن السيطرة عليها و"تنظيمها". وما يكشفه هذا الاستدلال بحسب الأوساط هو ان ثمة ربطاً لاستحقاقات محلية بقراءات اقليمية تنتهي إلى تقديرات يجانبها الصواب.
من هنا، لا تتردد الأوساط نفسها في التساؤل عما إذا كان أفق الاستحقاق الآتي بعد عام وأربعة أشهر يستحق ادراجه في سياق من الفوضى، أو ما إذا كان يستحق عبر إحاطته بكمّ هائل من المشكلات والفراغات السياسية ان يزيل كل "الضوابط" عبر افتعاله فرزاً في غير موضعه يصل إلى حدّ المساس بـ"تسوية الطائف" نفسها، وما إذا كان الرئيس كرامي مثلاً الذي كاد يفجّر مشكلة كبرى في بداية عهد الطائف عندما لم يصدح له "البرزان" في أحد الاحتفالات عام 1991 لأنه اعتبر في ذلك "الخطأ" الناجم من "قلّة العادة" آنذاك إساءة إلى موقع رئاسة الحكومة وصلاحياتها، ما إذا كان يرضى بما يحصل ولو كان الثمن ترؤس "حكومة خلاص وطني" وليس "حكومة وفاق وطني". وتختم بالعودة إلى ما قالته الشخصية النيابية الكبيرة التي أبدت تخوفها من الخلاف على الدستور، لتقول ان الأيام المقبلة الفاصلة عن جلسة مجلس الوزراء الثلاثاء المقبل يمكن ان تكشف ما إذا كان البحث جارياً عن "مخرج آنيّ" لبضع جلسات أو ما إذا كان "عقل الرحمن" سينتصر.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.