8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"راديكاليّة" جنبلاط وانعكاساتها المحتملة على "التحالفات"

بُعيد انتهاء العمليّات الحربيّة الأميركيّة في العراق وسقوط نظام صدام حسين، كان رئيس الحزب التقدمي الاشتراكيّ النائب وليد جنبلاط يبدو في ظلّ الوضع الاستراتيجيّ الجديد في المنطقة حيث تقف الولايات المتحدة قريباً من الحدود السوريّة، ميّالاً إلى حصول تسوية سوريّة ـ أميركية تحفظ سوريا وتحميها من "الثور" الأميركيّ الهائج الذي قد يعطي هياجُه منشّطاً لـ"الثور" الإسرائيليّ. وكان جنبلاط يبدو مقتنعاً بأنّ التسوية بين دمشق وواشنطن "ممكنة" إذا كانت الإدارة الأميركية راغبة فعلاً في قيام لون من "الاستقرار الإقليمي" الذي لا قيامة له من دون سوريا، كما كان جنبلاط مقتنعاً أيضاً بأنّ تسوية ما في هذا المجال يمكن ان تحمي "حزب الله"، ولا سيّما انّ الزعيم الاشتراكي يعتريه القلق على الحزب من الاستهداف الأميركيّ ـ الإسرائيلي له.
هذا كان بُعيد انتهاء الحرب الأميركيّة على العراق. بيد ان المتتبّع للخطاب السياسيّ الجنبلاطيّ في الأسبوعين الأخيرين، يكتشف انّ ثمة تصعيداً "فكرياً" وسياسياً من قبل جنبلاط حيال الولايات المتحدة، وهو ما تجلّى في خطابه الأسبوع الماضي في السفارة الإيرانيّة بمناسبة ذكرى رحيل الإمام الخميني. وأكثر من ذلك، وبفعل التجاور بينه وبين الأمين العام لـ"حزب الله" السيّد حسن نصر الله في هذه المناسبة، فقد بدا خطاب جنبلاط أكثر جذريّة من خطاب السيّد نصر الله في الصياغة على الأقلّ، فيما بدا نصر الله أكثر "هدوءًا"، واستشهد في بعض الأحيان بكلام جنبلاط نفسه.
طبعاً، ليست علاقة جنبلاط بنصر الله حديثة العهد، لكنّ جنبلاط "يعترف" أمام محدّثيه بأنه "متأثر جداً بالسيّد وتفكيره"، ويقول "نعم، أنا اليوم أكثر راديكاليّة"، ويضيف أنّ "ما يقدّمه حزب الله وأمينه العام هو البديل من كلّ ما يجري في المنطقة تحت عنوان التسوية".
"حزب الله" يبادله التقدير
وقبل التطرّق إلى مدلولات "الراديكاليّة" الجنبلاطيّة والتي تقوده إلى "التطابق" مع "حزب الله"، لا بدّ من الإشارة إلى انّ الحزب يبادل جنبلاط التقدير نفسه. ففي مجلس خاص قال مسؤول كبير في الحزب "لسنا مفاجئين بمواقف وليد جنبلاط، ذلك أنّه في طليعة السياسيين والقوى السياسيّة يعبر بمواقفه عن مسؤوليّة وطنيّة وقوميّة كبيرة". ويضيف ان ذلك "بقدر ما يعكس تنامي التفاهم معه، فإنه ينطلق من وعي كبير للتهديدات والتحديات التي تواجه الأمة". ويشدّد على ان جنبلاط "يعلن ما يعلنه من منطلق الوعي والمسؤولية، وكان سيعلن مواقفه بصرف النظر عن علاقته بنا".
وفي معرض شرحه لـ"راديكاليّته" أمام محدّثيه يقرأ جنبلاط من "كتاب واحد" تقريباً مع "حزب الله". يقرأ ان ثمة تورّطاً أميركياً في العراق حيث تبدو أميركا من وجهة نظره عاجزة عن التعاطي مع الوضع العراقي وتعقيداته. ويقرأ ان "التسوية" انطلاقاً من "خارطة الطريق" مشروع تصفية للقضية الفلسطينية لا يمكن تركها تمرّ. ويقرأ ان "الصمود" السوري والإيراني واللبناني في وجه "الغطرسة" التي تتصرّف الولايات المتحدة بموجبها، يملك (الصمود) إمكانيات خاصة مع التخبط الأميركي عراقياً وفلسطينياً... ويتساءل أحياناً بصيغة معبّرة: هل تستطيع النظم العربية القائمة حالياً ان تستمر، وهل هذه الأنظمة محظية أصلاً من قبل واشنطن؟. يقرأ جنبلاط ويستنتج ان "أي وضع يمكن أن ينشأ في المنطقة أفضل بكثير من نفاذ التسوية ـ التصفية"... و"يرمي": "حتى ولو كانت الفوضى". وإذ يشدّد على "الاحتفاظ بالمقاومة"، يلفت إلى أن "الشارع العربي المدعو إلى الصمود والمقاومة من غير حصرية في الصيغة، يحتاج إلى رمز، وحسن نصرالله رمز كبير".
"الراديكالية" معيار داخلي أيضاً
وما يدعو إلى الانتباه جيداً إلى "راديكالية" جنبلاط، انه بات يعتمدها معياراً لمحاكمة الوضع السياسي الداخلي. وفي هذا المجال لا يتردد جنبلاط في القول ان ثمة عديدين في لبنان "ينتظرون أن تقترب البوارج الأميركية أكثر من شواطئنا"، وأن ثمة كثيرين "يراهنون على تعديل كبير في التوازن بين سوريا وأميركا في لبنان"، ملاحظاً ان الأمر "لا يتعلق بفئات سياسية من طائفة واحدة بل يشمل مواقع من طوائف مختلفة".
في "راديكاليّته" هذه، لا يخفى على المستمع إليه ان جنبلاط قد يكون في طريقه إلى بلورة تحالفات داخلية جديدة، الشيء الثابت فيها التحالف مع "حزب الله" والباقي يدخل في إطار "المتحوّلات". وفي هذا المجال يطلق جنبلاط مجموعة من "الكلمات المتقاطعة" التي تحتاج إلى "حلّ".
المسيحيون.. والخلافات الرئاسية
فهو لا يخفي انغلاق قنوات التواصل والحوار بينه وبين السياسيين المسيحيين. يقول مثلاً انه "فيما كان يُنتظر أن يفرط لقاء قرنة شهوان، انفرط اللقاء التشاوري". لا ينفي "احترامه" و"صداقته" مع شخصيات من المعارضة المسيحية، لكنه لا يشير في المقابل إلى علاقة ذات أفق سياسي معها، ويذهب في بعض محطات الحديث إلى حدّ أخذ كل تلاوين المعارضة رزمة واحدة.
على انه إذا كانت العلاقة بالمسيحيين لا تشكل بأزمتها الظاهرة عنواناً مستجداً، فإن ما يلفت النظر يتصل بمقاربته للواقع داخل "السلطة"، فهو مثلاً يعتبر أن انسحاب وزير الاقتصاد مروان حماده من الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء "لم يكن ضرورياً، وسبب الانسحاب لا يستحق". وكان "يفضّل" ألاّ يحصل هذا الانسحاب لئلا يدخل أحد ممثليه في اشتباك مع العهد وفريقه، وهو يستخدم "النكتة" في هذا المجال ليقول "معليش عندنا لامركزية". ويسأل مثلاً: "لماذا عدم نقاش المسائل الخلافية في مجلس الوزراء وعدم إدراجها أصلاً على جدول الأعمال؟"... ويقرّر زيارة رئيس الجمهورية في ذروة المشكلة الرئاسية وانعكاساتها على مجلس الوزراء نفسه. ويرفض جنبلاط التكهّن بعمر الحكومة مشيراً إلى ان "البعض طرح ذلك ولا معرفة لي بنيات الفرقاء جميعاً"... ويؤكد ان "السنة ونصف السنة ستكونان صعبتين للغاية"، مشيراً إلى ان "الصعوبة يتداخل فيها صراع المواقع بصراع الخطوط".
وخلاصة ما يمكن استنتاجه من إقرار جنبلاط بـ"راديكاليّته" ليس فقط انه في صدد "حسابات سياسية كبرى"، بل ان هذه "الراديكالية" قد ترتّب خارطة سياسية جديدة أيضاً.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00