8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"حزب الله" يصوغ "تكيّفات تكتيكية" لا تقيّده بقرار سياسي.. والتزامات

ثمة سؤال يطرح بقوة في الأروقة السياسية اللبنانية في الآونة الأخيرة: هل يعي "حزب الله" التطورات الاستراتيجية في المنطقة ولا سيما في ظل "المشروع الأميركي" الذي نجح حتى الآن في احتلال العراق وفي بعث الروح في المسار الفلسطيني ـ الاسرائيلي على أساس "خارطة الطريق"؟.. والسؤال الذي يلي مباشرة هو: هل ثمة قرار لدى الحزب بالتكيّف مع المعطيات الاستراتيجية هذه وكيف، وفي أي إطار استراتيجي يضع الحزب مشروعه المقاوم.. وما هي نقاط ارتكازه غير العقائدية والايمانية؟
في الجواب عن الأسئلة المطروحة آنفاً، يسارع رئيس المجلس السياسي في الحزب السيد ابراهيم أمين السيد إلى تحديد "معادلة" تدلّ على وجهة تعاطي "حزب الله" مع التطورات، فيقول إنه "ليس صحيحاً النظر إلى السياسة الأميركية في المنطقة على انها تمتلك أوراق قوة فقط، بل يجب النظر إلى نقاط الضعف في هذه السياسة وحجمها. وفي الوقت نفسه يجب ألا ننظر إلى أنفسنا على أساس نقاط الضعف، بل لا بد من احتساب نقاط القوة وحجمها".
وإذ "يعترف" السيّد بأن "المرحلة على درجة عالية من الصعوبة"، يسجّل أن "ثمة نقاط قوة تجعلنا في موقع الأمل الكبير بتحقيق تقدّم لمصلحة الوطن والأمة"، ويستنتج أنه "لا بدّ في هذه الظروف من الاحتفاظ بعوامل القوة، لا إسقاطها نتيجة خوف أو هلع أو تهديد"، والمنطق في ذلك "أنه إذا جرى الاحتفاظ بأوراق القوة ثمة احتمال كبير لتحصيل الحقوق، بينما إذا جرى إسقاطها لا يمكن تحصيل الحقوق حتماً".
تناقضات المشروع الأميركي.. عراقياً وفلسطينياً
و"يشرح" القيادي في "حزب الله" ما يعتبر انها "عوامل فشل في المشروع الأميركي". وفي هذا السياق يقول انه "لم يكن صعباً على الولايات المتحدة إسقاط نظام صدّام حسين في العراق"، لكن "من الواضح ان أميركا لم تكن تتوقع صعوبات في مرحلة إعادة بناء العراق ما بعد صدّام". وإذ يسأل "هل يتحول العراق إلى محطة انطلاق للمشروع الأميركي واندفاعه، ام محطة مأزق أو مستنقع؟"، يجيب السيّد انه "من الواضح ان أميركا غير مرتاحة في العراق إذ تواجه ارباكاً في مواجهة أزمات عدّة".
وفي سياق "الشرح" الذي يقدّمه، يضيف رئيس المجلس السياسي في "حزب الله" ان الوضع ليس أكثر راحة للولايات المتحدة في الموضوع الفلسطيني. ويسأل هنا: "ماذا يمكن أن نتوقع لمشروع في فلسطين يقوم على ضرب قوى المقاومة ونزع سلاحها وتفكيك بنيتها التحتية؟، ماذا يمكن أن نتوقع من مشروع يقوم على التفاوض بشأن ما إذا كانت المستوطنات الجديدة ستلغى أم لا؟، وماذا في ظل استبعاد عودة اللاجئين بموازاة الحديث عن دولة يهودية صافية، وعن اعتبار القدس غير قابلة للتفاوض، وعن دولة فلسطينية لا تعدو كونها وعداً فارغاً من أي تحديد؟". ويسأل ايضاً: "من يقبل بذلك في فلسطين؟، ومن يستطيع أن يقبله أصلاً؟، ومن يستطيع التنفيذ؟".
في بداية تحديد الإطار الاستراتيجي الذي يقع المشروع المقاوم ضمنه، من الواضح ان "حزب الله" يقرأ في تناقضات المشروع الأميركي عراقيا وفلسطينياً، بيد أن السيّد يضيف اعتباراً آخر فيتحدث هنا عن "وجود ذي طبيعة دفاعية للمقاومة، ذلك ان أحداً لا يستطيع طمأنتنا إلى ان اسرائيل تخلّت عن نياتها العدوانية تجاه لبنان، وعليه فمن حقنا أن نكون في وضع يمكّننا من الدفاع... ولذلك فإن سلاحنا دفاعي ايضاً".
وبعد أن يلاحظ أن "لا شيء اسمه الحقوق العربية في المشروع الأميركي" يشدّد المسؤول الحزبي على ان "من يتمسك بالحقوق ويلاحقها هم سوريا وإيران والانتفاضة ولبنان والمقاومة"... في ما يبدو انه تعيين من قبل السيّد لـ"محور استراتيجي" لبناني ـ سوري ـ فلسطيني ـ ايراني يدعم الإطار الاستراتيجي المبني بدرجة رئيسية على "تناقضات" المشروع الأميركي نفسه. ولذلك لا يتردّد القيادي في "حزب الله" في تحديد "الصورة الاستراتيجية"، فيقول "نبقى أقوياء ما دام لنا حق نتمسك به، نأخذ في الاعتبار أزمة المشروع الأميركي في داخله وبذاته، وننظر إلى سائر الأزمات التي تواجه أميركا في المنطقة".
محاولة الفصل بين "حزب الله" ولبنان
وفي معرض تقويمه للوضع اللبناني من زاوية مدى استجابته لمشروع مقاوم متجدّد، يقول السيّد انه "لم يحصل في لبنان ما من شأنه أن يرسم سياسة إسقاط أوراق القوة"، ويضيف أن "ذلك كان مريحاً جداً وموضع تقدير"، ملاحظاً انه "بصرف النظر عن الأزمات السياسية الداخلية، ففي هذا الموضوع بالذات كان لبنان في موقع مشرّف في تعاطيه مع التهديدات الأميركية والاسرائيلية". وإذ يؤكد ان الحزب "لم يلتق أحداً خارج هذا الاتجاه"، يلفت إلى ان "الفترة السابقة كانت من أندر المحطات على الرغم من حجم الضغوط والتهديدات والفوضى والانهيارات السياسية في المنطقة"، ويشير إلى ان "لبنان يشعّ في الموضوع الوطني الاستراتيجي". وفي هذا السياق، يتحدث السيّد عن "محاولة أميركية ـ اسرائيلية للفصل بين التهديد للحزب ولبنان"، ويشير إلى ان "هذا ما حصل في العراق فأخذ الأميركيون البلد"، مشدّداً على ان "الهدف هو لبنان.. فعندما تسقط الدرع يسقط لبنان".
في "الإطار الاستراتيجي" الذي يرسمه، ينتقل رئيس المجلس السياسي في "حزب الله" إلى الحديث عن "التكتيكات" فيؤكد ان "هذه التكتيكات لا تعلن في سياق المعركة مع العدو"، لافتاً إلى ان "حركتنا التكتيكية بما هي مواقفنا وإجراءاتنا، هي نتاج لقراءة الأمور وتقويمها بهدف تحديد الأصلح في ضوء ذلك"، مسجّلاً ان الحزب "يتصرّف وفق ما يراه من مصالح وأضرار خارج منطق التنازلات أو الالتزامات".
"التهدئة" جنوباً ليست التزاماً سياسياً
ويتحدّث عن العمليات في مزارع شبعا فيقول ان "المقاومة تقوم بعمليات معيّنة في سياق توكيد مهمة تحرير الأرض المحتلة"، ويضيف ان "الأمر يخضع لتقدير هو نفسه قابل للتغيير في فترة زمنية معيّنة". لكن ما يرغب السيّد ابراهيم السيّد في إعلانه هو الآتي: "لا يوجد التزام بقرار سياسي بشأن العمليات، وليس مطروحاً أي التزام بقرار سياسي". ولمزيد من التوضيح حول "التهدئة" التي تشهدها المنطقة الجنوبية في الآونة الأخيرة يقول ان "التهدئة ليست التزاماً بقرار سياسي، بل نتاج حساب للمصلحة في لحظة معيّنة، والمسألة خاضعة لتقدير الظروف، وقد تتغيّر".
من خلال ما يعرضه المسؤول الحزبي الكبير، يتّضح ان المقوّمات الاستراتيجية للمشروع المقاوم "اليوم" تنهض على الاحتفاظ بـ"أوراق القوة" وعلى نوع من "الرهان" على تناقضات في "المشروع الأميركي" تؤدي إلى إفشاله، وعلى تقدير لوجود "محور استراتيجي" اقليمي، وعلى تقدير أن الوضع اللبناني ينسجم مع رؤية الحزب إلى التطورات... وعلى تكيّفات تكتيكية لا تلزم الحزب والمقاومة قراراً سياسياً يتضمّن تنازلات.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00