8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

نصر الله وجنبلاط: بين الميْل الى التمديد والميْل الى "شراء الوقت"

في نقاش للدعوات التي أطلقها عدد من القيادات اللبنانيّة إلى سحب الاستحقاق الرئاسيّ المقبل من التداول، أي تأجيل البحث فيها "نظراً إلى أولويّات أخرى تستوجب التركيز"، تؤكد شخصيّات سياسيّة متابعة أنّ هذه الدعوات لا يمكن أن تكون لها ترجمة عمليّة لسببين جوهرييّن: الأول هو أنّ أحداً من الأطراف المعنيين لا يمكنه المبادرة الى سحب الاستحقاق الرئاسي من دائرة البحث طالما أنّ رئيس الجمهوريّة اميل لحود لم ينفِ نيته التمديد أو التجديد بشكل صريح وحاسم، والثاني أنّه من الطبيعيّ أن يتمحور جانب أساسيّ من الصراع السياسيّ حول هذا الموضوع لأنّ الاستحقاق نفسه محطة من محطّات تبلور وضع سياسيّ جديد في البلاد.
والحال ـ تضيف الشخصيات السياسية ـ أنّ الرئيس لحود الذي ذكرت أوساطه لـ"المستقبل" أمس أنّه يعتبر "الكلام عن التمديد نكتة"، لا يزال في دائرة "مشروع التمديد" وعاملاً بأفقه، لا سيما إذا عُلم أنّ مقربين منه يشددون على أنّه في تقويمه للسنوات المنقضية من ولايته، لم يستطع تنفيذ "برنامجه" الذي ضمنّه "خطاب القسم" مطلع الولاية، وأنّه "يحتاج" الى سنوات حكم إضافيّة لوضع هذا "البرنامج" موضع التطبيق.
وإذا كانت الدعوة الى سحب الاستحقاق الرئاسيّ من التداول أشبه بدعوة الى "استحالة" بالنظر الى المعطيات الآنفة، فإنّ ثمة سبباً إضافياً "يحسم" في "الاستحالة".
فبحسب الشخصيات، لا يخفى من التقويم الدقيق للسنوات المنقضية من الولاية، أن ثمة ميلاً الى "تحوير" في طبيعة النظام السياسيّ الذي أرساه "الطائف"، بما يقود الى نظام رئاسيّ بطريقة "مبتكرة"، علماً أنّ النظام الرئاسي حيث هو معتمد يقوم على انتخاب الرئيس بالاقتراع الشعبيّ المباشر. ويمكن في هذا المجال تعداد الممارسات الرئاسية التي تدخل "تحويراً" على طبيعة النظام السياسيّ، لكنها كلّها باتت معروفة لكثرة تداولها. وإذا كان النقد انصب منذ ما بعد الطائف وحتّى العام 1998 على "الترويكا" وقيل إنّ تطبيق "الطائف" آنذاك ينحو باتجاه "نظام مجلسي"، فالنقد ينصبّ منذ العام 1998 على النزوع باتجاه "نظام رئاسي" ذي ركائز أمنية، ولطالما وجّه سياسيّون من الاتجاهات كافّة سهامهم نحو "المشروع الأمني"، المندمج في الاتجاه إلى الصيغة الرئاسيّة.
من هنا، تقول الشخصيات الآنفة إن استحالة أخرى تضاف إلى الاستحالة السابق ذكرها، وهي استحالة غض النظر عن "مشروع" يحوّر اتفاق "الطائف" عبر نقض نصوصه.. وروحيته التي قضت جميعاً بأن يكون رئيس الحكومة هو رئيس مجلس الوزراء، وأن يكون مجلس الوزراء إطار تحقيق المشاركة وضامناً لها وأن يكون رئيس الجمهورية رئيساً للبلاد و"حكَماً" دستورياً.
"حزب الله"
وعليه فإن لم يكن موضوعان من مثل التمديد وطبيعة النظام السياسي موضع نقاش وجدل "وصراع"، فما هي المواضيع الأساسية التي يمكن أن تشغل الحياة السياسية إذاً؟
وتتوقف الشخصيات السياسية نفسها في هذا السياق عند دعوتين إلى "تأجيل" الاستحقاق الرئاسي، إحداهما وجهها الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله، والثانية أطلقها رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" النائب وليد جنبلاط. ومع ملاحظتها لـ"التقاطع" بين نصر الله وجنبلاط حول هدف الدعوة إلى "التأجيل"، فضلاً عن تقاطعهما في مفاصل رئيسية من الخطاب السياسي ـ الوطني، فإن الشخصيات تسجل مع ذلك اختلافاً في الموقف من الاستحقاق نفسه.
ففي تقديرها أن "حزب الله" المعني مباشرة أكثر من غيره بالتطورات الاقليمية كونه مستهدفاً بالضغوط التي يرتّبها توازن القوى الاقليمي ـ الدولي الجديد، يبدو محقاً في تطلعه إلى تركيز الأنظار صوب الأخطار حول لبنان. لكنه برأي الشخصيات يبدو أشبه بمن يدعو إلى "تعليق" الحياة السياسية الداخلية بدعوى "استنفارها" ضد الأخطار، علماً أن "الاستنفار" لا يتحقق إلا حول "مهام" يشارك فيها الجميع و"برنامج" يوزع المسؤوليات، مما يفترض في الأصل أن يكون لدى الجميع قراءة موحدة للأخطار ولسبل مواجهتها. والى جانب اعتبارها أن "حزب الله" يبدو أشبه بمن يدعو إلى "تعليق" الحياة السياسية الأمر المقرون بـ"غموض" حول ترجمة الأولوية التي يعتقد بها، تلفت الشخصيات نفسها إلى أنها تتفهم تماماً العلاقة الايجابية التي تشد الحزب إلى رئيس الجمهورية، كما أنها تتفهم "الاطمئنان" إلى مواقفه، وتتفهم أن يكون ميله إلى التمديد للرئيس أو التجديد له وهذا حق من حقوقه. بيد أن ما تلاحظه هنا، هو أن "حزب الله" الذي يكاد يعتبر رئيس الجمهورية ضمانته الوحيدة على مستوى السلطة، إنما يغض الطرف عن جانب أساسي يعنيه أيضاً، هو أن التحوير في طبيعة النظام السياسي يطرح مستقبلاً على الحزب وفي وجهه مسألة ديموقراطية بامتياز، وتضيف أن ثمة فارقاً بين الارتياح إلى شخص رئيس الجمهورية ومواقفه وطنياً وبين ضرورة الاهتمام بطبيعة النظام.
جنبلاط
وإذ تفترض الشخصيات ميلاً إلى تأييد التمديد من جانب "حزب الله" ولو لم يدلِ الحزب بموقف "نهائي" في هذا المضمار، فإنها في المقابل تفترض أن لوليد جنبلاط ميلاً آخر.
وتستند في هذا "التقدير" إلى أن جنبلاط كان الجهة الوحيدة في البرلمان التي عارضت وصول الرئيس لحود إلى بعبدا، وكان الجهة المبادرة إلى إبداء "الهواجس" مما سماه في يوم من الأيام "العسكرة"، لا بل ينقل زوار له عنه أنه يتخوف من أن تؤدي التطورات في المنطقة إلى إنعاش فكرة "النظام الأمني" في لبنان.
وتعربُ عن اعتقادها أنّ الزعيم الجنبلاطيّ يتريث في تحديد موقفه من التمديد وحسمه، بالنظر إلى حرصه على العلاقة بسوريّا، أي حرصه على عدم دفعها منذ الآن الى حسم خيارها الذي يعتقد أنّه لا بدّ من أن تأخذ دمشق وقتها الكافي لتحديده بعد "تقليب" المعطيات كافة. وتعتبر أنّ التريّث الذي يعني من وجهة نظرها نوعاً من "شراء الوقت"، لا يشكل ميّلاً جنبلاطياً الى التمديد، لأن المدرسة الجنبلاطيّة تاريخياً مدرسة من لون ديموقراطيّ ترى أنّ تداول السلطة مبدأ يقتضي احترامه... وذلك بغّض النظر عن العلاقة الايجابيّة بين جنبلاط وبعبدا في المرحلة الحاليّة.
بين مثلين مختلفين في ظلّ دعوة "واحدة" الى تأجيل الاستحقاق أو البحث فيه، تختم الشخصيّات بالقول إنّ الدعوة الى استحالة تزداد حراجتها من كون الداعين إليها أنفسهم لا يملكون الوقوف "خارج" الصراع السياسيّ الذي يحتدم يوماً بعد يوم بأفق الاستحقاق الرئاسيّ تحقيقاً لاصطفاف في القوى.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00