8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"التشاوري" بين التأزّم مع السلطة والتباعد مع المعارضة

لم يعد خافياً على أحد أنّ "اللقاء التشاوري" المسيحي يواجه "أزمة وجودية" متعدّدة الأوجه، لا بل إنه في حالة من الانحلال شبه المعلن. وإذا كان أركان بارزون ضمنه يفسّرون حالته بالقول إن مبرّر وجوده لإبراز تيّار سياسي مسيحي معتدل، انتفى في ظلّ انتقال "الساحة المسيحية" بمحصلتها إلى الاعتدال بقيادة البطريرك نصرالله بطرس صفير، فإن العوامل المتدخّلة في أزمته الوجودية عديدة.
في المعلن من العوامل، أن تشكيل الحكومة الحالية قبل أسابيع الذي استبعد تمثيل بيروت مسيحياً، اعتمد التمثيل المسيحي لـ"الأطراف"، وعندما تقرّر تمثيل المركز الماروني في جبل لبنان، جرى اختيار مسيحيين، لكن ممن ليست لهم صفة تمثيلية حالية من ناحية، وممن يعتقدون بأنهم منتخبون في دوائر يتشكّل ناخبوها من المسيحيين.. والموارنة بنوع خاص من ناحية ثانية. بمعنى آخر، أدّى تشكيل الحكومة الحالية إلى فرز في "التشاوري" على مستويات عدة: بين بيروت والمناطق، بين الموارنة وغير الموارنة، بين مسيحيي الكتل النيابية المختلطة ومسيحيي "الصفاء" الماروني.. أي بين "مسيحيي النظام" أنفسهم.
وفي المعلن والمعروف من العوامل، أن رئيس "اللقاء التشاوري" النائب قبلان عيسى الخوري أقحم "اللقاء" في معركة التمديد أو التجديد لرئيس الجمهورية، الأمر الذي أدى ضمن "اللقاء" إلى ردود فعل برزت على ألسنة عديدين من أعضائه أبرزهم وزير الصحة سليمان فرنجية ونائب رئيس المجلس النيابي ايلي الفرزلي.. مع العلم أن "اللقاء" يضمّ مرشحين محتملين لرئاسة الجمهورية ويضمّ ممثلين لكتل إما ترفض التمديد أصلاً أو تتريّث في تحديد موقفها منه.
العلاقات بسوريا
على أن غير المعلن من العوامل وربما غير المعروف، هو أن مسألة العلاقات اللبنانية ـ السورية دخلت في الآونة الأخيرة على جدول النقاش داخل "اللقاء" وشكّلت عنواناً خلافياً بين رأيين عريضين كما يقول مشاركون فيه. ففي ظلّ تقدير عام بأن المنطقة تشهد متغيرات وسعياً أميركياً إلى تكريس توازن قوى جديد، برز رأي يعتبر مؤيّدوه أن الدور السوري في لبنان هو الأساس، وأن لا معنى لأي سياسة لا تتبنّى هذا المنطلق. لكن في مقابله برز رأي آخر يعتبر مؤيّدوه أن للعلاقات اللبنانية ـ السورية سقفاً هو "الطائف" وأن إلتزامه كان في أساس المواجهة السياسية مع "لقاء قرنة شهوان"، وأن هذا الالتزام يقتضي اليوم تفاهماً لبنانياً ـ لبنانياً ولبنانياً ـ سورياً على تنفيذه تحصيناً للعلاقات بحيث لا يتم فرض أي شيء على لبنان وسوريا من الخارج.
بيان "القرنة"
وفي الوقت الذي تبرز مسألة العلاقات اللبنانية ـ السورية عنواناً خلافياً بين رأيين ضمن "التشاوري"، كان الرأي الثاني الداعي إلى التمسك بـ"الطائف"، يجد نفسه أقرب إلى بكركي والمعارضة المسيحية التي بدت لأصحاب هذا الرأي ذاهبة إلى التعقّل والاعتدال... إلى أن كان البيان الأخير لـ"قرنة شهوان" الذي دعا إلى "قيام سلطة بديلة"، واعتبر السلطة القائمة "وليداً سورياً"، ما فهم منه أصحاب الرأي السابق في "التشاوري" أن المعارضة تقترب جداً من اعتبار السلطة القائمة "غير شرعية" وغير ممثلة، وأنها في طريقها إلى استعادة "قاموس المارونية السياسية السابقة على العام 1975".
بيد أن أركاناً من الرأي السابق ذكره، يشيرون في هذا المجال إلى مجموعة من النقاط الرئيسية في "وجه" الخطاب المعتمد في بيان "القرنة". ومن أهمّ هذه النقاط برأيهم أن "لا قدرة ولا مصلحة للمسيحيين بالتوازن الذي كان سائداً في الأعوام بين 1943 و1975"، وذلك أخذاً في الاعتبار "المتغيرات الكثيرة التي حصلت في البلاد منذ ذلك التاريخ، لا سيما على الصعيد الديموغرافي"، وأن "المعادلة الفضلى هي التي كرّسها الطائف وارتضاها المسلمون، والتي تفيد أن نصف السلطة للمسيحيين بمعزل عن العدد".
ويضيفون أنه إذا كانت تلك هي المعادلة الفضلى و"الواقعية" فإن "جلّ ما يحقّ للمعارضة المسيحية التطلّع إليه هو تحسين التمثيل"، وأن عليها أن تأخذ في الحسبان "حقيقة" أن التمثيل الإسلامي القائم الآن في السلطة "حقيقي وفعلي" وأن عليها أن تحرص على العلاقة بقوى التمثيل الإسلامي، إذ "ما الفائدة من أن تكون ممثلاً في منطقة معينة ومقطوع الصلة بقوى التمثيل الإسلامي". والأهم أنهم يدعون المعارضة المسيحية إلى أن "تعقل" هذا الواقع تأكيداً لمبدأ "الشراكة" وتأسيساً لها عملياً.. ذلك أن طرحاً لا يستوعب هذه المعطيات جميعاً تكون المسافة الفاصلة بينه وبين مشروع الفدرالية محدودة وواهية، وأن المطلوب وقوف المسلمين بجانب المسيحيين والعكس بالعكس لإحباط "فكرة الفدرالية" التي أطلقها العماد ميشال عون.
الفرز المطروح
في ضوء ما تقدم، يتضح أن مزيداً من الإشكاليات السياسية تضاف إلى الإشكالية الذاتية التي يواجهها "التشاوري" وتطرح أمامه تحدّياً وجودياً. وفي محاولة للجواب، سبق لأركان في "اللقاء" أن أعربوا عن اعتقادهم أن اعتبار البطريرك صفير من قبل جميع المسيحيين موقعاً موحداً لهم في الخطاب الذي يعلنه، يُفضي إلى لا مبرر وجود "التشاوري" و"القرنة" معاً. وفي السياق ذاته، أبدى أركان آخرون قناعتهم بأن فرزاً جديداً يجب أن يحصل ليس فقط الفرز الحاصل ضمن "التشاوري" بل الذي "يفترض" حصوله في "القرنة" أيضاً، لأن من شأن هذا الفرز أن يوجد تياراً مسيحياً أوسع قادراً على "الفتح" باتجاه المسلمين أيضاً.
.. لكن على ما يبدو ليس ذلك ما تفكّر فيه المعارضة حتى الآن، علماً أن أركاناً منها أوضحوا بعد البيان الأخير أن "السلطة البديلة" تعني "حكومة جديدة انتقالية تنقل البلد من مرحلة ما قبل الحرب على العراق إلى مرحلة ما بعد هذه الحرب".
ويقول أركان معارضون إن "المعارضة تتفرّج الآن على ما يجري من تناقضات داخل صفّ مسيحيي النظام وسوريا"، وأن "المعارضة تعتبر أن الأزمة عند غيرها". لكنها في الوقت نفسه ترى أن "الحكومة الحالية غير قابلة للحياة ومواجهة المرحلة"، وأن "الحكومة الانتقالية المطلوبة هي التي كان يجب أن يتم تشكيلها"، مشيرة إلى أن "الحكومة الحالية أدّت إلى تجميد أي حركة على خطّ المسيحيين وسوريا وإلى تأخير تطوير العلاقة، لا سيما أن المسيحيين في الحكومة يلعبون دور رأس الحربة ضد المعارضة".
ويبقى السؤال: إلى أين سيتجه الوضع المسيحي؟

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00