في الوقت الذي يستغرق فيه البلد في تجاذبات على خلفية الاستحقاق الرئاسي المقبل، الأمر الذي يمكن تصنيفه سيئاً، خصوصاً عندما ينطوي الهدف من هذا الاستحقاق لدى البعض على مساس مباشر بجوانب دستورية ووفاقية، ثمة أمر آخر يحصل يمكن تصنيفه ايجابياً جداً، يتعلق بـ"تموضع" عدد من الطوائف اللبنانية على نحو يؤدي إلى توسيع مساحة الاعتدال في البلاد وإلى توسيع هامش التلاقي بين قوى هذا الاعتدال في كل الطوائف.
في هذا السياق، يأتي التحرك العلني الذي باشره منذ فترة رئيس الحكومة رفيق الحريري باتجاه العلماء والمشايخ السنّة سواء في عكار أو في طرابلس، وباتجاه العائلات البيروتية، والذي قد يرى فيه البعض من أصحاب الحسابات القصيرة النفس تحرّكاً هادفاً إلى تحقيق استقطاب طائفي ذي وظيفة سياسية مباشرة على علاقة بالصراع السياسي الدائر في البلاد.
بيد أن أوساطاً مقرّبة من الرئيس الحريري تؤكد ان لهذا التحرك أهدافاً ثلاثة: إعطاء الصورة "الحقيقية" عن الإسلام والمسلمين في لبنان بما هي صورة اعتدال وتواصل مع الآخر ولا سيما في لبنان بلد العيش المشترك أولاً، وتأكيد مرجعية دار الإفتاء ومفتي الجمهورية عن المسلمين السنّة على مستوى المرجعية الدينية، والتشديد على دور المفتي والدار في "استيعاب" جميع "التيارات" تحت سقف هذه المرجعية ثانياً، ومعالجة الجوانب الاجتماعية التي يشكو منها العلماء والمشايخ ثالثاً.
إستراتيجية.. ودلالات
وتتوقف أوساط سياسية متابعة عند أهمية هذا التحرك وعند الأهداف الثلاثة التي تكشفها المصادر المقرّبة من الحريري، فتقول بداية ان المسألة غير مرتبطة بالتأكيد بتوظيف سياسي آني على الصعيد الداخلي، بل هي أكثر استراتيجية. ذلك ان السعي إلى تركيز صورة الاعتدال على المستوى الاسلامي في لبنان، والذي من ضمنه يأتي التشديد على دور المفتي، إنما يكتسب مجموعة من الدلالات "الكبرى".
فباعتبار ان لبنان يقيم على تقاطع مجموعة من الأحداث والتطورات في المنطقة، فإن أولى دلالات هذا التحرك انه يرد بشكل مباشر على كل المقولات الآتية من اميركا وبعض الغرب والتي تعمّم صفة "الإرهاب" على المسلمين، وانه يندرج تالياً في خانة تحصين الوضع الاسلامي من "التطرف" وموجاته المحتملة "موضوعياً" في ظل المناخات التي تعيشها المنطقة.
ولأن لبنان يقيم على التقاطع المشار إليه آنفاً، و"قد" تبرز فيه "ظواهر متطرّفة" تغذيها أحداث معينة سواء في العراق أو في فلسطين أو في غيرهما من الدول العربية والاسلامية، ولا سيما اذا كانت "الساحة الاسلامية" في لبنان على قدر من الوهن والتفكك، فإن ثاني دلالات تحرك الرئيس الحريري، انه من موقعه السياسي الاسلامي والوطني الأقدر على الغوص في غمار بلورة معادلة تؤكد صفة الاعتدال الغالبة إسلامياً من جهة، وتحاصر "التطرّف" استباقاً لأية "ظواهر" قد تفرزها التطورات من جهة ثانية، وتضع المبالغة والتهويل في مجال الحديث عن تربة خصبة لـ"التطرّف" في لبنان، في أدنى الحدود من جهة ثالثة، وتحمي المسلمين من "التطرّف" من جهة رابعة، وتطمئن الشريك المسيحي في الوطن إلى أنّ مساحة الاعتدال الاسلامي واسعة وأنها عامل رئيسي من عوامل حمايته من جهة خامسة... وأخيرة.
وإلى كل هذه الدلالات، تضيف الأوساط المتابعة لتحرك الحريري إسلامياً، ان هذا التحرك الذي يشكّل في النهاية حماية لوحدة لبنان ومنعاً لأي محاولة "تلاعب" بهذا الأمر في أي مرحلة من المراحل، كان لا بد منه. وتلاحظ انه "الوجه الآخر" لحركة البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير في الإطار المسيحي، حيث تركّز جهد سيد بكركي ولا سيما خلال الأشهر الثلاثة الأخيرة على عنوان أساسي هو "حماية المسيحيين" وسط التطورات العاصفة في المنطقة.
صفير.. "وبوالص التأمين"
وهنا، تعرب شخصيات مقرّبة من البطريرك عن ارتياحها حيال تحرّك الحريري إسلامياً وتضعه في خانة تأكيد موقعية رئيس الحكومة كزعيم سياسي مسلم من ناحية، وتأكيد دوره على مستوى العيش المشترك الاسلامي ـ المسيحي من ناحية أخرى.
وتلفتُ إلى أنّ البطريرك الذي ما فتئ منذ مدة يجدّد "بوالص التأمين" للمسيحيين، يحذر المقرّبين منه والمحيطين به من ارتكاب أي خطأ سياسي يؤدي إلى الإساءة إلى ما راكمه عبر مواقفه من حماية للمسيحيين أنفسهم، وتقول انه مصمّم على متابعة هذا النهج على الرغم من أنه يسأل كثيراً في مجالسه الضيقة عما اذا كانت ظاهرة "التطرف الأصولي" في الوسط الاسلامي متضخمة فعلاً أم أن ثمة تضخيماً لها لحسابات أمنية أو سياسية معينة؟ وتوضح ان عين البطريرك على موضوع حماية المسيحيين، تجعله لا يغمضها عن التطرف الآخر في البيئة المسيحية نفسها. بمعنى أنه اذا كانت مواقف بكركي بمثابة "بوليصة تأمين" في المدار العربي والاسلامي، تنطلقُ من قناعة بها أولاً ومن منع أي استهداف للمسيحيين ثانياً، فهي (المواقف) تسعى إلى تغليب الاعتدال السياسي مسيحياً الأمر الذي يضع مواقفه في مواجهة مواقف سياسية أخرى على الصعيد المسيحي.
المدارس الكاثوليكية
وتشير في المجال نفسه إلى أن مناخ بكركي يذهب إلى القول إنه لو كانت ثمة "حكمة" على مستوى السلطة، لكان من المفترض أن تتمّ قراءة المتغيرات ليصار بناء على هذه القراءة إلى استنتاج ما ينبغي عمله بحيث "لا يفرض على لبنان شيء من الخارج"، وأن المطلوب "خلق حصانة في البيئتين الاسلامية والمسيحية معاً".
وفي اطار الجهد الذي يبذله البطريرك ويرعاه لترجيح كفة الاعتدال، تكشف الشخصيات الآنفة عن خطوة قيد التحضير والتنفيذ على المستوى التربوي. فالمدارس الكاثوليكية التي يشرف عليها المطران يوسف بشارة في طريقها بمباركة من البطريرك إلى اعتبار ان تعطيل هذه المدارس بمناسبة الأعياد الدينية للمسيحيين والمسلمين يجب أن يكون منطلقاً لـ"التوعية" في المدارس الكاثوليكية على "الآخر"، فيتم تعريف التلامذة بمعنى الأعياد الاسلامية، والهدف بلورة "روح مشتركة" بين المسيحيين والمسلمين انطلاقاً من المدارس.
وهنا، تعود الأوساط المتابعة لتحرك الرئيس الحريري إسلامياً، والمواكبة لجهد بكركي في المدار المسيحي، إلى الكلام، فتؤكد ان التحرك والجهد يمثلان تقاطعاً مهماً على الاعتدال الذي لا ضمانة إلاه للعيش المشترك في لبنان، وأنّ "التموضع" الجاري إسلامياً ومسيحياً في هذه الفترة يشكل الجانب الأهم من كل ما يدور الآن على الساحة السياسية في البلد.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.