8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"الصحوة المسيحيّة"لدى بعبدا وفريقها.. السرّ والآفاق

لماذا يبدو انّ ثمة "صحوة مسيحيّة" عند رئيس الجمهوريّة اميل لحود وفريقه المقرّب، وكيف تتجلّى هذه "الصحوة"؟
عن هذا السؤال تجيب أوساط مسيحيّة غير موالية لـ "العهد"، فتقول انّ ثمة شعوراً لدى فريق الرئيس بانّ المرحلة الراهنة "متحركة" وبأنها تشهد متغيرات، الأمر الذي لم يعد الرئيس لحود معه قادراً على الاستمرار في محاولة "تجميد" الأوضاع عند نقطة معينّة، فاتجه الى "التحرك".
وبحسب هذه الأوساط، فان فريق رئيس الجمهوريّة يواجه عدداً من العقبات، بين معارضة مسيحية تطالب بـ "تبديل السلطة" ويقوى نفوذها في "الشارع المسيحي"، ودور متنامٍ لمؤسسة غير مدنية وقائدها، ووضع شديد الارتباك داخل الفريق الذي وجد في الاصل لـ "مواجهة" المعارضة المسيحيّة اي "اللقاء التشاوري".. اضافة الى مسألة أساسيّة تتمثل في انّ "قواعد اللعبة" بينه وبين رئيس الحكومة رفيق الحريري تشهد تغيراً حيث من الواضح انّ الرئيس الحريري قررّ عدم قبول ما كان "يمكن" له ان يقبله في فترات سابقة.
في هذه الأجواء وسط العقبات المربكة، يسعى الفريق الرئاسي باتجاه مجموعة من الخطوات. الأولى تمثلت بمحاولة الانفتاح على البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير.. لكنّ مع الايحاء بأنّ البطريرك آتٍ الى حيث رئيس الجمهوريّة في السياسة، اذ استبق لحود لقاءه مع صفير الاسبوع الماضي بهجوم سياسي على فريق "قرنة شهوان"، الذي كان في اليوم السابق على الهجوم الرئاسي يحتفل بذكرى ولادته الثالثة في بكركي بحضور البطريرك، ويعلن من هناك بيانه السياسيّ، الأمر الذي يتجاوز "الطابع الرمزي".
وفي هذا المجال، يقول المطران يوسف بشارة راعي "لقاء قرنة شهوان" لـ "المستقبل" إن "لا طلاق بين البطريرك والقرنة. ولو كان ثمة طلاق كما يقول البعض فكيف يستقبل البطريرك "القرنة"؟. ويضيف: "اذا كان المقصود انّ لكل من البطريرك والقرنة مواقفه فهذا صحيح، لكن نية البعض التشديد على وجود خلاف تتكسر على عتبة الواقع، اذ اثبتت الاحداث ان لا خلاف"، ويوضح المطران بشارة انّ "القرنة تتبنى المواقف الوطنية للبطريرك، لكن ثمة تمايزات".
"الرابطة المارونية".. وجعجع
وإذا كانت الخطوة الأولى تتمثل في محاولة الانفتاح على البطريرك على قاعدة "الفك" الحاسم بينه وبين المعارضة، فانّ الخطوة الثانية تتجلى في محاولة استنفار الوضع المسيحي الذي يلعب رئيس حزب "الكتائب" الوزير كريم بقرادوني دوراً فيه (الاستنفار). وفي سياق هذا الاستنفار تأتي خطوة تشكيل اطار نيابي جبيلي ـ كسرواني بعنوان انمائي لكن بمضمون سياسيّ، وهو ما بدا واضحاً من خلال الاجتماع الاخير في منزل النائب نعمة الله ابي نصر. كذلك في سياق الاستنفار، تأتي محاولة السيطرة على "الرابطة المارونية" عبر دعم وصول رئيس "حزب التضامن" اميل رحمة الى رئاستها.
وفي هذا الاطار، تجدر الاشارة الى انه بازاء هذه المحاولة، كلّف البطريرك صفير المطران بشارة متابعة ملف "الرابطة" لابقائها على "هويتها". ويقول بشارة في هذا المجال ان "الرابطة تحتاج الى اعادة نظر في بنيتها، ومرجعيتها المعنوية هي البطريركية"، مضيفاً ان "الامر مطروح منذ سنوات عدة لكن الحاجة تبرز اكثر في موسم انتخابي".
أمّا الخطوة الثالثة التي تنسبها الأوساط الآنفة الى مصادر مقربة من العهد، فهي طرح اطلاق قائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع، وذلك بعفو عام عبر تعديل قانون العفو والغاء الاستثناءات التي يتضمنّها. وتلفت الأوساط هنا إلى انّ بقرادوني يؤيّد ذلك ويقترح صفقة سياسيّة بموجبها يحصل الافراج عن جعجع بشرط انضمامه الى تكتلّ مسيحي يسعى بقرادوني الى انشائه وربطه بالرئيس.
انّ الخطوات الثلاث الآنفة التي تدخل في اطار استنفار وضع مسيحي مساعد، تهدف بحسب الأوساط المسيحيّة غير الموالية للعهد وليس كلها معارضاً، الى تهيئة الأجواء للتمديد أو التجديد. ولذلك، فان العقبة التي لا بدّ من ازالتها في اعتقاد فريق رئيس الجمهورية، هي رفيق الحريري، وثمة من طرح أمام الرئيس انّ نشوء أزمة حكومية من شأنه ان يعيد طرح وجود الحريري على رأس الحكومة، على اعتبار انّ شرط تحقيق الهدف هو تطيير الحكومة الحالية ومجيء حكومة جديدة برئيس آخر. وفي هذا السياق تنقل الأوساط السابقة عن مصادر غير بعيدة عن الرئيس لحود انّ رئيس الجمهورية "بُلفَ" بالحكومة الحالية، اذ انّه وافق على تركيبتها ولم تكن عودة الحريري إلى رئاستها مبتوتة أو محسومة بما في ذلك في دمشق على ذمة المصادر.
"النظرية البقرادونية":
المعركة مع الشريك المسلم
على انّ وراء كلّ ذلك "نظرية بقرادونيّة". فالبقرادوني على ما هو "منتشر" في غير وسط سياسيّ يقف وراء نظرية "استرداد الموقع المسيحيّ" و "استرداد صلاحيّات رئيس الجمهورية"، تحت عنوان انّ تجربة السنوات السابقة بعد "الطائف" اثبتت من وجهة نظره انّ التوازن في النظام السياسيّ ليس في مصلحة المسيحيين، وانّ تجربة سنوات ولاية الرئيس لحود برهنت على انّ ثمة امكانيّة لتطبيق "الطائف" والدستور "كما يجب".
وفي سبيل "استرداد الموقع المسيحي وصلاحيّات الرئاسة"، تقول "النظرية البقرادونيّة" انّ ثمة سبيلين الى ذلك، فإمّا مخاصمة سوريّا ومهاجمتها، وإمّا خوض معركة ضدّ الشريك المسلم في النظام لـ "تنقيص" حجمه. وبما انّ مخاصمة سوريّا خيارٌ اعتمدته المعارضة برأي بقرادوني، وبما انه خيار خارج عن "الخط الوطنيّ للرئيس" كما يقول، فانّ السبيل الثاني اي خوض المعركة ضدّ الشريك المسلم في النظام هو الأجدى، فيتم فتح النار حول كلّ شيء: صلاحيّات الرؤساء، الحصص في الادارة، التنمية الخ...
وإذا كان يمكن القول انّ ما شهدته الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء الاسبوع الماضي، هو بداية تطبيق الخطّة البقرادونيّة، فان الامر يحتاج الى القول إنّ "النظرية" خطيرة.
فقد سبق للبطريرك صفير انّ اعتبر "الطائف" والدستور ضمانتين للمسيحيين، ودعا إلى تطبيق نزيه لـ "الطائف" كي يمكن في ضوء هذا التطبيق تحديد الثغرات. وبالمعنى نفسه، يقول المطران بشارة إنّ "نظرية" من هذه القبيل تشكّل "لعبة خطرة". وتذهب الأوساط غير الموالية إلى اعتبار، انّ ما يطرحه بقرادوني "مشروع فتنة"، في الوقت الذي يجري على صعيد آخر من قبل بعض آخر من فريق الرئيس تقديم "أوراق اعتماد" الى أميركا ولو كان الأمر يتمّ بشكل أولي وجزئي حتى الآن.
المسألة... طبيعة النظام
وتعود الأوساط الى التذكير هنا بانّ بعض الدعوات المفهومة إلى تأجيل البحث في الاستحقاقات الداخلية نظراً الى خطورة الظروف الاقليمية، والآتية من قيادات لبنانيّة كالأمين العام لـ "حزب الله" السيّد حسن نصرالله ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكيّ النائب وليد جنبلاط، كان يمكن الأخذ بها من دون ترددّ... لولا انّ الامر يتجاوز مجردّ وجود أزمة في علاقة الرئيسين لحود والحريري، أو لو كان الأمر مجرد "فكرة تمديد"، لكنّ المسألة على ما توضحه "النظرية البقرادونية" تتعلق بطبيعة النظام السياسيّ مرتّين: مرّة بفكرة التمديد نفسها، وثانية بإعادة النظر في "الطائف".
وتختم الأوساط غير الموالية للعهد وبعضها غير معارض بالقول إنّ ما أعلنه البطريرك صفير أوّل من أمس حول عدم إعطاء لقاء بعبدا بينه وبين الرئيس لحود ابعاداً كبيرة يجب ان يؤخذ بحرفيته. وتشير الى انّ البطريرك الذي يعيش أجواء أنّ لبنان يجتاز بالعلاقة مع الظروف الاقليميّة، مرحلة انتقاليّة، حَذِر من أن يرتكب أحد أي خطأ في التقدير لا سيمّا المستظلون به.. لأنّ "المعمعة" كبيرة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00