8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

برّي لا يرى حلاًّ إلا بالدستور ولا "يحرق أصابعه" بالتدخّل

عند كل أزمة تعصف بالعلاقات الرئاسية، يقرّر رئيس المجلس النيابي نبيه برّي الدور المناسب الذي يرى ان عليه الاضطلاع به في ضوء ظروف "اللحظة". وهذه المرة، قرّر ألا يتدخّل.. لماذا؟
يقول الرئيس برّي في مجلس خاص انه حصل أن عرض عليه قبل تشكيل الحكومة الحالية، إجراء تعديل وزاري يتم بموجبه استبدال وزيري "حركة أمل" بوزيرين آخرين، لكنه رفض هذا العرض لسبب رئيسي هو ان من شأن التعديل الوزاري أن يطيل عمر الحكومة وأن يمدّد الشلل الدستوري الذي اعترى آليات عملها، واعتبر أن التغيير المطلوب هو للحكومة كلّها بحيث تطوى حال الشلل ويحصل التصحيح الذي يقضي باعتماد التصويت في مجلس الوزراء في حال تعذّر التوافق. ويضيف انه على هذا الأساس قبل مشاركة ممثلين عنه في الحكومة، وهو على غير هذا الأساس لم يكن ليشارك.
مصلحة رئيس الجمهورية.. التصويت
ويعتبر الرئيس برّي في هذا المجال ان التصويت ليس فقط مبدأ دستورياً مؤسساتياً يجب احترامه والعمل به، بل يرى ان ما كان يعوق الاحتكام إليه في الحكومة السابقة لم يعد قائماً، ذلك ان تخوّف احد الرئيسين من أكثرية مفترضة للرئيس الآخر في مجلس الوزراء لم يعد له ما يبرّره في الحكومة الحالية في ظل عدم وجود أكثريات محسومة لأي من فرقاء الحكومة. وإلى ذلك، لا يخفي برّي اعتقاده ان اعتماد التصويت هو في مصلحة رئيس الجمهورية بالدرجة الأولى، فعلى افتراض ان تصويتاً جرى بشأن قضية من القضايا وكانت نتيجته في اتجاه معاكس لقناعة رئيس الجمهورية، فإنه يحق له بموجب الدستور أن يطلب إعادة التصويت بعد أسبوعين، الأمر الذي يفترض عندئذٍ اللجوء إلى التوافق كخيار رئيسي، ما يعني برأيه ان لدى رئيس الجمهورية "فرصتين" بينما لا يتمتع رئيس مجلس الوزراء إلا بفرصة واحدة.
وإذ يسأل: ما الضرر في المبدأ الديموقراطي أن يخسر هذا الرئيس أو ذاك التصويت مرة ويربحه أخرى؟، يجيب انه حتى عندما تكون هناك أكثريات واضحة، فالأمر لا ينهي العملية الديموقراطية. ويعطي عن ذلك مثالاً من التجربة فيقول إنه ليس ثمة شك في ان هناك ثلاث كتل كبرى في مجلس النواب يحسم اتفاقها نتيجة أي تصويت، وهي كتلته وكتلة الرئيس الحريري وكتلة النائب وليد جنبلاط، وإن اتفاق هذه الكتل على حسم نتيجة أي تصويت إذا حصل اتفاقها، أمرٌ من صميم اللعبة الديموقراطية البرلمانية لأن الأكثريات في المجلس النيابي ناجمة من عملية اقتراع شعبي أفرزتها. ومع ذلك يضيف برّي، حصل أن اختلف هو نفسه والنائب جنبلاط من جهة مع الرئيس الحريري من جهة ثانية في ما يتعلق بمشروع موازنة العام الجاري، وهو خلاف على موضوع كبير، فكانت النتيجة أن تقدّم برّي وجنبلاط بتعديلات كان على الحريري ان يأخذ بها ليمرّ المشروع بأهدافه الرئيسية في المجلس، كما كان عليه أن يأخذ بتعديلات نيابية أخرى. ويستنتج برّي من ذلك أن ليس من أكثريات "نهائية"، وأن الشعور بأن المآل الأخير لكل مسألة هو التصويت يرتّب توافقات حتى على المتحالفين، فكيف بين غير المتحالفين؟.
الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء
وينتقل الرئيس برّي من ذلك إلى الأزمة الراهنة، فيقول إنه ليس ثمة حاجة إلى "غسيل قلوب" خاصةً إذا كان أحد طرفي الأزمة لا يرغب بحصوله. ويضيف انه حسناً فعل الرئيس الحريري عندما أعدّ جدول أعمال الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء وضمّنه موضوعات خلافية... وعندما عرض جدول الأعمال على الرئيس اميل لحود لم يمانع بأي بند، وعليه كان من المنطقي استنتاج أو توقع أن تذهب الأمور إلى التصويت طالما ان توافقاً مسبقاً بشأنها لم يحصل. ويشير إلى ان "التعوّد" الذي كان قائماً في السابق على التوافق على بنود جدول الأعمال لم يكن صحيحاً... لأنه لا يجوز أن "يعوّد أحدٌ أحداً على عرف طالما ان الدستور يفصل في الأمور".
ويلفت رئيس مجلس النواب إلى انه في ظل التوقع الذي كان يجب أن يكون حاضراً بأن التصويت هو "المآل الأخير" للجلسة، كان مجلس الوزراء أمام ثلاثة احتمالات: إما أن تأتي النتيجة لصالح قناعة رئيس الجمهورية، أو أن تأتي لصالح رئيس مجلس الوزراء، أو أن تقضي بالتأجيل. وإذ يتساءل: "شو بيصير" إذا خسر أحد الرئيسين التصويت، يلمّح إلى ان أكثر النتائج احتمالاً في تلك الجلسة كانت التأجيل، وما حصل عملياً ان الجلسة انتهت إلى تأجيل موضوع الخلاف، لكن مع فارق انه بالتصويت كانت المؤسسة خرجت أكثر احتراماً من النتيجة العملية التي وصلت إليها الجلسة والتي تعلن أزمة تعترض "تقليع" الحكومة.
باقٍ من العهد رُبعه
على أساس هذا الشرح، يؤكد برّي انه لن يتدخل ولن يتوسط، ويقول انه سيبلغ إلى الرئيسين لحود والحريري موقفه الداعي إلى احترام مؤسسة مجلس الوزراء والدستور بما في ذلك التصويت. وفي ردّ غير مباشر على سؤال عمّا إذا كانت لدى دمشق نيّة التوسط، يقول "يئس المسؤولون السوريون من إمكان تدخّلي".
ويسارع رئيس المجلس إلى توضيح ذي دلالة سياسية لافتة، فيؤكد انه مخطئ من يبني حساباته على تقدير ان الحكومة لن تعمّر سوى أشهر معدودة، ولا مناص تالياً من تحكيم المبادئ الدستورية صوناً للمؤسسات.
وإذ يقرّ الرئيس برّي ضمناً بأن الجانب الطاغي على الأزمة الراهنة ذو علاقة بالاستحقاق الرئاسي المقبل، يشير إلى انه إذا كانت مدة الولاية الدستورية لرئيس الجمهورية ست سنوات فمعنى ذلك ان الباقي منها يوازي ربع الولاية، أي سنة ونصف السنة. ولذلك فإنه لأمر مسيء إلى "العهد" أن يفتح هذا الاستحقاق من قبل أي كان منذ الآن. ولذلك، ولأنه بقي من عمر العهد رُبعه ولأن "من الواضح" أن لا بديل من الحريري في رئاسة الحكومة وإلا لكان هذا البديل ظهر.. فلا مفرّ من إدارة للوضع تقيم الاعتبار للدستور والمؤسسات، كما يختم رئيس المجلس النيابي... مبرزاً من خلال كل ما تقدّم أن قراره "عدم التدخّل" يُترجم تدخّلاً في النصح، مع احتمال أن يكون الرئيس برّي في ظل هذا الظرف اللبناني الاستثنائي وما يحيط به من أوضاع خارجية استثنائية، محترساً من "حرق أصابعه".. في معالجة أزمة قد تكون أخطر الأزمات التي مرّت في تاريخ العلاقات الرئاسية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00