8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

مفهوم واشنطن للتسوية يقوم على معادلة "القوة الحازمة" في مقابل "نيّة الإرهاب"

في معرض تحليلها للوضع العربي بعد الحرب على العراق والضغوط الأميركية المتأتية عن شعور واشنطن بالقوة، تقول مصادر ديبلوماسية غربية إن العادة جرت أن يتحرك العقل السياسي العربي على قاعدة اعتبار "الوقت" سلاحاً يُعتمد في المحطات المصيرية. وتضيف أن هذه القاعدة كانت مجدية خلال السنوات السابقة، إذ أتاحت للمواقع العربية المناهضة للسياسات الأميركية ـ الإسرائيلية فرصاً للاستفادة من عامل الوقت لإجراء تعديلات في التوازن. ولعلّ ألمع من أتقن "فنّ" إدارة هذه القاعدة هو الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد.
غير أن المصادر الديبلوماسية تسارع الى القول إن الظروف التي أتاحت إمكانية استثمار عامل الوقت تبدّلت خلال عقد التسعينات من القرن الماضي وبدايات القرن الحالي، ولا سيما خلال الشهور المنصرمة، وأن القاعدة التي اعتمدها العقل السياسي العربي آيلة الى التغيير، لا سيما بعد سقوط دولة العراق وحصول الاحتلال الأميركي ـ البريطاني لهذا البلد.
ولذلك تعرب المصادر نفسها عن اعتقادها أن ذلك يرتّب إعادة نظر جذرية في ما جرى اعتماده خلال العقود الماضية. وتلفت الى أن أمام العالم العربي، خصوصاً المحور السوري ـ اللبناني عدداً من الاستحقاقات، وبالتحديد ثلاث محطات رئيسية. فالمحطة الأولى تتعلق بمصير الوضع في العراق، والثانية بمصير "خارطة الطريق"، والثالثة بمصير الانتخابات الرئاسية الأميركية. وتقول إن المحطات الثلاث تشكل مجتمعة ضغطاً كبيراً على الوضع العربي، وعلى أي محاولات يمكن أن تجري لاستنهاض وضع عربي يواجه هذه الضغوط. وأكثر من ذلك، تعرب عن اعتقادها أن الأشهر الفاصلة بين بدء السعي في اتجاه "خارطة الطريق" وبين المباشرة في الانتخابات الأميركية مع بدايات العام المقبل، سوف تزدحم بالضغوط على الوضع العربي ومواقع الممانعة من ضمنه.
الانتخابات الأميركية
وتذهب المصادر الآنفة الى حد اعتبار أن الانتخابات الأميركية قد تشكّل محطة لـ"الانقضاض" الأميركي ـ الإسرائيلي المشترك على الكثير من الوقائع العربية التي تتعارض مع السياسات الأميركية. وتبدي قناعتها بأن الانتخابات الأميركية هذه المرة لن تكون "فترة استراحة" للإدارة تمتنع خلالها عن التعاطي مع الملفات الإقليمية، وملف "الشرق الأوسط" بنوع خاص، بل على العكس سيحصل مزيد من التدخّل الذي لن يكون في مصلحة العرب بطبيعة الحال. وفي هذا السياق، لا تستبعد المصادر الغربية أن تكون الموافقة الإسرائيلية على "خارطة الطريق" أخيراً حتى بالصيغة التي أتت فيها هذه الموافقة، بمثابة "ضوء أخضر" لمزيد من الضغوط.
وتعترف أن ثمة رأياً آخر، يجد أصحابه أن الوضع في العراق لم يستقرّ على أرض صلبة بما يمكّن الإدارة الأميركية من ادّعاء "الإنجاز" عبر تقديم "نموذج" صالح عن كيفية تعاملها مع المجتمعات السياسية في المنطقة. وتقول إن ثمة "رهاناً" من قِبل أصحاب هذا الرأي على أن عدم استقرار الوضع في العراق سيؤدي الى وقوع الولايات المتحدة في "الفخ العراقي". بيد أن المصادر الغربية تسارع الى التنبيه من أن هذا "الرهان" يبقى "رهاناً" وحسب، ذلك أن الولايات المتحدة إن لم تنجح في تحقيق وضع عراقي مستقر، فلا شيء يمنعها من ترك الوضع في العراق لمزيد من الفوضى. وبهذا المعنى ـ تقول المصادر ـ فإن الفوضى ليست إشارة سلبية باتجاه أميركا فقط بل باتجاه المجتمعات العربية أيضاً، أي أنها ليست "سلاحاً" يؤذي أميركا بل يمكن أن تكون "سلاحاً" تؤذي أميركا بواسطته المجتمعات العربية في وقت يبدو من الصعب جداً تصوّر إمكان تحمّل هذه المجتمعات "أعباء" هذه الفوضى ونتائجها فيما يمكن تصوّر أن تستطيع الولايات المتحدة "التفرّج" على الفوضى و"إدارتها" في المدار العربي... لفترة على الأقل.
"فلسفة" التسوية
وفي السياق نفسه، تنقل المصادر الغربية عن ديبلوماسيين أميركيين شرحهم لـ"فلسفة" واشنطن في موضوع "خارطة الطريق" ومن خلالها "فلسفة" التسوية الإقليمية. يقول الديبلوماسيون الأميركيون لنظرائهم الغربيين إن "الفلسفة" تتسلسل على النحو الآتي: ينتفض الفلسطينيون بالحجارة فلا يمكن مطالبة الإسرائيليين بخوض معركة حجارة في مواجهتهم بل يحقّ لإسرائيل أن تستخدم سلاحاً أقوى.. وإذا استخدم الفلسطينيون القذائف المضادة للدروع، يحقّ لإسرائيل أن تستخدم "الأباتشي" أو الـ"اف ـ 16". لماذا؟ لأنه لو كان الفلسطينيون يملكون أسلحة أقوى لما تردّدوا في استخدامها، لكن الثابت أن لديهم "نيّة الإرهاب". ويضيف الديبلوماسيون الأميركيون، إن ما حصل من تفجيرات في واشنطن ونيويورك يدلّ على أن الإرهابيين استخدموا طائرات فقتلوا نحو ثلاثة آلاف أميركي لكن لو كانوا يملكون رؤوساً نووية لاستخدموها وقتلوا عشرات الآلاف، فـ"نيّة الإرهاب" موجودة عندهم ولا تستطيع أميركا انتظارهم الى أن تكتمل "عدّتهم". "الفلسفة" إذاً تقوم على معادلة "القوة الحازمة" في مقابل "الإرهاب ونيّة الإرهاب"... وتذهب فكرة "نيّة الإرهاب" الى حد أن الدعوة الى أخذ الحقوق بالقوة حتى لو لم تقترن باستخدام السلاح، تعتبر أميركياً حضّاً على "العنف" و"الإرهاب".
وفي موازاة معادلة "القوة الحازمة" في مواجهة "نيّة الإرهاب"، وفي سياق تسلسل "فلسفة" التسوية، يقول الديبلوماسيون الأميركيون لنظرائهم الغربيين إن من له "حقاً" يمكن أن يصل اليه بالاحتكام الى "القانون"... المحمي هذه المرة بـ"القوة الأميركية الحازمة". ولذلك فإن المصادر الديبلوماسية الغربية تدعو في امتداد كل ما سبق، من قراءة احتمال تزايد الضغوط الى قراءة "فلسفة" أميركا للتسوية انطلاقاً من "خارطة الطريق" الى عدم الظن بإمكان استخدام عامل الوقت، لأن من يستخدمه هذه المرة هو أميركا نفسها.
ماذا إذاً؟
في ضوء هذه "الصورة" التي تقدّمها المصادر الغربية والتي تفيد أن أميركا لن تسمح ـ إذا استطاعت ـ بأن تستخدم أي "تناقضات" ضدّها، يعرب ديبلوماسي عربي عمل سابقاً في واشنطن عن اعتقاده أن المطلوب بلورة "مشروع عربي معاصر" قادر على التأثير في مراكز القرار الدولي وفي واشنطن تحديداً بهدف "تخفيض" الدعم الأميركي لإسرائيل، وأن يكون هذا المشروع بمثابة استراتيجية عربية، ملاحظاً أن ما يحصل الآن في مقابل السياسة الأميركية سعي من كل نظام عربي على حدة الى "صفقة" مع أميركا... الأمر الذي ينهيه بسؤال عما إذا كان ثمة مشروع بديل خلال المرحلة المقبلة، وما إذا كان ثمة "مشروع مواجهة" قابلاً للتحقيق.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00