8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

قوّة لبنان تكمن في قدرته على تأكيد تداول السلطة

غنيّ عن القول ان ما جرى في الجلسة الأخيرة لمجلس الوزراء يوم الخميس الماضي، والذي قد يتجدد في جلسات مقبلة، يشكّل موشراً إلى استمرار سياسة النكايات المحلية. بيد أن الأصل السياسي لهذه النكايات هو ان الاستحقاق الرئاسي مفتوح منذ الآن، وموضوع على طاولة الجدل، والصراع يدور حوله بأسلحة لا تمتّ بصلة مباشرة إلى الاستحقاق هذا، وإن كان كلّ شيء تقريباً موضوعاً في سلّة الاستحقاق الرئاسي.
هذا ما تقوله الأوساط السياسية على اختلافها بإجماع قلّ نظيره. وإذا كانت هذه الأوساط، تأكيداً للاستنتاج السابق، تتوقف عند العودة إلى أسلوب "المصادر الوزارية" بما يذكر بالفترة بين 1998 ـ 2000، وأمام الحديث عن "فريق رئيس الجمهورية من الوزراء" كما ورد في محضر "المصادر الوزارية"، بما يتناقض مع النفي السابق للرئيس لحود لمشاركته في أية محاصصة في الحكومة الحالية... فإن الأوساط نفسها تبدي اعتقادها أن أخطر ما في استئناف النكايات بأفق الاستحقاق الرئاسي المقبل عام 2004 من مدخل بيروت وإعاقة حقوق العاصمة، انه لا يستهدف الرئيس رفيق الحريري فقط، إنما يثير تشنّجات معينة في ظن إمكان استقطاب بيئة أخرى. والحال، ان البيئة المقصود استقطابها، تخشى "تنقيز" البيئة الأخرى بما يمكن أن يؤدي إليه من سوء تفاهم وطني غير مبرّر.
حديث الأسد
على ان ما تلفت الأوساط إليه، هو ان ما يحصل بأفق الاستحقاق الرئاسي، يتزامن مع ما أعلنه الرئيس السوري بشار الأسد إلى صحيفة "الأنباء" الكويتية أول من أمس، لكن متناقضاً معه. فالرئيس الأسد أكد في حديثه الصحافي ان "لبنان تجاوز مرحلة خطر الحرب الأهلية منذ زمن طويل"، وأضاف "بالنسبة إلى إعادة الانتشار السوري والانسحابات السورية، يفهم احياناً من إعادة الانتشار انها إعادة تموضع القوات داخل لبنان"، وأوضح "لا، إعادة الانتشار كانت في جزء منها انسحاباً إلى سوريا". ورأى ان "ذلك يدلّ على ان الدولة اللبنانية أصبحت قادرة على حفظ الأمن (..)".
إذاً، في الوقت الذي يشدّد فيه الأسد على ثقته بالاستقرار في لبنان، ثمة تقديم لنماذج من البقاء دون "سنّ الرشد السياسي" وصولاً إلى ربط كل شيء بأفق الاستحقاق السياسي بتّاً به منذ الآن.
وتطرحُ الأوساط في هذا السياق عدداً من الأسئلة: لماذا يكون التمديد حتمياً؟ لماذا اعتباره "ورقة" سياسية؟ هل هو أحد بنود الاستحقاق الرئاسي فعلاً أم انه بند خارج جدول الأعمال؟... وعن هذه الأسئلة تجيب ان الطبيعي هو تداول السلطة قبل أن تلاحظ ان أحد عوامل قوّة لبنان مستقبلاً كونه دولة في مقدورها تحقيق تداول السلطة بشكل دستوري وديموقراطي.
دعوات تأجيل البحث.. غير ذات معنى
... ومع ذلك، تكثر الدعوات تارة إلى تأجيل البحث في الاستحقاقات الانتخابية، وأخرى إلى حسم الاستحقاق بسرعة، وثالثة إلى تأجيل العناوين الخلافية.
وهنا، تشير الأوساط الآنفة إلى ان ثمة معادلة سياسية باتت بحاجة إلى "تدقيق" خاصة في ضوء واقع المجتمع السياسي اللبناني. هذه المعادلة تقول بـ"تهدئة" الوضع السياسي الداخلي طالما ان الظروف الاقليمية والخارجية "دقيقة". لكن السؤال الرئيسي هنا هو: على أي أساس؟
وتقول الأوساط في هذا المجال ان لبنان غير قادر على التعاطي مع الأساسيات، وإذا أتيح له التعاطي معها فإن تعاطيه لفظي، لا بل يذهب البعض إلى القول ان التعاطي أشبه بـ"قنابل صوتية" تحدث دوياً محدوداً. في ظل هذا "التقدير"، المعطوف على "سر"، هو الشعور العميق لدى قسم كبير من اللبنانيين بانعدام العلاقة بما يجري حول لبنان، يصبح التساؤل كبيراً عمّا يمكن الكلام بشأنه وعمّا تكون موضوعات الجدل السياسي، وإذا كان مسلّماً به أن اللبنانيين يقفون ضد أميركا وإسرائيل فهل المطلوب التأسيس على هذه البديهيات لملء الفراغ السياسي بالبديهيات؟
وتضيف انه إذا كان تحت عنوان تطبيق الطائف يبدو ان ثمة تقديرات متفاوتة للأمر، فهل يجري تأجيل البحث؟ وإذا كان لا بد من التأجيل ألا يجب أن يكون التأجيل عبر إطار سياسي وفيه؟ هل ممنوع تناول قضية مطلبية أو مسألة فضائحية؟ لماذا لا يجري الجدل أو النقاش أو الحوار حول النظام الديموقراطي أو إدارة الحكم وإدارة الدولة مثلاً كي لا تبقى إدارة الأمور "صوتية"؟
من هنا، يستنقع المجتمع السياسي اللبناني ويبدو متفرّغاً للتجاذبات الداخلية بالجملة والمفرّق وبالتفاصيل، وسيكون من الصعوبة بمكان إخراجه من الدوّامة ما لم تفتح أمامه آفاق سياسيّة أرحب تجعله قادراً على تناول القضايا الرئيسية من دون أن يكون ثمة خوف من انزلاقات خطيرة. ولذلك تصبح الدعوات إلى تأجيل البحث في الاستحقاقات الانتخابية بينما بعض مطلقي هذه الدعوات "متورّط" في هذه الاستحقاقات، غير ذات معنى، وتصبح الدعوات إلى تأجيل البحث في كل شأن داخلي رئيسي تارة تحت عنوان الظرف الخارجي، وأخرى تحت عنوان عدم تسعير التجاذبات الحاصلة دائماً، غير ذات موضوع... لأن معناها جميعاً "تعليق" الحياة السياسية والاجتماع السياسي... إلا أمام من له "خطّة" لملء الفراغ على طريقته.
الخروج من "الاستنقاع السياسي"
والدليل العمليّ على أن لا إمكان لـ"تعليق" كل شيء، ان مجلس الوزراء لا يمكنه العودة إلى الالتئام بعدما جرى الأسبوع الفائت، إلا بإعادة الاعتبار لـ"المؤسسة" بحسب الدستور، ولا سيما ان ثمة مخالفات للآليات الدستورية حتى في ظل التئام مجلس الوزراء، فكيف بالمخالفات من دون التئامه؟
وتشدّد الأوساط على ان أفضل سبيل إلى إخراج الوضع السياسي المحلي من "مستنقع" التفاصيل، وإلى تعزيز إنتاجية المؤسسات الدستورية وتصحيح العلاقة بينها، هو البت بأن الاستحقاق الرئاسي المقبل سيكون طبيعياً تأكيداً لقوّة لبنان، خاصة ان للبنان دستوراً جاهزاً لا يحتاج إلا إلى ممارسته، بمعنى انه ليس من الدول التي سيكون عليها المرور بمرحلة انتقالية لبلورة دساتير على "صلة" بالديموقراطية، وأنه يتمتع من حيث المبدأ بنظام ديموقراطي. آنذاك يحصل ما لم يحصل طوال السنوات السابقة: ارتقاء الحياة السياسية ونموّ قدرات المجتمع السياسي!

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00