8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

"حزب الله" يحدد إشكاليات "اللبننة" ويعيها

بمناسبة الذكرى الثالثة لإنجاز التحرير، جرى قبل أيام في حلقة نقاش ضمّت غير متحزبين، استحضار ما قاله الرئيس الايراني محمد خاتمي في بيروت خلال الزيارة التي قام بها أخيراً اليها. وسيتم عبر استعراض ما دار من نقاش "اكتشاف" سبب استحضار كلام خاتمي.
يقول المشاركون في حلقة النقاش هذه، إن خاتمي قال في لبنان صيغة وميثاقاً ودوراً، كلاماً مركزاً، بدا أنه يقدّم من خلاله صياغة غنية لمعنى لبنان، ولمعنى أن يكون أبناء هذا البلد لبنانيين. وبمعزل عمّن كان الأجدى بهم أن يصوغوا معادلة معنى لبنان وقيمة "الرابطة الوطنية اللبنانية"، يرى المناقشون أن تركيز خاتمي في هذا المجال كان بمثابة رسالة برسم الشيعة عموماً و"حزب الله" خصوصاً، مفادها أن "التلبنن" مسألة تستحق أن يُعمل لها، وأن "اللبننة" لها بُعد ايجابي وأن "العودة" الى لبنان تنطوي على مساهمة في إثراء صيغته ودوره، فضلاً عن أنها تؤكد على أن الطرف "المتلبنن" دخل جدّياً في النسيج اللبناني.
ويضيف المتحاورون أن كلام خاتمي سواء كان يعبّر عن رأيه بوصفه فريقاً في ايران أو كان يعبّر عن محصلة رأي القيادة الايرانية، فإنه قطعاً عندما قارب الصيغة ـ الدور اللبنانيين، لم يقاربهما من زاوية الصراع العربي ـ الإسرائيلي ...فقط، الأمر الذي يعني من وجهة نظر المشتركين في الحوار أن خاتمي فتح أفقاً لحزب الله باتجاه أولوية كونه حزباً سياسياً على كونه حركة مقاومة.
وإذ يمكن بناء على ما تقدّم "اكتشاف" سبب استحضار المناقشين كلام خاتمي... وبسرعة، يلاحظ المتحاورون أن رسالة خاتمي بالمعنى المباشر تعني: أيها الشيعة تلبننوا، وهو أمر بقدر ما يمكن اعتبار أنه يعني "حزب الله"، فإنه يعني الشيعة بمجملهم الذين لم "تُحسم" تماماً علاقتهم بـ"مشروع الدولة".
ويعودون بالذاكرة الى الرسالة التي وجهّها البابا يوحنا بولس الثاني في العام 1997 أثناء زيارته الى لبنان حاملاً "الإرشاد الرسولي"، ويقولون إن مغزى الرسالة آنذاك كان: أيها المسيحيون تعرّبوا. وينطلقون من ذلك للقول إن رسالتي البابا وخاتمي كل الى بيئته تشكّلان معاً عنوان متجدداً لميثاق وطني لبناني.
محطة الـ2000 مسيحياً وشيعياً
غير أن المتحاورين يلفتون الى أنه ما بين "أيها المسيحيون تعرّبوا" و"أيها الشيعة تلبننوا"، لم تشهد السنوات الماضية، لا سيما السنوات الثلاث الأخيرة بعد التحرير، التكيفات المنتظرة، لا بل بدا أن ثمة تقديرات متناقضة لطرفي المعادلة، المسيحيين والشيعة، وأن تقدير كل طرف انطوى على قراءة للمرحلة وتناقضاتها تحتاج الى "تدقيق".
المسيحيون رأوا في إنجاز التحرير محطة نهائية لعلاقة لبنان بالصراع العربي ـ الإسرائيلي، ولأنهم انطلقوا من هذا التقدير، اعتبروا أن بالإمكان طرح مبرّر الوجود السوري في لبنان، وكان ذلك كله في مناخ مفاوضات فلسطينية ـ إسرائيلية برعاية أميركية بدت في "لحظة" أنها مفتوحة الآفاق.
"حزب الله" من ناحيته كما يقول المناقشون، رأى العكس، فهو اعتبر أن الإنجاز بمثابة "رافعة" لفلسطين، وهو أمر حصل على أي حال إذ سرعان ما اندلعت الانتفاضة "متسلّحة" بالانتصار اللبناني، لكنه اعتبر أيضاً أن آفاق المقاومة في لبنان لا تزال مفتوحة خصوصاً أنه قدّر أن المفاوضات الفلسطينية ـ الإسرائيلية التي كانت جارية آنذاك مسدودة الأفق.
باختصار، يشير المشاركون في النقاش هنا الى الآتي: في أيلول 2000 بدا المشهد السياسي اللبناني ذاهباً الى افتراقات حادة، مبنية على تقديرات متناقضة... وفاتت على البلد فرصة ترجمة "التعريب" و"التلبنن"، ان بمعنى، ويبقى السؤال برسم النقاش: هل ثمّة خطأ في التقديرات وأين، وأين الصح؟. يبقى السؤال برسم النقاش، تماماً لأنه بعد عام، في أيلول 2001 حصل "المنعطف العالمي" ولم يتم التعاطي معه بوصفه منعطفاً، وذهبت التقديرات الى التناقض مجدداً... والنقاش يستمر حتماً!
"حزب الله"
وعند هذا الحد، ينتهي الكلام "المباح" الذي تمّ نقله عن حصيلة ما تداولته حلقة النقاش بالتزامن مع الذكرى الثالثة للتحرير. لكن بعيداً من هذا النقاش "المسيّس" أي ذي "الغايات" السياسية، و من هذه "الغايات" توجيه رسالة الى "حزب الله" حول ضرورة اعتماد أولوية كونه حزباً سياسياً... كان نقاش مع قيادي بارز في "حزب الله".
يؤكد القيادي في هذا المجال على عنوان رئيسي أول بالنسبة الى "حزب الله"، هو ما يسمّيه "موقعية الصراع العربي ـ الإسرائيلي في توجهّات الحزب"، الذي لا يرى استقلالاً للبنان والمنطقة خارجه وخارج ما يمثّله من "لحمة وطنية". لكنه يشير فوراً الى عنوان ثانٍ فيقول إن لدى الحزب "نظرة اعتراضية جذرية الى النظام السياسي في لبنان"، ويضيف أنه "بعد تقديره لحيثيات تسوية الطائف فإن الحزب يتعاطى مع هذا النظام في هذه المرحلة"، مشيراً الى "مسافة تعايش للحزب مع هذا النظام الى أمد، لتحقيق الأولويات الأساسية في إطار الصراع العربي ـ الإسرائيلي"...
ويلفتُ المسؤول الحزبي الى عنوان ثالث هو أن "المكتسبات الداخلية التي تحصّلها الطائفة (الشيعيّة) يأخذها الفريق الآخر في الثنائية الشيعية من ضمن حصة الشيعة في التوزيع الطائفي". وإذ يبدو أن العنوان الثالث يشرحُ العنوان الذي سبقه، أي أن الطرف الشيعي في النظام (أي حركة "أمل") يحصد الحصة الشيعية في نظام محاصصة طائفية، يشير الى أنه بناء على كل ذلك فإن "من يريد خدمات من الشيعة، لا يأتي الى حزب الله ليطلبها"، وعليه فـ"نحن طرف مراقب للوضع الداخلي"... لكن من زاوية أن تبقى الأوضاع الداخلية "مستنفرة" لصالح الأولوية الوطنية أي المقاومة ضد إسرائيل.
وكي لا يُساء فهمه، يسارع القيادي البارز في "حزب الله" الى التوضيح أنه "منذ تسوية الطائف، حصل توافق مع الحركة على أن الساحة الواحدة التي يتحرك فيها أكبر تنظيمين شيعيين لا بد أن تكون مستقرة، لأن الاستقرار هو المناخ المطلوب لإنعاش وتطوير عمل المقاومة ضد الاحتلال، ولأن موقعية أمل في النظام وفي إطار المحاصصة الطائفية تقتضي أن تكون مستقرة في ساحتها أيضاً. وبما أن "لا حساب للمشاركة في الحصة الداخلية من جانب الحزب"، فإن العلاقة مع حركة "أمل" ينظمها حرص على "حسن التجاور" وعلى تمتين المساحة المشتركة المتعلقة بقضايا الوضع الشيعي"، ولذلك "تحصل اجتماعات قيادية دوريّة للتشاور والتنسيق".
من الواضح إذاً أن قراءة القيادي في "حزب الله" وإن كانت لا ترد مباشرة على ما تداوله المتحارون السابقون، فإنها تؤكد على أن وعي "حزب الله" لنفسه هو أنه "حزب مقاومة" بالدرجة الأولى، وتشير في الوقت نفسه إلى مجموعة من الإشكاليات: إشكالية العلاقة بالنظام، إشكالية الثنائية الشيعية، إشكالية العمل السياسي في وضع كالوضع الإنساني. ومن الأمانة القول إن القيادي كان جريئاً في هذه المقاربة التي لا بد أن توضع على طاولة "الآخرين" لمزيد من "فهم" كيفية فهم الحزب لنفسه وللوضع حوله.
... هذا النقاش بمناسبة الذكرى الثالثة للتحرير، يفترض أنه لا يحجب "واجباً"، و"الواجب" هنا هو القول إن كل الكلام لم يكن ممكناً لولا الإنجاز، والإنجاز حققه "حزب الله" أولاً الذي يعود إليه قبل غيره "فضل" الإنجاز المعمّد بالدم.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00