تنقل مصادر روحية وسياسية مقربة من البطريرك الماروني الكاردينال نصر الله بطرس صفير حصيلة مركزة للقاء الذي جمعه برئيس الجمهورية أول من أمس في قصر بعبدا، مشددة في الوقت نفسه على المناخ "الصريح" الذي ساده تحت عنوان "ترتيب" الوضع المسيحي.
وفي الحصيلة "المركزة" هذه أن الرئيس لحود انطلق في حديثه مما سماه "معرفته بالسياسة الاقليمية"، وأبدى اعتقاده لصفير أن مسألة الوجود السوري في لبنان تتقرر في ضوء اعتبارات شتى، منها مآل العلاقات السورية ـ الأميركية ومنها التطورات الاقليمية نفسها، وهي ليست تالياً "في يدنا"، ودعا البطريرك في ضوء ذلك الى "البراغماتية السياسية".
ولم يفت لحود التنويه بمواقف البطريرك ولا سيما اعتراضه على الحرب الأميركية على العراق، وتشديده على فصل ملف العلاقات اللبنانية ـ السورية عن "الأجندة الأميركية"، واعتبر رئيس الجمهورية ان هذه المواقف هي بمثابة حماية للمسيحيين، تماماً كما ان "الخيار الوطني" الذي اعتمده هو نفسه (أي الرئيس) يمنح المسيحيين حماية وضمانة مطلوبتين، لافتاً هنا الى انه اذا كان صحيحاً ان خياره السياسي لا ينطلق من اعتبارات طائفية، فالصحيح أيضاً ان هذا الخيار هو الحماية الضرورية.
خطوات قيد التنفيذ
ومع ان الكلام حتى الآن يوحي برغبة رئاسية في أن يبقى البحث تحت سقف عدم ملامسة مسألة الوجود السوري، فإن الرئيس لحود أشار أمام زائره الى خطوات يتم العمل عليها ومنها ان ثمة عملية اعادة انتشار سورية جديدة تشمل مناطق جبلية معينة، ومنها ان تعزيزاً للجيش في الجنوب قيد التحضير والتنفيذ. كذلك، على الصعيد الداخلي لفت لحود البطريرك الى ان اعادة النظر في مرسوم التجنيس تأتي استجابة لمطلب رئيسي ورد أكثر من مرة على "الأجندة المسيحية"، واحاطه علماً بمعالجة جارية لتداعيات توقيف القيادي القواتي توفيق الهندي بما يمكنه من استعادة عمله في التدريس في الجامعة اللبنانية.
وتقول المصادر الآنفة ان البحث تطرق الى اتفاق الطائف وتطبيقه، ولاحظ رئيس الجمهورية في هذا المجال ما اعتبره التوازن الداخلي المستعاد في التطبيق خلال الفترة المنقضية من ولايته، وقد ختم بالدعوة الى التعاون والتفاهم، بما في ذلك استعداده لاستقبال أعضاء معينين من "لقاء قرنة شهوان"، مع استمرار تحفظه عن "اللقاء" كإطار قائم بذاته.
صفير
من جهته، شرح البطريرك صفير للرئيس لحود حيثيات مواقفه في الآونة الأخيرة، والتي تنطلق من القناعة بأن ملف العلاقات اللبنانية ـ السورية منفصل عن العلاقات السورية ـ الأميركية، وأنه يرفض أن "يوظف" المسيحيون في أي ضغوط على سوريا. وشدد على أن هذه المواقف تأتي إضافةً الى القناعة السالفة، لتشكل نوعاً من "بوليصة تأمين" للمسيحيين، وذلك من خطر تطرفين، أولهما أصولي اسلامي، وثانيهما مسيحي مغامر.
واغتنم صفير مناسبة الحوار، ليعيد التذكير بموقفه القائل ان ضمانة اللبنانيين جميعاً والمسيحيين منهم بلون خاص، هي في تطبيق أمين للطائف والدستور، لأن الطائف في الأصل ميثاق للعيش المسيحي ـ الاسلامي والشراكة المسيحية ـ الاسلامية، اضافةً الى ان المسيحيين لا يفكرون للحظة واحدة في "الانقلاب على الطائف"، وان ما يتوخونه في مطالبتهم بتطبيق الطائف بشقيه الداخلي والمتعلق بالعلاقات اللبنانية ـ السورية، هو فضلاً عما سبق، استعادة السياق الطبيعي لانتاج السلطة وتوازناتها السياسية.
الطائف... و"الشريك المسلم"
وفي وقت لا تعطي المصادر الروحية والسياسية تقويماً لاجتماع لحود ـ صفير غير أنه كان "صريحاً"، متريثة في تكوين استنتاجات مرحلية، تؤكد أن ثمة خطاً مسيحياً ترضى عنه بكركي وترعاه، وهذا الخط يقوم على التزام الدعوة الى تطبيق الطائف، والتمسك بالشراكة الاسلامية ـ المسيحية وبدور لبنان في محيطه العربي.
وتشدد على ان الخط المرعي بطريركياً ليس تكتيكياً، بمعنى أنه بمعزل عن نجاح الولايات المتحدة أو اخفاقها في المنطقة، يؤمن هذا الخط الوجود المسيحي "داخل" العالم العربي. وتضيف أنه حتى لو نجحت أميركا أمنياً وعسكرياً في المدى المرحلي، في فرض سيطرتها، فإن حالة اعتراضية على الوجود الأميركي في المنطقة سوف تبرز حتماً، وإذا كانت الأصوليات تبرز اليوم في واجهة الاعتراض، فإن المستقبل للتيار الاعتراضي الديموقراطي العربي.
على أن المصادر نفسها، تعرب عن اعتقادها بأن أزمة الخط المسيحي المرعي بطريركياً، تتمثل في أزمة العلاقة بـ "الشريك المسلم" الذي يبدو متعاملاً مع هذا الخط وكأنه "تكتيكي" كما تقول. وتبدي حرصاً على تأكيد ان هذا الخط المسيحي ليس في وارد العودة عن التعديلات الدستورية أو في وارد السعي الى أرجحية مسيحية في الدولة والنظام السياسي، وبالتالي لا "يغريها" أي كلام من نوع تطبيق معين للطائف يستعيد معه المسيحيون الصلاحيات، لأن في ذلك خروجاً على الطائف، والدستور الذي يشكل ضمانة للمسيحيين.
وإذ تعتبر المصادر أن ثمة "أزمة علاقة" بـ "الشريك المسلم"، تعلن تخوفها من تيار مسيحي "على يمين" هذا الخط يستفز الشعور الاسلامي في هذه اللحظة، مما يؤدي الى فقدان امكانية الوصول الى شراكة مع المسلمين. وبكلام آخر، تقول ان ثمة تخوفاً لديها من خطين، احدهما في النظام يغريه تطبيق معين للطائف باسم الصلاحيات، وثانيها متطرف، يعتبر أنه "من الطبيعي" أن يعود الى السلطة على قواعد تناقض اعتبارات التوازنات الداخلية. وفي هذا الاطار، ترى أن الطرح الفدرالي للعماد ميشال عون ينبع من قناعة عند اقلية مسيحية تعتقد أن لا إمكان لبلورة مشروع عيش مشترك في لبنان، ومن نافل القول في رأيها ان هذا التطرف يتغذى من ممارسات خاطئة خلال الحقبة الماضية.
وتختم المصادر المقربة من بكركي بالتشديد على أن "عينها" على "الشريك المسلم" القادر على المساهمة في عودة لبنان الى سياق من العلاقات "الطبيعية" والمميزة مع سوريا، والذي لا بد أن يكون ذا بعد عربي وأن يتاح له أن يكون زعيماً لبنانياً مسلماً، متمتعاً بشرعية عربية كاملة تخوله من غير أن يتعرض للتخوين ان يكون ممسكاً بناصية الشراكة مع المسيحيين.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.