8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

فضل الله: مناخٌ جديد بين إيران وأميركا والباب فُتٍح ولن يغلقه أحد

في العودة إلى المسألة الإيرانية ـ الأميركية، وآفاق العلاقة بين طهران وواشنطن، كان لا مفرّ من الاحتكام إلى وجهة نظر المرجع الاسلامي الشيعي العلاّمة السيّد محمد حسين فضل الله وتقديره للأمور، باعتباره أبرز العارفين في خبايا السياسة الإيرانية والخبراء بها.
يؤكّد السيّد فضل الله بداية ان الثورة الاسلامية عند انطلاقها لم تكن تحمل راية المقاطعة الكاملة التي لا تنفتح على تواصل سياسي مع الولايات المتحدة. بيدَ أن الحدّة والتعقيدات بدأت منذ احتلال الطلبة السفارة الأميركية في العاصمة الإيرانية، وصولاً إلى "ايران ـ غيت" التي أوجدت برأي فضل الله حالةً ضبابيّة في بعض خطوط العلاقة أثناء الحرب مع النظام العراقي السابق، وتعقدت المسألة أكثر في ظل الحصار الذي فرضته أميركا على الجمهورية الاسلامية. وقد عملت أميركا في هذه المرحلة على أساس تقويض الواقع الإيراني عبر اجتذاب بعض المعارضين للنظام الاسلامي ومنهم جهة مسلّحة هي منظمة "مجاهدي خلق" (التي يصفها المصطلح الرسمي الإيراني بـ "المنافقين"). ويقول السيّد أن هذا الخط الأميركي العدائي امتد طوال حياة الامام الراحل آية الله الخميني الذي كان يصّر على سلبيّة العلاقة بأميركا إلاّ في نطاق شروط معينة كان معروفاً سياسياً انها من الشروط التي لا تخضع لها أميركا ولا تتنازل عنها إيران.
غير أنّ التطورّات التي هزّت المنطقة قبل الحرب على العراق وبعدها، جعلت المسألة تنفتح على مناخ أقرب إلى الحالة المعتدلة كما يقول المرجع الاسلامي الذي يضيف انه مناخٌ فتح النوافذ على ما يمكن أن يقترب من ترطيب الأجواء وتسهيل بعض المبادرات لا سيما مع دخول الاتحاد الأوروبي على الخط في الموضوع الذي أثارته أميركا، أي موضوع السلاح النووي الإيراني. وفي اعتقاد فضل الله انّ إيران بدأت تدرس المسألة برمتها بطريقة واقعية واضعة في حساباتها أن أميركا عندما تحركت لاحتلال افغانستان ثم لاحتلال العراق، إنما اصبحت على حدود إيران، وانه يمكن للضغوط الأميركية ان تتحول إلى واقع غير محسوب، وإن كان العمل العسكري الأميركي مستبعداً في المدى المنظور.
ويلفت فضل الله إلى أن "الخطّة الأميركية" كانت، خاصّة انطلاقاً من موضوع السلاح النووي، تتجه إلى محاصرة ايران دولياً على طريقة محاصرة النظام العراقي السابق، إذ بدأت تخطط مع الاتحاد الأوروبي لعرض الموضوع على مجلس الأمن الدولي.
الواقعية والمناخ الجديد
هنا شعرت إيران بجدية الضغوط، كما يقول السيّد الذي يضيف أن الجمهورية الاسلامية شعرت أيضاً بأنه يمكن لهذه الضغوط ان تعقّد علاقاتها بسائر الدول. لذلك، عملت إيران على مواجهة الضغوط التي كانت تركز على الطلب منها التوقيع على البروتوكول الذي يعطي وكالة الطاقة حرية تفتيش المنشآت الإيرانية من دون انذار مسبق، فأبدت طهران استجابتها ومرونتها. ومما سهل هذه المرونة برأي فضل الله انّ إيران كانت أعلنت على لسان أعلى جهة فيها انها لا تنتج السلاح النووي، مما جعل الجمهورية الاسلامية لا تبدو وكأنها تقدم تنازلاً ودخلت في مفاوضات استطاعت من خلالها أن تثبت انها لا تسقط تحت الضغط، وأكدت عندما خضعت للتوقيع انها لم تخضع لأميركا بل لمعاهدة مع الاتحاد الأوروبي. ويوضح السيد فضل الله هنا أن ليس في العالم السياسي "مطلق" في الحفاظ على الشعارات التي ربمّا انطلقت في ظروف معينة.
ويشير السيّد إلى "نظرة" لدى محللين سياسيين تعتبر أن إيران قدمت تنازلات سواء في أفغانستان أو في العراق. لكنه يبدي اعتقاده أن ما قامت به إيران في أفغانستان والعراق كان خاضعاً لحسابات إيرانية تتصل بعلاقاتها بالمنطقة، وإن كان ما قامت به يلتقي مع بعض الخطوط الأميركية التي استفادت من المواقف الإيرانية. ثم حصل الزلزال الذي فتح العلاقات بين طهران وواشنطن علي الصعيد الانساني فأعلنت إيران انها لا تمانع في المساعدات الانسانية.
على أنّ المرجع الاسلامي يرى ان بعض الاشارات والإيحاءات واللقاءات والتصريحات تختزن فرصة جديدة للحوار بين الجانبين الإيراني والأميركي، لكن الأمر ليس مبسطاً بعد عقدين ونصف العقد من الصراع. لذلك يعتقد فضل الله أن الأمور وصلت الى مرحلة الدخول في مناخ جديد، وانّ الباب قد فتح ولن يغلقه أحد. ويضيف انّ "إيران الأمن القومي ـ وإيران القيادة بلغت سنّ الرشد في المسألة السياسية التي تجعل أنّ بين الواقعية البراغماتية والمبادئ خطاً دقيقاً جداً لا يلتقي مع المشاعر التي دخلت في الشعارات الاسلاميّة الإيرانيّة ومطلقاتها" ويشدّد على ان السياسة الإيرانية تدرك أن لا مطلق في العالم "لكنها تبحث عن ضوابط".
بين دمشق وطهران
اختلاف في الظروف
ويتناول فضل الله العلاقة الإيرانية ـ السورية في ضوء ما تقدم على الصعيد الإيراني ـ الأميركي، فيقول في هذا المجال ان العلاقة الإيرانية بدمشق كانت تحكمها الاستراتيجية في مواجهة التحديات المشتركة لا سيما التحدي الإسرائيلي. لكنه يوضح أن كل دولة من الدولتين تعرف أن للأخرى ظروفاً مختلفة، ولذلك كان ثمة دائماً نوع من التواصل والاختلاف في إطار احترام كل دولة للأخرى في ظروفها الخاصة. ويلفت إلى أنّ الاختلاف الذي حصل في المسألة العراقية ليس حاداً على المستوى الاستراتيجي طالما أن الدولتين تلتقيان على رفض الاحتلال، وإن كانتا تختلفان على المواجهة. ويقول انّ الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الإيراني كمال خرازي ردمت بعض ما يراد له أن يعطي فكرة أنّ ثمّة هوة بين العاصمتين، وذلك من منطلق ان لا خيار لهما الا انّ تبقيا على تواصل استراتيجي.
صراع التيارين المحافظ والاصلاحي
ومن ذلك، ينتقل السيّد إلى مقاربة الوضع الإيراني الداخلي، فيؤكد انّ التنوّع والصراع على المستوى السياسي، بين محافظين واصلاحيين ليسا أمراً جديداً، لكنه يلفُت الى تنوّع كبير بين موقع وآخر في إطار التيّار الاصلاحي حول المستقبل الإيراني، مما يخشاه المحافظون تحت عنوان أنّ بعض التفكير حول مستقبل إيران ضمن الاصلاحيين قد يكون ثورةً على إسلاميّة الجمهورية أو تنازلاً عن ثوابت في القضايا الكبرى.. وممّا "يخيف" المحافظين أيضاً انّ أميركا تتحدث من حين إلى آخر عن تغيير النظام لمصلحة الاصلاحيين، الأمر الذي يجلب في المقابل أضراراً على الاصلاحيين حيث يبدون وكأنهم يتحركون مع أميركا.
على أن فضل الله يسارع إلى القول ان الصراع بين التيارين لن يؤدي في المستقبل المنظور إلى اهتزاز نظام الجمهورية الاسلامية لانّ ثمّة ضوابط على المستوى القيادي وعلى المستويين الأمني والعسكري تمنع الاهتزاز أمام الضغوط الأميركية، وإن كان ثمّة اهتزازات سياسيّة أو ثقافيّة في عدد من الأحيان.
لذلك، يعتبر السيّد أن مجلس صيانة الدستور، في طهران وقع في خطأ كبير لجهة رفض أعداد كبيرة من الترشيحات الاصلاحية، ذلك انه لو ترك الاصلاحيون يدخلون اللعبة الانتخابية، لما كانت النتائج ستأتي في مصلحتهم لأنهم قدموا وعوداً كبيرة ولم يتمكنوا من تحقيقها. وفي تقديره انّ هذه "المجزرة السياسية" تفيد الاصلاحيين اذ تضعهم في مستوى المظلومية لا سيما لدى جيل الشباب الذي يقف ضد المحافظين وإن كان أقرب الى الخيبة من الاصلاحيين. وفي رأيه أن المسألة تتوقف على كيفية ادارة قائد الجمهورية الاسلامية السيّد الخامنئي للموضوع بما يحفظ للبلد توازنه ولا يجعله يقترب من الهوة.
ويختم السيّد فضل الله بملاحظة ان التفاهم بين التيارين ليس مفتوحاً على حوار يصل إلى نتائج، ذلك أن ثمة مشكلات في النظام القضائي، وفي مسألة الحريات حيث ثمة نقاش حول ما اذا كانت الحريات تسيء إلى النظام الاسلامي والاسلام اذا أفسح في المجال أمام من يختلفون معه، أو انّ اضطهاد الحرية يجعل المضطهد شهيداً. ومن هنا يعرب عن اعتقاده أن "الرياح التي تهب على إيران من المنطقة والعالم حول حقوق الانسان والحريات واستقلال القضاء، إضافة إلى المسألة الاقتصادية، تشكّل أساساً للاهتزاز في إيران الذي لا نعرف كيف سيتمّ تداركه على مستوى تيارات النظام تأميناً لاستقراره".

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00