بطلب من الرئيس الأميركي المنتهية ولايته باراك أوباما، أصدرت أجهزة الاستخبارات الأميركية أول من أمس تقريراً رسمياً عن نتائج التحقيقات في عمليات القرصنة الإلكترونية التي أدارتها روسيا واستهدفت الحزب الديموقراطي الأميركي خلال معركة الانتخابات الرئاسية. والجديد في هذا التقرير أنه أول تقرير رسمي يحدد دوافع تلك الهجمات.
وخلص التقرير الى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمر بشن حملة تهدف الى التأثير على مسار الانتخابات الرئاسية الأميركية بشكل يضر المرشحة الديموقراطية هيلاري كلينتون ويعزز حظوظ المرشح الجمهوري دونالد ترامب. وحتى لحظة صدور هذا التقرير كان الرئيس المنتخب دونالد ترامب يرفض تماماً الاتهامات الموجهة من قبل الاستخبارات والحزب الديموقراطي لموسكو بالوقوف وراء الهجمات الإلكترونية، أما بعدما اجتمع به قادة أجهزة الاستخبارات مساء أول من أمس وأطلعوه على فحوى التقرير بالتفاصيل، فقال لقد عقدنا اجتماعاً بناء، لكنه لم يعلن موافقته على كل ما يحتويه التقرير، واستعاض عن ذلك بالتشديد على أن القرصنة الإلكترونية التي حصلت لم تؤثر إطلاقاً على سير العملية الديموقراطية ونتيجتها. ولم يتمكن أحد من جدال ترامب في هذا الأمر بالذات، لأن أجهزة التحقيق الاستخباراتية التي أعدت التقرير طُلب اليها تحديد دوافع روسيا لشن الهجمات الإلكترونية، لكنها لم تكن مخولة تحديد مدى تأثير تلك القرصنة على نتيجة سباق البيت الأبيض. والفارق الوحيد الذي تغير في موقف ترامب بين ما قبل التقرير الرسمي وبعده، هو أنه كان سابقاً ينفي دور روسيا في الهجمات أما بعد التقرير فقال قد تكون روسيا وراء الهجمات أو أطراف أخرى، وضرب الصين مثالاً كمصدر لهجمات إلكترونية عدة استهدفت المصالح الأميركية في السنوات القليلة الماضية.
ثم ما لبث أن انهال أمس بسلسلة من التغريدات التي تشيد بروسيا قائلاً إن الأميركيين الذين يعارضون علاقات صداقة مميزة مع روسيا هم مجانين ومساطيل، إن التقارب بين واشنطن وموسكو أمر ليس سيئاً، بل على العكس سيتمكن البلدان معاً من التصدي لبعض الأزمات العالمية الضاغطة. أضاف أن روسيا ستحترم الولايات المتحدة بشكل أكبر عندما أكون أنا الرئيس. وأضاف في تغريدة أخرى ان الحزب الديمقراطي الأميركي هو وحده المسؤول عن عدم تأمين حماية كافية لمنظومة بريده الإلكتروني.
وأمام إصرار ترامب على رفض الجزم بدور روسيا في تلك الهجمات، اضطرت أجهزة الاستخبارات الأميركية الى نشر التقرير علناً، وحذرت فيه من أن عمليات القرصنة التي تُشرف عليها موسكو ستستمر بغية التأثير على الانتخابات المستقبلية، وسيقوم القراصنة الروس باستخلاص الدروس من الحملة التي أمر بها بوتين ضد الانتخابات الأميركية لكي يستهدفوا بصورة مماثلة الانتخابات التي ستجرى في دول حليفة للولايات المتحدة. وكانت الوكالات الاستخباراتية الأميركية الـ17 أصدرت تقارير سابقة اتهمت فيها روسيا بشن هجمات قرصنة إلكترونية ممنهجة ضد الحزب الديمقراطي الأميركي، لكنها المرة الأولى التي تصدر فيها تقريراً رسمياً يحدد بالضبط الدوافع من وراء الهجمات، وما الذي تبغيه روسيا من شنها.
واطلعت المستقبل على نص التقرير الاستخباراتي الأميركي الذي يمكن اختصار أبرز ما ورد فيه في 6 خلاصات رئيسية هي التالية: أولاً، أمر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بشن حملة للتأثير على الانتخابات الرئاسية الأميركية، وهذه الحملة ترتكز على الهجمات الإلكترونية وعلى بروباغندا تشيد بترامب وتسيء لكلينتون. ثانياً، الهدف من هذه الحملة تشويه سمعة مرشحة الحزب الديمقراطي الأميركي هيلاري كلينتون وتعزيز حظوظ المرشح الجمهوري دونالد ترامب في الفوز. ثالثاً، تُعتبر هذه الحملة أجرأ حملة شنتها روسيا في تاريخها طمعاً في التأثير على الحياة السياسية في واشنطن ومسار العملية الديموقراطية في الانتخابات الرئاسية الأميركية. وهذا يعني أن الإدارة الروسية بلغت درجة غير مسبوقة من التحدي المباشر والوقح في سياق التدخل والعبث بالشؤون الداخلية الأميركية. رابعاً، وزعت أجهزة الاستخبارات العسكرية الروسية ما قرصنته من مضامين رسائل البريد الالكتروني الخاصة بالحزب الديمقراطي الأميركي على مواقع القرصنة الالكترونية العالمية مثل ويكليكس ودي سي ليكس والقرصان المشهور بالاسم الالكتروني - غوسيفر 2.0، كي تنشرها تلك المواقع وتحدث فضيحة للحملة الديمقراطية الرئاسية. خامساً، جندت روسيا العديد من المستخدمين الإلكترونيين الذين كانت مهماتهم الترويج لحملة ترامب ومبادئه وأفكاره على مواقع وسائل التواصل الاجتماعي وعلى مساحات التعليقات الخاصة بالمواقع الإلكترونية لأهم وسائل الإعلام العالمية. فكان هؤلاء يسخرون عمداً من أي مستخدم مؤيد لكلينتون ويروجون بشكل يومي لسياسات بوتين وترامب الى حد أغرق الانترنت لدرجة أن أي متصفح عادي للمواقع الإلكترونية كان يخيل اليه أن الآلاف من الناس حول العالم أصبحوا بين ليلة وضحاها يؤيديون أفكار ترامب وسياساته. سادساً، استخدم الكرملين شاشات شبكة روسيا اليوم الإخبارية بشكل مباشر من أجل الترويج لترامب ونشر بروباغندا مؤيدة له. كما عملت روسيا اليوم بالتعاون مع ويكيليكس من أجل تشويه صدقية المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون وإلحاق الضرر بحظوظها في الفوز.
ولم تصدر موسكو حيال التقرير الأميركي اي رد فعل رسمي مباشر من إدارة بوتين التي أصرت طوال الوقت على نفي أي علاقة لها بعمليات القرصنة التي استهدفت البريد الإلكتروني للحزب الديمقراطي ومرشحته هيلاري كلينتون. وهو ما حاول تأكيده أيضاً مؤسس موقع ويكيليكس الاسترالي جوليان آسانج عندما نفى وجود أي علاقة لمصادره بموسكو أو الإدارة الروسية.
ولكن الروس لم يلتزموا جميعاً الصمت. فقد قال السيناتور الروسي اليكسي بوشكوف (الذي كان يرأس لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان الروسي) في سلسلة تغريدات على تويتر أمس إن المسار الديموقراطي في الولايات المتحدة لم يُقوّض من قبل روسيا، بل من قبل إدارة الرئيس باراك أوباما ووسائل الإعلام الأميركية التي دعمت المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون في حملتها الرئاسية ضد ترامب. وبالتالي فإن التهديد للديموقراطية هو الولايات المتحدة. أضاف في تغريدة ثانية ان وزارة الدفاع الأميركية اتهمت بوتين بالإساءة الى العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة، بينما في الحقيقة أوباما هو الذي سعى الى عزل روسيا دولياً. والآن هم يلومون بوتين. ما هذا الهراء. وتابع بوشكوف في تغريدة ثالثة ان إصرار الاستخبارات الأميركية على اتهام روسيا بالوقوف وراء الهجمات الإلكترونية، يشبه الى حد بعيد الاتهامات التي ساقتها تلك الاستخبارات نفسها ضد الرئيس العراقي السابق صدام حسين بأنه يمتلك أسلحة دمار شامل. ثم ختم السيناتور الروسي المخضرم سلسلة تغريداته بالسخرية من أوباما والديمقراطيين قائلاً أوباما يائس لأن الجمهوريين الأميركيين يثقون بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكثر مما يثقون بالديمقراطيين الأميركيين. وهذا فعلاً ما يستحقه الديمقراطيون الأميركيون، وهذه هي نتيجة رئاسة أوباما.
وافادت مصادر استخباراتية أميركية صحيفة نيويورك تايمز أمس أن أجهزة الاستخبارات البريطانية هي أول من كشف القرصنة الروسية التي تستهدف الأحزاب الأميركية منذ عام 2015 وحذرت الاستخبارات الأميركية منها. وحاول فريق ترامب امتصاص الفورة التي أحدثها التقرير في الشارع السياسي الأميركي، فتعهد نائب الرئيس الأميركي المنتخب مايك بنس بأن الرئيس ترامب سيضع في أولويات حكمه التصدي للهجمات الإلكترونية وعمليات القرصنة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.