انتهت المواجهة المباشرة الثانية بين هيلاري كلينتون ودونالد ترامب أمام الرأي العام الأميركي كما لو أنها لم تحدث، أي أن أحداً من المرشحين لم يخرج منها بفوز صريح على منافسه. رغم ذلك أوضح استطلاعان للرأي أجريا خلال المناظرة (سي ان ان/ او آر سي) وبعدها (يوغوف) أن كلينتون خرجت فائزة، ولكن الرقم تقلص الى حد كبير بين نتيجة الاستطلاعين، فبينما أعطى الأول تقدماً بفارق 23 نقطة مئوية لكلينتون على ترامب، قلص الثاني الفارق الى 5 نقاط مئوية فقط، بينما اعتبر العديد من المراقبين وخبراء الانتخابات أن نتيجة المناظرة، بحسب ما دار فيها، كانت التعادل السلبي. وبالتالي يستمر تقدم المرشحة الديموقراطية على المرشح الجمهوري وفق النقاط التي سجلتها ضده في المناظرة الأولى، وهذا ما سيحول المناظرة الثالثة والأخيرة في 19 تشرين الأول الجاري الى فرصة أخيرة لترامب كي يعوض تأخره، والى فرصة ذهبية لكلينتون كي توجه الضربة القاضية لخصمها.
في السياسة الخارجية، كاد المرشحان أن ينعيا حلب في كلامهما. فردا على سؤال حول المجازر التي يرتكبها الأسد بمساعدة الروس والإيرانيين في حلب، وماذا يفعل كل مرشح في حال أصبح الرئيس المقبل من أجل إيقاف هذه المذابح، شددت كلينتون على أنها ستتخذ نهجاً أشد من إدارة أوباما وستعمل على فرض منطقة حظر جوي ومناطق آمنة وستواصل دعم الثوار السوريين المعتدلين، وقالت حرفياً إن الوضع في سوريا كارثي، وكل يوم يمر نرى النتائج الميدانية لتحالف الأسد مع الروس والإيرانيين. قوات الأسد والإيرانيين ميدانياً والروس عبر الجو يقومون جميعاً بقصف معاقل المعارضة السورية في مناطق عدة وبخاصة في حلب، التي فر منها مئات الآلاف من أهلها ولا يزال فيها مؤخراً نحو 250 ألف شخص. نرى الروس يحاولون قتل جميع الموجودين حتى آخر شخص معارض لبشار الأسد. إن روسيا لا تلتفت في عملياتها العسكرية إطلاقاً الى داعش. جل ما يهم الروس هو إبقاء الأسد في السلطة. أضافت أنا عندما كنت وزيرة للخارجية دعمت واليوم أدعم فرض منطقة حظر جوي ومناطق آمنة. علينا أن نتعاون أكثر مع حلفائنا الميدانيين وأن نكون أكثر حزماً ميدانياً مع الروس لأنهم بدون قوة تأثير لن يجلسوا الى طاولة الحوار. وتابعت ما يهمني الإضاءة عليه هنا هو الطموحات المتزايدة لروسيا وعدوانيتها المتصاعدة. فالكرملين قرر وضع كل ثقله في سوريا لحماية الأسد، ليس هذا فحسب بل الروس يحاولون أيضاً فرض أهوائهم على العملية الديموقراطية هنا ولا يخفون هوية الشخص الذي يودون رؤيته رئيساً للولايات المتحدة وهو طبعاً ليس أنا. لقد وقفت مراراً في وجه الروس عندما كنت وزيرة للخارجية وتعاملت مع فلاديمير بوتين وسواه. وتعاونت مع روسيا عندما كانت الظروف تسمح بذلك وبواسطة المفاوضات أبرمنا اتفاقاً مع موسكو لتقليص الترسانة النووية، وأيضاً بواسطة المفاوضات أوقفنا البرنامج النووي العسكري الإيراني من دون إطلاق رصاصة. وأكدت المرشحة الديموقراطية أنها ستدعم إجراء تحقيقات في جرائم الحرب المرتكبة في سوريا من أجل محاسبة السوريين والروس على ما يقترفوه، لكنها أشارت الى أنها لن ترسل جنوداً أميركيين الى الميدان في سوريا وستعتمد فقط على القوات الخاصة كما هي الحال الآن تحت إدارة أوباما.
في المقابل، انتقد ترامب بشدة الاتفاق النووي المبرم مع إيران والذي بحسب قوله سيسمح للأخيرة بالحصول نقداً على 150 مليار دولار أميركي. وقال إن هذا الاتفاق حول إيران الى دولة قوية وغنية في وقت سريع جداً. وأشار الى أن الأسلوب الفاشل التي تنتهجه إدارة أوباما منذ بداية الأزمة السورية ومسخرة الخط الأحمر المرسوم في الرمال أدى الى تشكل هذا التحالف بين سوريا والأسد وإيران ضد داعش. إنهم يقاتلون داعش ونحن نقاتل داعش. إذاً، أنا أرفض سياسة أوباما وأرفض الطريقة التي تقول كلينتون إنها ستتعامل بها مع الأزمة. وقال أنا لا يعجبني بشار الأسد لكني أشكك في هوية الثوار المعتدلين المناهضين له ونياتهم. وبدا جوابه بعيداً كل البعد عن السؤال المباشر الخاص بالوضع في حلب ما اضطر مديرة الحوار مارثا راداتز الى إعادة السؤال وتذكيره بما قاله المرشح معه على بطاقة نائب الرئيس مايك بنس الذي قال في المناظرة الخاصة بمنصب نائب الرئيس التي جرت قبل أسبوع إن واشنطن يجب أن تكون مستعدة لاستهداف قوات الأسد عسكرياً في حال استمرت روسيا بدعمها له. فرد ترامب لم أتحدث الى بنس في هذا الصدد. وأنا لا أوافقه الرأي. أنا أرى أنه يجب أولاً التخلص من داعش. فسئل عن مصير حلب فقال لا أعتقد أن حلب تسقط، أظن أنها سقطت بالفعل.
وتبادل المرشحان الكلمات النارية حول النساء واحترامهن، وذلك على خلفية التسجيل الذي سرب لترامب وهو يتحدث عن النساء بطريقة مقززة ما أدى الى نأي المزيد من كوادر الحزب الجمهوري بأنفسهم عن دعمه ودعم حملته، فرد ترامب بتوجيه الاتهامات الى الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون بأنه كان يغتصب النساء وأن زوجته كانت أيضاً تحقرهن. فاختصرت كلينتون ردها على الاتهامات، التي عدد فيها ترامب أسماء بعض النساء اللواتي أتى ترامب بإحداهن الى قاعة المناظرة، بالقول مثلما قالت السيدة الأولى ميشيل اوباما لا يسعني سوى أن أقول عندما ينزلون الى هذا المستوى الهابط، نحن نرتقي الى الأعلى.
وشهدت المناظرة التي أدارها في قاعة بجامعة واشنطن في مدينة سانت لويس (ميسوري) إعلامي سي ان ان اندرسون كوبر وإعلامية آي بي سي مارثا راداتز أسئلة من الجمهور الموجود في القاعة وأسئلة مرسلة عبر الانترنت تمحورت في معظمها حول المواضيع الأميركية الداخلية مثل مستقبل برنامج أوباما للرعاية الصحية والتمييز ضد الجالية الإسلامية. فأكد ترامب أنه سيلغي برنامج أوباما ويضع خططاً جديدة، بينما خفض موقفه من المسلمين من منع الدخول الى البلاد الى التدقيق الشديد في جمع المعلومات عنهم قبل السماح لهم بدخول الولايات المتحدة.
ووفق استطلاع رأي سريع أجرته شبكة سي ان ان و مركز او آر سي اعتبر 57 في المئة من المستطلعة آراءهم أن كلينتون فازت في المناظرة مقابل 34 في المئة اعتبروا ترامب فائزاً. بينما أظهر استطلاع لمركز يوغوف أرقاماً متقاربة مع أفضلية لكلينتون 47 في المئة مقابل 42 في المئة. وأظهرت استطلاعات أخرى أن لا فائز، أو بمعنى آخر لم تغير المناظرة شيئاً في مواقف الناخبين من المرشحين. واعتبرت شبكة فوكس نيوز أن من السابق لأوانه معرفة كيفية استقبال الجمهور لما سمعه من المرشحين، لذا من الأفضل إجراء استطلاعات رأي حول المناظرة بعد بضعة أيام فيكون من لم يشاهدها قد شاهدها وقرأ التعليقات الإعلامية بشأنها.
وبهذه النتيجة يستمر التفوق الصريح الذي أحرزته كلينتون على ترامب في المناظرة الأولى، ويتجه المرشحان الى مواجهة أخيرة ربما حاسمة تستضيفها جامعة نيفادا في مدينة لاس فيغاس بولاية نيفادا في 19 تشرين الأول الجاري.
8 آذار 2019 00:00
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.