8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

نجح دونالد ترامب عبر خطاب قبول ترشيحه رسمياً للرئاسة الأميركية من قبل الحزب الجمهوري، في تلميع صورته قليلاً ومحو بعض الشكوك حول أهليته لشغل منصب رئيس الولايات المتحدة. فقد حرص الملياردير الغريب الأطوار هذه المرة على الظهور بمظهر العقلاني الساعي الى تمثيل الطبقة المهمشة من الأميركيين، وإلى خطب ود مكونات الشعب الأميركي التي كان استفزها في خطاباته السابقة، من الجنس الناعم الى المثليين جنسياً مروراً بضحايا العنف العرقي. كما ضمن خطابه أيضاً شقاً للشؤون الخارجية طمأن به بعض حلفاء واشنطن وأقلق بعضهم الآخر، عندما وجه انتقادات لسياسة الرئيس الحالي باراك أوباما الخارجية التي برأيه أفقدت واشنطن هيبتها الخارجية، سواء في ما يتعلق باليد الممدودة لإيران أو الخط الأحمر الذي رسمه لبشار الأسد ولم يحترمه.
ويمكن اختصار ليلة ترامب في ختام المؤتمر العام للحزب الجمهوري في كليفلاند بولاية أوهايو بأنها جسدت رغبة المرشح في إيصال رسالة من بضع كلمات الى الناخبين الأميركيين هي أميركا أولاً وأنا صوتكم. أما في التفاصيل، وكما درجت التقاليد والعادات في المؤتمرات الحزبية الأميركية، فقد أطلقت عشرات الآلاف من البالونات البيضاء والحمراء والزرقاء (ألوان العلم الأميركي) في الصالة الرياضية الكبيرة كويكن لونز ارينا. ومهدت ايفانكا ترامب (34 عاماً) بابتسامتها الجذابة لظهور والدها على المسرح متحدثة عن سخائه وحنانه وأكدت أنه مهتم بالمساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة ويحترم بشدة مكانة المرأة الاجتماعية سواء في الأسرة أو في مكان العمل. وجاءت كلماتها راقية ومحترمة غير قابلة للنقد من أي أميركي ليبرالي مؤيد للحزب الديموقراطي المنافس. وعندما اعتلى دونالد ترامب المنصة ارتفع التصفيق الحاد من الحضور. فوعد المرشح الجمهوري الأميركيين بالنظام والأمن إذا أصبح رئيساً للبلاد، وأمطر منافسته المرشحة الرئاسية الديموقراطية هيلاري كلينتون والرئيس الحالي باراك أوباما بوابل من الانتقادات اللاذعة، مصوراً الولايات المتحدة وكأنها بلد يعيش أوضاعاً مأسوية على مدار الساعة بسبب سياسات أوباما ووزيرة خارجيته السابقة. فبشأن الأمن الداخلي قال ترامب يعقد مؤتمرنا في فترة أزمة لأمتنا. الهجمات على أفراد شرطتنا والإرهاب في مدننا تهدد أسلوب حياتنا. أي سياسي لا يعي هذا الخطر ليس مؤهلاً لقيادة البلد. إن الإجرام والعنف اللذين تعاني منهما بلادنا اليوم سينتهيان قريباً. اعتباراً من 20 كانون الثاني 2017 (موعد تولي الرئيس الأميركي المقبل مهامه) سيعود الأمن الى البلاد. وشدد على أن الواجب الأساسي لإدارة البلاد هو الدفاع عن حياة مواطنيها. وكل حكومة تخفق في ذلك هي حكومة غير جديرة بالقيادة. لدي رسالة الى كل الذين يخلون بالنظام العام في شوارعنا ويهددون رجال أمننا: عندما أقسم اليمين العام المقبل، سأعيد النظام العام الى بلدنا.
وشن هجوما كلامياً على الإدارة الحالية وسياستها الخارجية التي برأيه ألحقت العار بالولايات المتحدة وهيبتها فذكر بحادثة اعتقال السلطات الإيرانية عناصر من البحرية الأميركية وإركاعهم وتصويرهم بشكل مخزٍ. ووصف الاتفاق النووي مع إيران بأن التاريخ سيذكره كأسوأ اتفاق تم إبرامه، مشيراً الى أن إيران تواصل السعي الى امتلاك السلاح النووي وكل ما فعل الاتفاق هو أنه أفرج عن 150 مليار دولار أميركي للإيرانيين ولم يعطنا نحن شيئاً. أضاف أما العار الثاني فكان عندما رسم أوباما خطه الأحمر الشهير في سوريا والآن العالم كله يعلم أن كلام الرئيس الأميركي لا يساوي شيئاً.
ثم انتقل الى شن غارة كلامية على منافسته كلينتون، قائلاً إن إرث هيلاري كلينتون هو أميركا أقل أماناً وعالم أكثر اضطراباً منذ أن اتخذ أوباما قرار تكليف كلينتون السياسة الخارجية لأميركا بعد 15 عاماً من الحروب في الشرق الأوسط وتريليونات الدولارات التي أنفقت وآلاف القتلى. اليوم الوضع أسوأ مما كان عليه في أي يوم مضى. إنه إرث هيلاري كلينتون: موت ودمار وضعف. إنها نتائج سياسة بناء الأوطان وتغيير الأنظمة التي دعمتها كلينتون دائماً في العراق ومصر وليبيا وسوريا. لكن حصيلة أداء هيلاري كلينتون يجب ألا تكون حصيلة أداء أميركا. المشاكل التي نواجهها من فقر وعنف على أراضينا وحرب ودمار في الخارج ستستمر طالما واصلنا الاعتماد على المسؤولين السياسيين أنفسهم الذين سببوها. أضاف أن التغيير في القيادة ضروري.
وبشأن المهمشين في المجتمع الأميركي، قال ترامب أنا صوتكم. كل يوم أنهض مصمماً على تحسين حياة أهل هذا البلد الذين أُهملوا وتم تجاهلهم والتخلي عنهم. زرت عمال المصانع الذين تم تسريحهم والمجموعات التي سُحقت بسبب عقودنا التجارية الجائرة. هؤلاء هم المنسيون من رجال ونساء في بلدنا. الناس الذين عملوا بجد لكن لم يعد لهم صوت. أنا صوتكم. أضاف ترامب أن رسالتي هي أن الأمور يجب أن تتغير ويجب أن تتغير الآن. أنا معكم، أيها الشعب الأميركي. الى كل الآباء الذي يحلمون من أجل ابنائهم، الى كل الأطفال الذي يحلمون بالمستقبل، أقول مساء اليوم: إنني معكم وسأكافح من أجلكم وسأفوز من أجلكم.
ثم انتقد نهج أوباما الداخلي، قائلاً أوباما مسؤول فبسبب خطابه اللامسؤول الذي استخدمه من منبر الرئاسة لتقسيمنا على أساس العرق واللون، جعل من الولايات المتحدة أكثر خطراً للجميع. وعاد الى السياسة الخارجية قائلاً أميركا أولاً. لكن طالما بقي سياسيون لا يجعلون أميركا أولويتهم، يمكننا أن نكون أكيدين أن الدول الأخرى لن تعامل أميركا باحترام. كل هذا سيتغير عندما أتولى مهامي. أهم فارق بين خطتنا وخطة خصومنا هو أن خطتنا ستضع أميركا في المقام الأول. عقيدتنا ستكون التفاني من أجل أميركا وليس من أجل العالم. الشعب الأميركي سيصبح مجدداً الأولوية الأولى.
وعن شجون الهجرة، قالعلينا أن نعلق فوراً الهجرة القادمة من البلاد التي يطالها الإرهاب، إلى أن يتم وضع آليات للمراقبة. سنبني جداراً كبيراً على الحدود (مع المكسيك) لوقف تسلل الهجرة غير الشرعية والعصابات وأعمال العنف الى مجتمعات ولاياتنا.
وفي الشأن الاقتصادي العام، قال ترامب سنعيد التفاوض بشأن اتفاقات التبادل الحر السيئة مع الصين وآخرين بما في ذلك اتفاق التبادل الحر لأميركا الشمالية (نافتا) الذي يجمع الولايات المتحدة وكندا والمكسيك ووقعه بيل كلينتون في 1993. أضاف سنكافح كل المخالفات التجارية خصوصاً عبر فرض رسوم جمركية على الدول التي تمارس الغش. هذا يشمل وقف السرقة الفاضحة للملكية الفكرية التي تقوم بها دول كالصين وكذلك الإغراق التجاري غير المشروع. وفي شأن الدفاع ومستقبل العلاقة مع حلف شمال الاألسي (ناتو) قدم ترامب كلمات أكثر اتزاناً هذه المرة بعدما كانت تصريحاته السابقة أثارت الدول الأعضاء في الحلف فقال أخيراً، قلت إن الحلف الأطلسي قديم لأنه لا يتعامل مع الإرهاب بشكل جيد ولأن عدداً من الدول لا تدفع حصصها (من المساهمة في مصاريفه). كالعادة، تمول الولايات المتحدة كلفته. أما الآن فقد أعلن الحلف عن برنامج جديد لمكافحة الإرهاب. إنها خطوة في الاتجاه الصحيح.
ووعد ترامب بأن يفعل ما بوسعه لحماية المثليين والمتحولين جنسياً من أعمال العنف وبقمع عقيدة الكراهية تجاههم، في إشارة الى اعتداء اورلاندو الذي قتل فيه 49 شخصاً في ملهى للمثليين. وقطع خطابه للحظات بانتظار توقف التصفيق بعد هذه التصريحات. وتعهد ترامب بـإلحاق الهزيمة بالإرهاب وتحديداً بـتنظيم داعش. وختم ترامب خطابه الذي دام أكثر من ساعة وربع الساعة قائلاً أطلب دعمكم لأتمكن من أن أصبح بطلكم في البيت الأبيض.
وفي ردود الفعل الداخلية على الخطاب، قال الرئيس الأميركي باراك أوباما إن الرؤية القاتمة التي طرحها ترامب عن تعرض الولايات المتحدة لحصار لا تتماشى مع الواقع.
وقال أوباما في مؤتمر صحافي في البيت الأبيض بعد اجتماعه مع الرئيس المكسيكي إنريكي بينا نييتو فكرة أن أميركا على وشك الانهيار بطريقة أو بأخرى وهذه الرؤية عن عنف وفوضى في كل مكان، لا تنسجمان حقاً مع تجارب معظم الناس.
وأضاف الرئيس الأميركي أن معدل الجريمة العنيفة في الولايات المتحدة منذ توليه الرئاسة قبل سبعة أعوام ونصف العام انخفض عن أي وقت مضى خلال العقود الثلاثة أو الأربعة الماضية. وقال إن معدل الهجرة غير الشرعية منخفض عن العقود الماضية وأثنى على المكسيك لتعاونها في مواجهة فيض المهاجرين الفارين من أميركا الوسطى ومكافحة تهريب المخدرات.
ولكن في الطرف المقابل للديموقراطيين، أشادت داينا دينت (69 عاماً)، المندوبة البديلة عن ولاية واشنطن، بخطاب ترامب. وقالت أعتقد أن دونالد ترامب صادق جداً وأحب ذلك. بالإضافة الى ذلك، إنه يحب عائلته على ما يبدو وهذا يعجبني.
وكان الجمهوري سكوت ووكر الذي ترشح في الماضي الى الانتخابات التمهيدية للجمهوريين عبر عن تفاؤله خلال مؤتمر الحزب الجمهوري في لمّ شمل الجمهوريين. أما دانيال كارتر المندوب عن أوهايو فقد صرح أن الجميع يقولون لننتخب ترامب. لا نريد هيلاري كلينتون في البيت الأبيض أطلاقاً. ويأمل ترامب في تحسين موقعه في استطلاعات الرأي بعد هذا المؤتمر الذي لم يخلُ من المشاكل مثل فضيحة خطاب زوجته ميلانيا ترامب الذي تبين أنه مقتبس من خطاب لميشيل أوباما، ورفض خصمه السابق تيد كروز تقديم الدعم له.
اما في المعسكر الديموقراطي، فلم يسلم خطاب ترامب بالطبع من الانتقادات. وفي هذا السياق قال رئيس حملة كلينتون جون بوديستا مزيد من الخوف والانقسام والغضب والكراهية: كلامه يذكرنا مجدداً بأنه لا يملك المؤهلات ليصبح رئيساً.
وكتب برني ساندرز المرشح الذي هزم في الانتخابات التمهيدية للحزب الديموقراطي لكنه نجح في إثارة حماس ملايين الشباب الأميركيين، في تغريدة على حسابه على تويتر، أنا وحدي أقدر على إدارة المشكلة، معقباً بتساؤل هل يريد أن يكون رئيساً أو ديكتاتوراً؟.
أما هيلاري كلينتون التي سيعلنها الحزب الديموقراطي مرشحة رسمية عنه في مؤتمره العام الأسبوع المقبل في فيلادلفيا، فردت بهدوء في تغريدة على تويتر على انتقادات ترامب قائلة نحن أفضل من ذلك. وأعلنت كلينتون أمس من فلوريدا أن السيناتور الديموقراطي عن ولاية فيرجينيا تيم كين سيكون الاسم الثاني كنائب للرئيس على بطاقة الترشيح الديموقراطية. ويرى مراقبون أن كلينتون تحاول من خلال تسمية كين استقطاب المزيد من التأييد في أوساط الرجال البيض والفوز على ترامب بولاية فرجيينا التي قد تكون نتيجتها مؤثرة جداً في النتيجة النهائية للانتخابات الرئاسية التي تشهدها البلاد في الثامن من تشرين الثاني المقبل.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00