8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

هدنة أرمينية ـ أذرية في ناغورني قره باخ حتى إشكال آخر

بعد معارك دامت 4 ايام مطلع نيسان الجاري، اعلنت وزارة دفاع اذربيجان وحكومة الانفصاليين الارمن في ناغورني قره باخ التوصل الى هدنة وقف فوري لاطلاق النار. ولكن بحسب المراقبين، فإن هذا النوع من الهدنات لا يستمر طويلا قبل ان ينتهكه احد الطرفين ليشعل القتال مجددا. وقد شهدت العاصمة النمسوية فيينا في 5 نيسان الجاري لقاء مهما لمجموعة مينسك التي يترأسها وسطاء من روسيا والولايات المتحدة وفرنسا في سبيل اعادة السلام مجددا الى الاقليم الذي تقطنه اغلبية ارمنية ويتبع بحسب منظمة الامم المتحدة والقانون الدولي دولة اذربيجان. اجتماع فيينا شدد على ان لا حل عسكريا للنزاع، وفي سبيل ايجاد حل سلمي بدأ رؤساء مجموعة مينسك لقاءات عدة تشاورية في عواصم اقليمية من اجل صياغة حل سلمي مع المسؤلين الاذريين والارمن
في حصيلة الخسائر البشرية للمعارك الاخيرة، اعلنت السلطات الاذرية ان 31 جنديا من الجيش الاذري لقوا حتفهم في المعارك التي تجددت مع الانفصاليين الارمن في 2 نيسان الجاري، فيما اعلن الناطق بإسم الجيش الارميني الانفصالي ان 46 من عناصره قضوا في الاشتباكات.
التاريخ والحاضر يثبتان ان الاشتباكات التي حصلت مؤخرا بين الطرفين ليست سوى حلقة ضمن مسلسل حربي سيستمر حتما في المستقبل، فالصراع على ناغورني قره باخ مثال متجدد لما قد يفعله التعصب الاثني والديني في عقول البشر وصورة حية على مدى العمى الذي يمكن ان يصيب القلوب عندما لا تعترف بهويتها الانسانية الجامعة انما فقط بهويتها اللغوية او العرقية او الدينية. فما جذور هذا الخلاف وما الذي يؤكد حتمية استمراريته؟
تاريخ الصراع
كلمة ناغورني اصلها روسي ناغورني ومعناها مرتفعات، اما قره باخ فهي مزيج من اللغتين الفارسية والتركية وتعني بالعربية الحديقة السوداء. هذا الاسم المكون من خليط اللغات المحيطة بالمنطقة لا يختلف كثيرا عن واقع الاقليم الذي عرف على مر العصور قوميات واثنيات مختلفة من البشر. لكن اكثر الشعوب استقرارا واستمرارا للعيش فيه على مدى القرون الوسطى كانوا من المسيحيين الارمن والاتراك الاذريين الذين انتموا الى عدد من الدول والامبراطوريات القديمة التي شهدتها المنطقة، الى ان اصبح الاقليم جزءا من الامبراطورية الروسية ابان القرن التاسع عشر.
واحتدم التعصب اثنيا ودينيا بين الطرفين في هذا الاقليم منذ بداية القرن العشرين مع تفكك الامبراطورية العثمانية عقب الحرب العالمية الاولى وولادة الاتحاد السوفياتي واندثار ما كان يعرف بالامبراطورية الروسية وقياصرتها. وعزز هذا التطرف والاختلاف قادة الثورة البولشفية الذين كانوا يتبعون سياسة فرق تسد لكي يسيطروا على المنطقة ما جعل النزاع يأخذ شكله الحالي بعدما اعلنت القيادة السوفياتية اقليم ناغورني قره باخ اقليما ذا استقلال ذاتي لأغلبيته الارمنية ضمن الجمهورية السوفياتية السابقة اذربيجان.
ثم تطور الصراع بشكل ملحوظ مع بداية تفكك الاتحاد السوفياتي اواخر ثمانينيات القرن العشرين، واندلع بشكل علني عندما صوت برلمان الاقليم لصالح الانفصال عن اذربيجان والانضمام الى ارمينيا. وبعد سنوات من المعارك بين الطرفين، حصدت خلالها ارواح حوالي 30 الف شخص، سيطر الاثنيون الارمن على الاقليم وعلى الاراضي الاذرية التي تفصل بين قره باخ وارمينيا. وعندما انفرط عقد الاتحاد السوفياتي عام 1991 اعلنت قره باخ نفسها دولة مستقلة، ولم تعترف اي دولة بكيان قره باخ دولة مستقلة بما في ذلك ارمينيا نفسها رغم انها كانت الممول الاول والمزود الاول لانفصاليي الاقليم بالاسلحة.
وبعد وساطة قادتها دولة روسيا الجديدة توقف القتال بين الطرفين عام 1994 باستمرار سيطرة الارمن على الاقليم والاراض التي تفصله عن الحدود الارمينية. وفر الاذريون الذين كانوا يشكلون نحو 25 في المئة من اهالي قره باخ الى مناطق اذرية اخرى، بينما استقطب الاقليم الاقليات الارمنية التي هربت بدورها من اقاليم اخرى من اذربيجان خشية الانتقام منها. ومنذ ذلك الحين يعيش الاقليم في عزلة دولية تامة، لأن الامم المتحدة لا تعترف به كيانا مستقلا، الا ان شعبه الارمني يعتبره كذلك ويعتبر نفسه شعب جمهورية مستقلة هي جمهورية الارتساخ التي لها رايتها الخاصة وشرطتها وجيشها الذي ينضم اليه غالبا عناصر من الجيش الارميني. الاقليم ايضا له مطاره الدولي الخاص لكن لا طائرات تتوجه اليه لأن الجيش الاذري هدد بإسقاط اي طائرة تتجه الى هناك. وتجدر الاشارة الى ان اهالي قره باخ يحملون جوازات سفر ارمينية.
وعلى الرغم من ان هدنة انهاء الحرب استمرت طوال الـ22 عاما الماضية الا انه تخللها من وقت لآخر خروقات واشتباكات. وكان للصراع على مدى العقود الثلاثة الماضية تداعيات شديدة السلبية على اقتصاد ارمينيا بعدما عاقبها الاتراك والاذريون على دعمها انفصاليي قره باخ، بإغلاق حدود تركيا واذربيجان معها بشكل تام. ولا يزال مسلسل النزاع مستمرا لأن اذربيجان بحسب القوانين الدولية تعتبر ناغورني قره باخ جزءا من اراضيها بينما يرفض اهالي الاقليم الارمن ان يكونوا جزءا من اذربيجان. هذا العناد والتشبث في المواقف اديا مجددا الى اشتعال المعارك بين الطرفين مطلع الشهر الجاري.
حلول مؤقتة
منذ بدء الحرب بين الطرفين عند تفكك الاتحاد السوفياتي، انطلقت مساع ديبلوماسية دولية املا في اخمادها وتعتبر هدنة انهاء الحرب عام 1994 افضل ما توصلت اليه الجهود الديبلوماسية في تاريخ هذا الصراع. ودانت منظمة التعاون الاسلامي التطهير العرقي الذي يتعرض له الاذريون في قره باخ. ودعمت تركيا على الدوام اذربيجان في صراعها ضد الانفصاليين الارمن، اما روسيا فحاولت لعب دور متوازن قدر الامكان بين الطرفين خاصة في السنوات القليلة الماضية مع بروز ايران ايضا على الساحة كقوة قادرة على اقناع الطرفين بالتهدئة نظرا لعلاقتها الجيدة مع ارمينيا وفي الوقت عينه علاقتها التاريخية بأذربيجان تستمد قوتها من ان اغلبية الشعب الاذري هم من المسلمين الشيعة.
وتتم ابرز الجهود الديبلوماسية برعاية ما يعرف بـمجموعة مينسك التي اسستها منظمة التعاون والامن الاوروبية عام 1992 بغية تشجيع الارمن والاذريين على الحوار وانهاء الخلاف بينهما. ويقود مجموعة مينسك 3 دول هي روسيا والولايات المتحدة الاميركية وفرنسا، اما عضويتها فتشمل كلا من ارمينيا واذربيجان وتركيا والمانيا وايطاليا والبرتغال وهولندا والسويد وفنلندا. ولعل ابرز فترة شهدت تقدما ديبلوماسيا وزيارات متبادلة بين القيادتين الاذرية والارمنية كانت بين عامي 2006 و2009 لكن الامور ما لبثت ان عادت الى الجمود منذ ذلك الحين. وبعد اللقاءات التي استضافتها فيينا لمجموعة مينسك خلال الاسبوع الفائت يأمل القيمون على هذه المجموعة استمرار هدنة وقف اطلاق النار، التي اعلنها الطرفان الاسبوع المنصرم، اطول فترة ممكنة الى حين الخروج بحل ما يرضي الطرفين.
السلاح الروسي للطرفين
بدأ صبر اذربيجان ينفد حيال تعنت ارمن قره باخ، خاصة وان القوانين الدولية تدعم سيادة واستقرار اراضي الجمهورية الاذرية. وهذا ما دفع الحكومة عقب تجدد الاشتباكات مطلع الشهر الجاري الى التهديد علنا باستخدام القوة العسكرية لاخضاع ناغورني قره باخ. وعللت تلويحها بالحل العسكري بأن الجهود الديبلوماسية لا تحرز اي تقدم يذكر وشككت في صدق نوايا مجموعة مينسك والقيمين عليها، ففرنسا والولايات المتحدة وروسيا بنظر الاذريين هناك مصالح انتخابية لقادتها بإرضاء الارمن لأن كل بلد من البلدان الثلاثة لديه جالية ارمنية معتبرة.
وعلى الرغم من ان وزارة الدفاع الاذرية انفقت مليارات الدولارات الاميركية على التسلح، احيانا باسلحة اميركية، الا ان اغلب محتويات ترسانتها هي روسية الصنع. هذا الواقع يدركه الارمن جيدا ما دفعهم الى التشكيك في نوايا روسيا تجاههم، فهم غير قادرين على استيعاب وفهم تزويد روسيا اذربيجان بالاسلحة بينما تعتبر ارمينيا نفسها ابرز الحلفاء الاستراتيجيين لروسيا في المنطقة خاصة وانها تستضيف القاعدة العسكرية الروسية الوحيدة هناك.
ولم يخف الرئيس الارميني سيرج سركيسيان قلق ادارته من التصرفات الروسية وقال في خطاب عام في يريفان نحن قلقون من الاسباب التي تدفع الروس الى بيع الاسلحة لأذربيجان. المشكلة ليست في نوعية السلاح ومدى تطوره. المشكلة هي ان الجندي الارميني الواقف على الحدود يدرك انه قد يقتل بنيران سلاح روسي.
ويطالب الانفصاليون الارمن بمقعد لهم في اي مفاوضات دولية تتم بشأن مستقبل اقليم قره باخ، وهذا ما كررته مرارا وزيرة الخارجية في حكومة الاقليم كارين ميرزويان عندما قالت لا حل لهذا النزاع طالما ان حكومة ناغورني قره باخ لا تشارك في المفاوضات. عندما تسحب ناغورني قره باخ من المحادثات من السهل على الدول اعتبار ارمينيا دولة معتدية وان القصة مجرد خلاف على الاراضي بينها وبين اذربيجان. لكن المسألة في الحقيقة هي مسألة حق شعب في تقرير مصيره.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00