8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

كانت سوريا طوال العام 2015 بمثابة المسرح السياسي - العسكري الذي اجتذب اليه امم العالم قاطبة لتصفية حساباتها فيه ما ادى الى اطالة زمن مأساة الشعب السوري الذي اضطر الملايين منه الى اللجوء في دول الجوار التي بعدما امتلأت فاضت على دول اوروبا بحوالي مليون لاجئ او يزيد. هذه التسونامي البشرية زعزعت ركائز هيكل الاتحاد الاوروبي بشكل غير مسبوق، خاصة وانها جاءت مصحوبة بزلازل ارهابية هزت مجتمعات اوروبا الغربية في الصميم ووضعتها على حافة هاوية التطرف الديني والعنصرية القومية التي كانت القارة البيضاء تتخبط فيها قبيل وابان الحرب العالمية الثانية.
عام 2015 كان الاعتدال الضحية الاولى عالميا على مذبح تداعيات الازمة السورية، اذ اضطر المؤمنون به الى تقديم سلسلة من التنازلات، بدأت مع ابرام اتفاق دولي ضعيف نسبيا مع ايران بشأن برنامجها النووي، فيما استعرت العربدة الاسرائيلية بحق الفلسطينيين من دون حسيب ولا رقيب ما ادى الى ظهور بوادر انتفاضة شعبية جديدة في الاراضي المحتلة. ولتكتمل هيمنة التطرف ولغة القوة دخلت روسيا الحرب السورية من اوسع ابوابها ناشرة اسلحة متنوعة من ترسانتها المتطورة بحجة القضاء على تنظيم داعش مدغدغة احلام متطرفي اوروبا واميركا على السواء بعدما ضاق ذرع هؤلاء بجدوى حملة عسكرية يشنها تحالف دولي بقيادة الرئيس الاميركي باراك اوباما منذ عام 2014. الرداء الاسود للتعصب الديني والعنجهية القومية لم يظهرا كحلة يرتديها زعماء دول سجلها في حقوق الانسان في حالة يرثى لها، لا بل خرج به الى المنابر وسط المنافسات الديموقراطية قادة احزاب ومرشحون رئاسيون في اكثر الدول تغنيا بحقوق الانسان: كمارين لوبن في فرنسا ودونالد ترامب في الولايات المتحدة الأميركية
يودع العالم العام 2015 بسماء حالكة ملبدة بالغيوم القاتمة، مع اصوات طبول حروب تدق من كل حدب وصوب، ولا شيء يشق هذه العتمة من حين لآخر سوى برق شديد ينذر برعد عسكري تقشعر لصوته ابدان ملايين من البشر عموما والشرق اوسطيين منهم خصوصا. اذ لم يشهد شرق المتوسط منذ الحرب العالمية الثانية زحمة طيران حربي وزوارق عسكرية كالحشود التي بدأت تتجمع فيه خلال الربع الاخير من 2015. وكل دولة مشاركة في هذا الحشد الذي يفترض انه اتى لتخليص العالم من ارهاب داعش، لها نوايا مبيتة ومصالح مختلفة عن الدول الاخرى، ولا رغبة لأي من هذه الدول في تقديم اي تنازل ولو قيد انملة في سبيل سلام تنشده شعوب العالم عموما والشعب السوري خصوصا، حتى وان اتفقت جميعها على نص مطاط لقرار تبناه مجلس الامن الدولي في كانون الاول بغية تحديد اطر مفاوضات داخلية سورية املا في اطلاق مرحلة انتقالية للسلطة في البلد المنكوب. تعود المستقبل بالذاكرة مع قرائها الى ابرز محطات واحداث العام 2015 ذات الصلة بالحرب السورية واهم التداعيات الانسانية والسياسية والعسكرية والاقتصادية التي نتجت عن استمرار هذه الازمة.


] توتر عسكري روسي ـ تركي
] تسونامي اللاجئين يهز دعائم الاتحاد الأوروبي
] حزم سعودي في وجه المشروع الإيراني
] باريس في عين الارهاب


شهد النصف الاول من العام 2015 تقدما ميدانيا ملحوظا لقوات المعارضة السورية المعتدلة على حساب قوات الأسد والحرس الثوري الايراني وحزب الله، اثر تزايد الدعمين المادي والعسكري لها من قبل عدد من الدول في مقدمها المملكة العربية السعودية. فبعد وفاة العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود افترضت ايران ان غريمتها الاقليمية ستمر بفترة انتقالية فحرضت الحوثيين على اغتصاب السلطة في اليمن والانقلاب على الرئيس الشرعي للبلاد عبد ربه منصور هادي، وما كاد الحوثيون في 25 آذار يسيطرون على تعز ويصلون الى مشارف عدن حتى اعلن الملك السعودي الجديد سلمان بن عبد العزيز حربه عليهم مطلقا حملة عاصفة الحزم ومضاعفا في الوقت عينه دعم المملكة للثوار المعتدلين في سوريا، في خطوتين اعتبرتهما ايران حربا مباشرة ضد مصالحها في المنطقة. وادرك النظام الايراني عندها ان الادارة السعودية العسكرية الجديدة تحت اشراف وزير دفاع شاب وجريء كولي ولي العهد الامير محمد بن سلمان ستكون على قدر المواجهة ولن تتردد في قطع الاذرع الايرانية اذا ما تمددت الى حد يهدد السلطة الشرعية الموجودة في عدد من البلدان العربية.
منطق القوة العسكرية الذي استخدمته السعودية للمرة الاولى منذ تطاول الايرانيون بنفوذهم في الشرق الاوسط، شدد الضغطين المعنوي والسياسي على طهران. فاضطرت الاخيرة الى فرش طاولات المفاوضات مع الدول الكبرى بشأن برنامجها النووي بالورود طمعا في ازالة العقوبات الدولية المفروضة على اقتصادها. كيف لا ومشروعها بدأت بوادر الهزيمة تظهر عليه في سوريا بعد حوالي اربع سنوات صرفت عليها مليارات الدولارات لابقاء الأسد في السلطة واطفاء نيران الثورة السورية بأقل خسائر ممكنة.
الحاجة الى مليارات جديدة حقيقة لمسها جيدا النظام في طهران من رأسه حتى اخمص قدميه. وهذا الواقع دفع المرشد الاعلى علي خامنئي في نيسان الى منح الرئيس الايراني حسن روحاني وفريق مفاوضيه بقيادة وزير الخارجية جواد ظريف الضوء الاخضر لابرام اتفاق اطار مع الدول الكبرى في لوزان بأي ثمن، بغية اطلاق سراح الاموال الايرانية المحتجزة عالميا وتحرير ماكنة الحرب الايرانية من الضائقة المالية التي تمر بها.
لكن الايرانيين اختلفوا مجددا مع الاميركيين في ترجمة الاتفاق لدى مشرعي البلدين، فاستغل الاميركيون مرة اخرى الاحداث الميدانية في سوريا للتأكد من الضمانات التي انتزعوها من الايرانيين في المفاوضات. وما سهل عليهم ذلك ان الأسد في ظل هزيمة قواته في عدة مناطق استراتيجية ضد الثوار، اضطر في شهري آذار ونيسان الى استخدام اسلحة كيميائية مجددا وان بمواد اخف تأثيرا نسبيا مثل الكلور. فاشتدت المطالب الدولية مجددا بضرورة معاقبته على ذلك، وحاولت الدول الغربية الاستناد الى القرار رقم 2209 الذي تبناه مجلس الامن الدولي في آذار (بشأن حظر شتى انواع الاسلحة الكيميائية في الحرب السورية بما في ذلك الكلور) في تعزيز الضغط على الأسد ومن خلفه ايران، لكن جميع هذه الضغوط سرعان ما تلاشت لسبيين: الدعم الروسي الاعمى للاسد وتذكير موسكو الدول الغربية بالدور الهام الذي تلعبه هي والصين في ابرام الاتفاق النووي مع ايران، وتقديم الاخيرة جميع التنازلات الممكنة من اجل توقيع اتفاق نهائي مع الدول ال5 الكبرى زائداً المانيا. وهذا ما حصل في العاصمة النمسوية فيينا في 14 تموز، قبل ان يضمن مجلس الامن الدولي في 20 من الشهر نفسه التزام الطرفين بتطبيق بنود الاتفاق من خلال تبني القرار رقم 2231، وتمت المصادقة على الاتفاق بصورة نهائية في 18 تشرين الاول بين جميع الاطراف المعنية. واكدت روسيا من جهتها رفع حظر الاسلحة المفروض على ايران واعلنت مطلع كانون الاول بدء ارسال صواريخ اس 300 المضادة للطيران الى ايران بحسب الصفقة التي وقعت في الصيف بين البلدين.
الاتفاق النووي الذي اثار زوبعة في الشارع السياسي الاميركي مع اعتراض جميع المرشحين الرئاسيين من الحزب الجمهوري عليه، خلق نوعا من انعدام الثقة بواشنطن في اوساط حلفائها الشرق اوسطيين وبصورة خاصة اسرائيل ودول الخليج العربي بسبب الافراج المرتقب عن اكثر من 100 مليار دولار اميركي لصالح ايران عند رفع العقوبات عنها، يتوقع على نطاق واسع ان يستخدمها النظام الايراني في تمويل شبكاته المسلحة في المنطقة كحزب الله والحوثيين. ارضاء لأصدقائها وتخفيفا لمخاوفهم انتهجت ادارة الرئيس الاميركي باراك اوباما سياسة تعويضية نوعا ما من خلال استهداف مصادر تمويل حزب الله وتجميد الحسابات المالية والتعاملات لأي وكيل للحزب ولم يسلم النظام السوري هو الآخر من العقوبات المالية الاميركية هذا العام التي استهدفت تمويله لتنظيم داعش الارهابي. ورغم بدء عودة العلاقات الديبلوماسية الغربية تدريجيا مع طهران وتدفق رجال الاعمال وكبار ممثلي الشركات الغربية الى ايران لابرام اتفاقيات وعقود مشاريع في السوق الايرانية التي يرجح ان تفتح على مصراعيها امام الاستثمارات الاجنبية في العام المقبل، الا ان المشروع التوسعي الايراني في الشرق الاوسط لقي صفعات متتالية هذا العام، فقد سقط لايران مئات القتلى في الحرب السورية، ومع تدخل روسيا العسكري علنا لدعم الاسد بدأ التأثير الايراني على مجريات الامور داخل سوريا يتراجع امام الهيمنة الروسية، كما تمكنت عاصفة الحزم من فرملة المشروع الايراني في اليمن وتراجع نفوذ الايرانيين في العراق مع حرص المجتمع الدولي على ايجاد توازن في الحكم في بغداد ينصف العراقيين السنة ويسهل عمليات التحالف الدولي الساعي للقضاء على داعش هناك.
انفجار ازمة اللاجئين في وجه اوروبا
ادت الغارات الجوية الأسدية والمتعددة الجنسيات في سوريا الى هروب مئات آلاف السوريين من جهنم الدمار في سبيل اللجوء الى الجنة الموعودة في اوروبا. وفشلت كل التحصينات التي وضعتها الدول الاوروبية على حدودها في منع المهاجرين الغير شرعيين من التسلل اليها، فحتى المملكة المتحدة التي هي جزيرة لم تتمكن من منع بعض الشبان المستميتين من التسلل الى اراضيها على متن شاحنات او في حقائب السيارات او حتى سباحة عبر القناة الانكليزية. ومع استمرار البركان الامني المتفجر في قلب الشرق الاوسط ورفض بعض الدول الاوروبية استقبال لاجئين مسلمين على اراضيها، تبدو الازمة متجهة نحو مزيد من التصعيد والتعقيد في العام المقبل.
ولم يظهر الاتحاد الاوروبي مشرذما ومنقسما في تاريخه مثلما اظهرته ازمة اللاجئين في 2015، فقد جهدت حكومات الدول الاوروبية في تحضير شعوبها نفسيا واجتماعيا واقتصاديا لإستقبال موجة اللاجئين (الشرق اوسطيين عموما والسوريين منهم خصوصا) على مدى الخمس سنوات المقبلة. وفي محاولة من قادة الدول لتطمين شعوبهم كان لا بد من تحديد الاعداد التي سيتم استقبالها والحديث عن الناحية الايجابية لهذا المد البشري وكيف يمكن استغلاله لصالح البلدان المستضيفة. لكن الاتفاق بين زعماء الدول انفسهم تبين مع مرور الوقت انه صعب جدا، وفي ظل غياب سياسة أوروبية مشتركة حيال ازمتي اللجوء والهجرة بدأت نهاية اتفاقية شينغن تلوح في الافق. واستمرت محاولات الاوروبيين في اقفال حدود بلدانهم الى حين انتشرت صور لاطفال سوريين غرقى رمت بجثثهم امواج البحر على الشواطئ التركية بعد غرق مراكبهم خلال محاولاتهم عبور المتوسط الى اليونان، وتصدرت صورة الطفل السوري ايلان الكردي عناوين وسائل الاعلام في شتى انحاء العالم، وقد ادت تلك المشاهد المؤثرة الى تليين الرأي العام الاوروبي وفرضت على الدول الاوروبية الشرقية الرافضة بشكل تام استقبال لاجئين ان ترضى في نهاية المطاف بخطة توزيع حوالى 175 الف لاجئ كان رئيس المفوضية الاوروبية جان كلود يونكر اقترحها عند استعار الازمة.
وتقضي الخطة، التي اقترحها يونكر وتبناها الاتحاد الاوروبي بتصويت الأغلبية رغم اعتراض هنغاريا وتشيكيا وسلوفاكيا ورومانيا عليها وامتناع فنلندا عن التصويت، ان توزع الحصص على الدول الاروبية بحسب عدد سكانها وقوة اقتصادها. وان يتم تسجيل 120 الف لاجئا وصلوا الى ايطاليا واليونان وهنغاريا، وبعد اخذ بصماتهم ودراسة طلبات اللجوء الخاصة بهم يتم اتخاذ قرار بشأنهم، فمن يقبل طلبه يرسل في فترة اقصاها شهران الى بلد من بلدان الاتحاد بحسب الحصص المقسمة، اما من يرفض طلبه لإعتبارات عدة اهمها انه من بلد آمن لا صراع فيه يتم ترحيله الى بلده الام في اقرب وقت ممكن. وتمنح الأفضلية المطلقة للاجئين القادمين من الدول التي تدور فيها حروب كسوريا والعراق واليمن. وتقرر التشدد مع اي عملية تزوير لجوازات السفر السورية خاصة اذا تم التأكد ان الشخص الذي يحملها ليس سورياً. وكانت مفوضية اللاجئين اكدت ان على الاوروبيين استقبال المزيد من اللاجئين خلال الاشهر المقبلة اي ان دفعة ال175 لاجئا التي تقرر توزيعها بين دول الاتحاد ليست هي الدفعة الاخيرة انما قد يكون هناك دفعات مشابهة العام المقبل في حال استمرت النزاعات في الشرق الاوسط.
هذه الازمة المتفاقمة قسمت دول الاتحاد الاوروبي الى ملائكة وشياطين بحسب تعاملها معها. الدول الغربية الكبرى وفي مقدمها المانيا وبريطانيا وفرنسا ظهرت
(التتمة ص 12)

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00