بينما تتخبط ادارة الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند في مستنقع الارهاب الذي لوث سلام باريس بالدم مرتين خلال العام الجاري، ثمة في الشارع الفرنسي من يجني الثمار السياسية لتلك الهجمات الارهابية. والجاني الاول لهذه الثمار دون منازع هو حزب الجبهة الوطنية اليميني المتطرف. فقد بينت آخر استطلاعات الرأي في شتى المناطق الفرنسية تضاعف شعبية التيار القومي المتشدد الذي طالما حذر في بياناته من الاسلام المتطرف والمهاجرين وطالب مرارا بخروج فرنسا من الاتحاد الاوروبي ومن معاهدة شينغن للحدود المفتوحة.
حتى الأمس القريب، كان هولاند وفريقه والاحزاب الاخرى في البلاد بما فيها الحزب الجمهوري (اليمين المعتدل) ينتقدون بشدة مبادئ الجبهة الوطنية وأفكار زعيمته مارين لوبن، ويصفونها بـالعنصرية والمستحيلة التطبيق في فرنسا البلد الذي يتخذ من الحرية والمساواة والاخوة شعارا له.
لكن الاعتداءات الارهابية، التي ضربت باريس في 13 تشرين الثاني الجاري وأودت بحياة 130 شخصا، دفعت هولاند الى اعلان حالة الطوارئ في البلاد لمدة 3 اشهر وحملته الى اتخاذ تدابير لطالما طالبت لوبن الادارة الفرنسية باتخاذها. والرأي العام الفرنسي شاهد على ذلك، ولهذا السبب ترى نسبة مرتفعة من الشعب الفرنسي ان لوبن كانت محقة وان فرنسا في ظل الوضع الدولي الراهن وسط تفاقم خطر الارهاب واستعار ازمة اللاجئين ربما من الافضل لها ممارسة سياسة اكثر انعزالية لن يضمنها حزب آخر في البلاد سوى الجبهة الوطنية.
وهكذا اصبحت لوبن (47 عاما) في غضون ساعات بعيد هجمات باريس مرشحا بارزا للمنافسة على رئاسة الجمهورية الفرنسية في عام 2017. والزعيمة القومية المتطرفة تدرك هذا الامر جيدا ولهذا السبب لم تفوت الفرصة لتذكير الفرنسيين بأنها السياسية الوحيدة في البلاد التي كانت تتوقع ما سيجري على ايدي الاسلاميين وتحذر منه.
وفي لقاء مطلع الاسبوع الجاري مع مناصريها في مدينة اميان في شمال فرنسا قالت لوبن لقد حاولنا مرارا تحذيرهم من امكانية حصول مثل هذه الهجمات لكن احدا لم يستمع الى تحذيراتنا. والآن تجدون هولاند يطبق مضطرا الاجراءات التي طالبنا بتطبيقها منذ وقت طويل. ان هولاند يقرأ اليوم في كتاب الجبهة الوطنية ليحمي فرنسا من عقود من السياسات الفاشلة التي أوصلتها الى الحالة الامنية الهشة التي تعيشها اليوم. واوضحت ان هولاند محق في اتخاذ التدابير الامنية الاخيرة لكنه تأخر. والدماء التي سالت قد سالت على يديه لأنه لم يتخذ الاجراءات اللازمة بشكل استباقي لحماية اهالي باريس.
ومع صعود نجم لوبن مجددا، يسير الوجه الخارجي لفرنسا ايضا في طريق التغيير. فالزعيمة القومية مناهضة للاتحاد الاوروبي وحلف شمال الاطسي (ناتو)، وهي حليف صريح وواضح جدا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين خاصة بعد ورود تقارير عدة في السنوات الاخيرة تفيد بأن حزب الجبهة الوطنية يتلقى دعما ماليا من موسكو. ولهذا السبب بالذات، يشك مراقبون في دور للاستخبارات الروسية في توسع الارهاب الداعشي واستهدافه فرنسا تحديدا لتحقيق هدفين: الاول هو دفع هولاند الى تغيير موقفه من بشار الأسد والكف عن المطالبة برحيله، والثاني تعزيز شعبية لوبن وحزبها في الشارع الفرنسي لتحقيق مكاسب سياسية مستقبلية للاتحاد الروسي.
وفرنسا ليست البلد الاوروبي الوحيد الذي يشهد ارتفاعا ملحوظا لشعبية الاحزاب القومية المتطرفة، فخطر الاهراب وازمة اللاجئين يهددان فعليا بزوال الاتحاد الاوروبي واتجاه الدول الاوروبية الى سياسات اكثر عنصرية وتقوقعا. وستتجه الانظار الى انتخابات المناطق التي تشهدها فرنسا في الايام الاولى من شهر كانون الاول المقبل، اذ ان نتائج هذه الانتخابات ستحدد فعليا حجم المكاسب التي جناها حزب الجبهة الوطنية جراء تدهور الحالة الامنية في فرنسا بشكل ملحوظ هذا العام.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.