8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الروس والمسلمون: تاريخ مُعمّد بالدم

ربما اهمل الاتحاد السوفياتي السابق الجانب الديني في السياسة والمجتمع، لكن روسيا الاتحادية تستغل بشكل ظاهر اليوم العامل الديني في تحالفاتها السياسية الاقليمية والعالمية الى درجة كبيرة لم تعد تخفى على احد ولم يعد بالإمكان التغافل عنها بحجة عدم الرغبة في التكلم بمنحى ديني حيال الاحداث السياسية والعسكرية التي كانت موسكو طرفا فيها منذ انفراط عقد الاتحاد السوفياتي. فعلى سبيل المثال استخدمت روسيا مؤخرا حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار قدمته بريطانيا في مجلس الأمن الدولي يطالب بالاعتراف بارتكاب المسيحيين الصرب مجزرة ابادة جماعية بحق مسلمي البوسنة في منطقة سريبرينيتسا في تموز عام 1995. وتواصل موسكو استخدام هذا الفيتو الذي ورثته من انتصار الاتحاد السوفياتي في الحرب العالمية الثانية ضد اي قرار دولي من ِشأنه ادانة بشار الأسد بجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية بحق المسلمين في سوريا. كما نصحت سلطات القرم التابعة لموسكو المسلمين التاتار في القرم بالرحيل عن ديارهم. الأمر الذي يدفع خبراء الديموغرافيا السياسية ومتتبعي الاحداث العاديين على السواء الى التساؤل عن سبب العداء الذي تكنه روسيا للمسلمين ويدفعها الى استهدافهم في كل مناسبة عالمية تطرح داخل محافل منظمة الأمم المتحدة.
بالطبع لا أحد أقدر على اعطاء جواب شاف على هذه التساؤلات اكثر من الادارة الروسية نفسها، ولكن يهم المستقبل في هذا التحقيق تسليط الضوء على العلاقة بين الروس والجاليات المسلمة الموجودة داخل الاتحاد الروسي وفي محيطه الشرق اوروبي والغرب آسيوي من اجل فهم اعمق لطبيعة هذه العلاقة خاصة وان روسيا تخوض اليوم حربا باردة جديدة ضد الغرب وتحتاج في هذه الفترة بالذات الى كل نفوذ اقليمي ممكن. فلماذا تصر روسيا بقرارات كالفيتو ضد ابادة البوسنيين اثارة عداء بينها وبين مسلمي الجوار مانحة الدول الغربية الفرصة لإستقطاب تأييد هذه الجاليات في المواجهة الدائرة بين الطرفين؟
تاريخ الصراعات الطويلة في القرون الخالية بين المسلمين والكنيسة الأورثوذوكسية على تقاسم السلطة والنفوذ في المنطقة الاوراسية قد يكون السبب الجوهري للنفور وانعدام الثقة التي لا يزال الروس يشعرون بهما تجاه المسلمين. وهو ما يفسر نوعا ما الاضطهاد الدوري الذي تعرض له المسلمون في الاتحاد السوفياتي السابق والعلاقة السيئة بين الادارة الروسية الحالية واغلب الجاليات الاسلامية في شرق اوروبا. وتتطرق المستقبل في هذا التحقيق (على مدى أجزاء) الى العلاقة الروسية ـ الاسلامية في شرق اوروبا وغرب آسيا بدءا بنبذة تاريخية عنها وصولا الى وضعها الراهن.
كييفساكايا روس
كلمة العبودية باللغة الانكليزية سلايفري مقتبسة من كلمة سلافس اي القوم السلافيين الذين كانوا يعملون كعبيد لدى اسيادهم في مطلع القرون الوسطى. والروس هم مجموعة من القبائل السلافية الشرقية وكانت شريحة واسعة منهم عبيدا مضطهدين يتم بيعهم وشراؤهم في اسواق الرقيق الابيض التي انتشرت بشكل واسع على ايدي البرابرة الجرمان (اجداد الالمان) الذين كانوا يشنون غارات دائمة على مدن وقرى وسط وشرق اوروبا في القرون التي شهدت انهيار الامبراطوريتين الرومانية والبيزنطية على التوالي. والصراع الاول في التاريخ بين الروس والمسلمين يعود الى القرن التاسع ميلادي مع طلائع تأسيس امارة اجداد الروس الحاليين التي كانت تدعى كييفسكايا روس عندما قامت هذه القبائل السلافية الشرقية بتوحيد صفوفها وتشكيل جيش تمكن من تدمير مملكة الخزر التي كانت تعيش اواخر ايامها. والخزر لم يكونوا مسلمين في الاصل انما مجموعة قبائل متعددة الديانات بينها الوثنية واليهودية، لكن مع تزايد نفوذ الروس في جوارهم اضطرت شريحة منهم مع ملكهم الاخير جوزيف، الذي كان يهوديا، الى اعتناق الاسلام املا في الحصول على دعم من الاندلس لصد اجتياح الروس بقيادة امير كييف الوثني سفياتوسلاف الاول. وبما ان كلمة سوفيات (سوفيات يونيون ـ الاتحاد السوفياتي) ادخلت في وقت متأخر بواسطة النظام الشيوعي من مصدر مجهول على مصطلحات اللغة الروسية مع بداية القرن العشرين يمكن التساؤل عما اذا كان الشيوعيون استقوها من اسم سفياتوسلاف الاول لا سيما وان كييف الاوكرانية كانت المدينة الاستراتيجية الابرز في الاتحاد السوفياتي السابق. ومنذ قيام الاتحاد السوفياتي درجت العادة في القواميس الغربية على ترجمة كلمة سوفيات على انها تعني المجلس.
وعرفت امارة اجداد الروس هذه ازدهارا اكبر مع تحولها ايام فلاديمير الاول من الوثنية الى المسيحية، بعدما ارسل هذا الحاكم عام 987 موفدين الى مناطق الجوار التي كانت تدين باليهودية والمسيحية والاسلام فعادوا له بميزات الديانات الثلاث، ففضل بحسب مؤرخي تلك الحقبة اعتناق المسيحية على الاسلام واليهودية لأن هاتين الديانتين تحرمان شرب الخمر واكل لحم الخنزير وتأمران بالتزهد في الحياة بدلا من التمتع بها. وتبنت الامارة في القرن الحادي عشر المذهب المسيحي الاورثوذوكسي الذي لا يزال متبعا في روسيا حتى اليوم.
الغزو المغولي وحكم التاتار
التمتع بالحياة والترف والخلاف بين الورثة على الحكم هو ما عاشته الامارة الروسية حتى القرن الثالث عشر عندما وصل اليها الغزاة المغول الذين فتكوا بها ودمروا مدنها الرئيسية كييف وموسكو وريازان وكولومنا وفلاديمير. ولكن بعد سيطرتهم على المنطقة لم يرغب المغول انفسهم بحكمها بل منحوا كل هذه المدن استقلالا ذاتيا داخل الامبراطورية المغولية ونظرا لأن اغلبية الجيش المغولي الذي وصل الى المنطقة كان من قبائل التاتار الترك، التي اعتنقت لاحقا الإسلام، فقد تسلم التاتار الإشراف على الامراء الروس الذين يحكمون اماراتهم ويسددون نوعا من الفدية او الضريبة الى الحاكم التاتاري المسؤول عن ادارة شؤون الشطر الغربي من امبراطورية المغول ( الذي كان يعرف بالقبيل الذهبي ـ غولدن هورد) من مقر حكمه في مدينة ساراي التي بناها التاتار على الضفاف الدنيا لنهر الفولغا. وتنافس الامراء الروس ورجال الكنيسة في استرضاء حكامهم التاتار ما ادى الى انتشار اللغة التاتارية في محاكم الامارات الروسية، كما كان الروس يعتمدون على قدرات التاتار الدفاعية لصد الهجمات التي كان يشنها من حين لآخر فرسان تيوتون (تنظيم الماني مسيحي كاثوليكي متطرف شارك في الحملات الصليبية على القدس ـ على غرار تنظيم داعش الاسلامي اليوم). ومع مرور الوقت وانتهاء الحروب الصليبية ومعها الخطر الذي كان يشنه المتطرفون الكاثوليك على المجتمعات الاورثوذوكسية، بدأت الكنائس الروسية بتحريك انتفاضات شعبية ضد التاتار مستغلة واقع الفساد الذي بدأ يستشري في القرن الرابع عشر بين الطغمة الحاكمة الثرية من حاشية الامراء الروس الذين زادوا من قيمة الاتاوات المفروضة على شعوبهم وساهموا في عمليات الرقيق الابيض والاتجار بالبشر عبر تشكيل عصابات كانت تنقل النساء والشبان من الامارات الروسية وتبيعهم الى اثرياء السلطنة العثمانية. ونجحت جهود الكنيسة في توحيد الامارات الروسية مجددا تحت قيادة دوق موسكو ايفان العظيم الذي نجح في انهاء حكم التاتار عام 1480 ووضع الاسس الحقيقية للدولة الروسية واعاد بناء كرملين موسكو.
ورغم المتغيرات التي طرأت على الحكم في المناطق الروسية الا ان المؤرخين اكدوا ان الاثرياء الروس ظلوا يتباهون بعلاقاتهم مع التاتار التي تميزهم عن الفقراء، ولهذا السبب بقيت العائلات الثرية الروسية حتى القرن السابع عشر تسمي ابناءها بأسماء ذات اصول تاتارية. كما ان الروس كانوا ضمنا معجبين بالصفات القيادية والحنكة التي يتمتع بها المسلمون التاتار وهذا ما دفع القيصر ايفان الرهيب (حفيد ايفان العظيم) قبل موته عام 1584 الى تعيين التاتاري بوريس غودونوف كوصي على إبنه فيودور المعوق الذي ورث منصب القيصر عند موت ابيه. وبعد موت فيودور انتخب مجلس الاراضي عام 1591 غودونوف، الذي اعتنق المسيحية، قيصرا لروسيا واستمر في قيادة الامبراطورية حتى وفاته عام 1605. وواصل غودونوف في عهده ما بدأه ايفان الرهيب من توسيع لاراضي الامبراطورية وقتال القبائل التاتارية الاسلامية شرقا والقبائل الجرمانية الكاثوليكية غربا. ويشار الى ان غودونوف تزوج 7 مرات لكن الكنيسة الروسية لم تعترف الا بزيجاته الثلاث الاولى فقط، وتولى ابنه فيودور الثاني الحكم من بعده لكن المتطرفين الروس دسوا له السم في الطعام وقتلوه بعد اقل من شهرين من جلوسه على الكرسي. ثم سادت سنوات من الفوضى حكم فيها على التوالي ثلاثة قياصرة زعم كل منهم انه ديميتري الابن الاصغر لإيفان الرهيب وتبين لاحقا ان الثلاثة انتحلوا الشخصية زورا.
الحروب الروسية ـ العثمانية والتآمر الصفوي
استمرت الفوضى على الكرسي القيصري الروسي الى حين وصول بيتر الأول الى سدة الحكم فهو من نجح بحلول عام 1721 في تأسيس ما اصبح يعرف رسميا حول العالم بالامبراطورية الروسية. في السنوات الاولى لحكمه وضع بيتر المتأثر بمستشاريه ذوي الاصول الاوروبية الغربية نصب عينيه توسيع الامبراطورية فسعى الى احتلال ثلاث نقاط استراتيجية تمكنه من تحويل روسيا الى امبراطورية عظمى. تلك النقاط كانت البحار الثلاثة: الأسود الذي كان تحت سيطرة السلطة العثمانية، البلطيق الذي كان تحت سيطرة امبراطورية السويد، وقزوين الذي كانت تحت سيطرة الدولة الصفوية. وبدأ بيتر مسعاه بشن حرب على الحاكم التاتاري المسلم في القرم المعين من قبل العثمانيين لإدارة شؤون البحر الأسود وكان هدفه الاول عام 1695 الاستيلاء على قلعة آزوف الواقعة على نهر الدون لكن محاولاته الهجومية باءت بالفشل فانسحب عائدا الى موسكو في نهاية ذلك العام وعمد الى بناء اسطول بحري عسكري ضخم قبل ان يعاود الهجوم على المنطقة في العام التالي ويحتل آزوف في تموز 1696، وبعدها بعامين في ايلول 1698 اسس الروس اول قاعدة عسكرية بحرية لهم في البحر الاسود في ميناء تاغانروغ. ثم حاول بيتر التحرك بشكل اشمل ضد السلطنة العثمانية وكان يدرك جيدا ان الروس غير قادرين بمفردهم على حرب بهذه الضخامة فقام بجولة دامت سنة ونصف على ملوك اوروبا طمعا في بناء تحالف ضد العثمانيين لكن آماله تبخرت لأسباب عدة منها ان فرنسا كانت حليفا تقليديا للعثمانيين والنمسا كانت تعيش معاهدة سلام معهم على حدودها الشرقية ومنشغلة بحروب كانت تخوضها غربا.
ولم يرجع بيتر من جولته تلك بشيء نافع الا اقتباسه التنظيم المدني من انكلترا والاهتمام بالفنون من هولندا. ولدى عودته الى امبراطوريته وقع بيتر اتفاقية سلام مؤقت مع العثمانيين خولته الحفاظ على آزوف تحت سيطرته وبدأ ينظر الى هدفه التالي بحر البلطيق ويستعد لمقارعة السويديين. وحشد لهذا الغرض تحالفا مع البولنديين والدنماركيين والليتوانيين ضد السويد مطلقا عام 1700 ما عرف بالحرب الشمالية العظمى التي استمرت 21 عاما وتكبد فيها الروس خسائر كبيرة رغم انتهائها بهزيمة السويديين. وتخلل هذه الحرب الشمالية ايضا حرب روسية ـ تركية عام 1710 سببها لجوء الملك السويدي تشارلز الثاني عشر عام 1709 الى السلطنة العثمانية بعد هزيمته في البلطيق امام بيتر. والحق الجيش العثماني هزيمة ساحقة بالجيش الروسي الذي اضطر الى الانسحاب وتوقيع هدنة جديدة مع الاتراك تضمنت شرطا هو طرد العثمانيين للملك السويدي من اراضيهم. وواصل القيصر الروسي حربه ضد السويديين واحتل فنلندا بحلول العام 1716 وبدأ بغزو السويديين في عقر دارهم الى حين وفاة الملك تشارلز في احدى المعارك بين الطرفين عام 1718 فوقع بيتر معاهدة سلام مع السويديين عام 1721 انهت الحرب الشمالية العظمى واعاد الروس بموجبها اغلب الاراضي الفنلندية الى السويد وحافظوا في المقابل على اراض اخرى انتزعوها منهم كإستونيا وليفونيا.
كانت الدولة الصفوية في ذلك الحين تعيش عقودها الاخيرة وبدأت القلاقل الداخلية تضعفها وهذا ما اجبرها على تشكيل حلف دفاعي مع السلطنة العثمانية ضد اي هجوم خارجي. وكان القيصر الروسي بيتر بصدد تحقيق هدفه الاستراتيجي الثالث اي السيطرة على بحر قزوين الواقع تحت سيطرة الصفويين فشن عليهم الحرب الروسية ـ الفارسية الثانية (الاولى وقعت في القرن السادس عشر وحقق فيها الصفويون نصرا خولهم توسيع نفوذهم الى شمال القوقاز).
دامت الحرب الثانية عامين 1722 و1723 وكان هدف القيصر بيتر ليس فقط احتلال منطقة قزوين ولكن ايضا تفويت الفرصة على العثمانيين الذين قد يستفيدوا من بدء تفكك الدول الصفوية. ونجح الجيش الروسي في هزيمة الصفويين المعززين بفرق دفاع عثمانية واستولى على منطقتي دربند وباكو ومقاطعات شيرفان وجيلان واستراباد ومازانداران.
عقب وفاة بيتر، انتقلت كرسي القيصر الى كاثرين الاولى ومنها الى آنا التي اشعلت الجبهة الروسية ـ العثمانية من جديد بهدف الحد من اغارة التاتار مرارا على السفن الروسية كلما رغبت بعبور البحر الاسود. وقبل شنها حربا شاملة على التاتار ومن خلفهم العثمانيين ارادت حاكمة روسيا الجديدة ضمان النصر في تلك الحرب فتقربت من تشارلز السادس ملك هابسبورغ (الاسم القديم لامبراطورية النمسا) وأوفدت عام 1730 مجموعة من قادة الجيش الروسي سرا الى الدولة الصفوية وعرضت على الشاه الايراني حينها طهماسب الثاني ان ترد له بعض المناطق التي احتلها الروس في الحرب السابقة مقابل نقض الصفويين اتفاق السلام مع العثمانيين والاشتباك معهم على الحدود العثمانية الشرقية. فوافق الصفويون على العرض وبداوا ذلك العام حربا ضد العثمانيين دامت ست سنوات لم يكن الهدف منها سوى الهاء العثمانيين على الجبهة الشرقية ليفاجأوا عام 1735 بإجتياح روسي على الجبهة الغربية.
وحقق الغزاة الروس بعض المكاسب على ضفاف البحر الاسود خلال العام الاول للاجتياح بسبب عنصر المفاجأة وانشغال الاتراك حتى العام 1736 بحرب الجبهة الشرقية مع الصفويين التي انهاها انقلاب عسكري داخلي ادى الى وصول نادر شاه افشار الى سدة الحكم في ايران.
ومع تفرغ العثمانيين للجبهة الغربية بدأت الامور تنقلب ضد الروس الذين مُنُوا بخسائر كبيرة في صفوفهم عام 1736 واضطروا للانسحاب الى اوكرانيا بعد سقوط 30 الفا من جنودهم في ارض المعركة. فطلبت آنا العون من الملك النمسوي الذي ارسل جيشه عام 1737 لدعم الجيش الروسي لكن القوات المشتركة منيت بهزيمتين متتاليتين في معركتي بانجا لوكا وغروكا، ما ادى الى هجوم عثماني معاكس.
وضرب الاتراك حصارا حول بلغراد في تموز 1739 واحتلوها في ايلول من ذلك العام، وبعد تعزيزات روسية نجحت القوات المشتركة في احتلال قلعة خوتين لكن الطاعون فتك بالجيشين النمسوي والروسي وقتل من الروس حوالي 100 الف جندي فإضطر الغزاة الى ابرام معاهدة نيش مع العثمانيين اتفق فيها الاطراف الثلاثة على منع اي اعتداء على الاسطول الروسي في مرفأ آزوف وادارة الملك النمسوي شؤون الجاليات المسيحية التي تعيش داخل حدود السلطنة العثمانية مقابل اعادة القرم ومولدافيا الى العثمانيين.
لكن الروس لملموا جراح تلك المعارك ليعودا ويشنوا مجددا هجوما على القرم في عهد كاثرين الثانية عام 1768 وتمكنوا من انتزاع شبه الجزيرة من العثمانيين بعد حرب دامت سبع سنوات انتهت بتوقيع اتفاقية ادت الى منح القرم استقلالا ذاتيا ضمن الامبراطورية الروسية. وحاول العثمانيون عام 1788 استرجاع القرم فأعلنوا الحرب على روسيا وزجوا بالسفير الروسي في السجن لكن حربهم تلك فشلت فشلا ذريعا وانتهت عام 1792 بخسارتهم منطقة يديسان لصالح الروس.
توسع الامبراطورية الروسية وإبادة الشركس
واصل الروس حروبهم مع جيرانهم المسلمين في القرن التاسع عشر. ففي مطلع العام 1804 قرر الروس توسيع نفوذهم الى الجزء الشرقي من القوقاز التي كانت تحت سيطرة دولة القاجوريين الحكام الجدد لبلاد فارس. فقامت فرقة من الجيش الروسي بالاستيلاء على قلعة غانجا ما اثار حفيظة الشاه الايراني فتح علي شاه قاجار ومخاوفه من توغل روسي اكبر داخل الاراضي الفارسية بعد سنوات من الحرب الكلامية بين الطرفين على ملكية جورجيا. فأرسل الشاه وحدات من جيشه الى تلك المنطقة لتعزيز الدفاعات الحدودية لكن القيصر الكسندر الاول الذي كان استلم للتو الحكم في روسيا ارسل جيشا ضخما لاحتلال ما يمكن احتلاله، وبعد تسع سنوات من المعارك استسلم القاجوريون ووقعوا معاهدة كلستان التي على اساسها لم تضم الامبراطروية الروسية جورجيا فحسب بل ايضا اقليم داغستان.
وبعدما لقي الروس هزيمة مدوية في معركة اوسترليتز امام جيش نابوليون الفرنسي، اوعزت الامبراطورية الفرنسية الى السلطان العثماني سليم الثالث عام 1806 بشن هجوم على الروس في مناطق الدردنيل والقوقاز. لكن العثمانيين هزموا من جديد امام الروس وانتهت حرب اخرى بين الطرفين عام 1812 باستيلاء الروس على الشطر الشرقي من مولدافيا.
الامبراطورية البريطانية لم ترق لها الانتصارات التي يحرزها الروس شرقا وجنوبا، فقررت تحريض الشاه الايراني فتح علي ضد روسيا الى ان تمكنت من اقناعه بضرورة استرداد اراضي القوقاز فشن هجوما مباغتا عام 1826 على المنطقة استرد فيه لوقت قصير بعض المناطق. لكن هجوما روسيا معاكسا عام 1827 تمكن من الوصول حتى تبريز واجبر الشاه على توقيع معاهدة تركمنشاي التي على اساسها استولت الامبراطورية الروسية على ارمينيا واذربيجان.
وابان اندلاع حرب استقلال اليونان عن السلطنة العثمانية دعم الجيش الروسي الثورة اليونانية ما دفع العثمانيين الى اغلاق مضيق الدردنيل امام السفن الروسية عام 1828. فاندلعت حرب جديدة بين الطرفين دامت عاما وانتهت بنيل اليونان استقلالها وخسارة الاتراك مولدافيا ووالاخيا والجزء الشمالي من ارمينيا لصالح الروس كما اضطروا الى منح صربيا استقلالا ذاتيا.
واستمر الهاجس الروسي في ضرورة السيطرة التامة على المياه الدافئة قائما. ونظرا للوهن الذي اصاب السلطنة العثمانية في عقودها الاخيرة، قرر القيصر الروسي نيقولا الاول وضع اليد على على ما تبقى من مناطق تحت الادارة العثمانية في البحر الاسود، ما ادى الى حرب جديدة بين الطرفين عام 1853 عرفت بحرب القرم (او الحرب الشرقية) التي دخلها هذه المرة الى جانب الاتراك كل من ممكلة سردينيا والامبراطوريتين الفرنسية والبريطانية وانتهت بانتصار الحلفاء على الروس عام 1856 وتوقيع معاهدة باريس التي نصت على وجوب احترام سيادة اراضي الدولة العثمانية.
عقب هذه الهزيمة صب الروس جام غصبهم على اقليم شركيسيا ذي الغالبية المسلمة الذي كان في وقت سابق ضمن السلطنة العثمانية قبل ان يصبح كيانا حياديا مستقلا بموجب اتفاق وقعته دول الجوار في فيينا عام 1814. وواضع مخطط تغيير التركيبة الديموغرافية في تلك المنطقة بالذات كان وزير الحرب الروسي ديميتري ميليوتين عام الذي اشار الى القيصر الروسي الكسندر الثالث بضرورة تهجير سكان شركيسيا المسلمين الى مناطق الدولة العثمانية واستبدالهم بمسيحيين واستمرت عمليات الترحيل القسري من عام 1864 حتى العام 1867. ويزعم عدد كبير من المؤرخين ان حوالي مليون ونصف المليون نسمة شردوا من شركيسيا ووزعوا في مناطق الدولة العثمانية بما في ذلك سوريا ولبنان وتركيا والأردن، بينما قام الروس ابتداء من 21 ايار 1864 بسفك دماء ما لا يقل عن 625 الف مسلما رفضوا الخروج من ديارهم. وينتقد مؤرخون غربيون تجاهل هذا التطهير العرقي الذي حصل بحق الشركس ويطلقون على الجرائم الروسية هذه اسم الابادة المنسية. وتجدر الاشارة الى ان سوتشي الروسية التي استضافت الالعاب الاولمبية الشتوية العام الفائت 2014 كانت تقع في الماضي في شركيسيا ولهذا السبب سارت تظاهرات عدة حول العالم قام بها الشركس ضد هذه الالعاب للتذكير بإبادة اجدادهم على ايدي الروس.
ثم عمد الروس الى إثارة النزعات القومية في البلقان قبل قيامهم في عامي 1877 و1878 بتوجيه طعنة جديدة الى صدر السلطنة العثمانية المترهل فشنوا حربا شاملة ارتكزت على الانفصاليين داخل الشطر الشرقي للسلطنة، والحقوا خسائر فادحة بالاتراك ادت الى استيلاء روسيا على منطقتي كارس وباتومي التركيتين وتأسيس دولة بلغاريا ونيل رومانيا وصربيا والجبل الاسود استقلالها عن السلطنة العثمانية
واختتم الروس الماراثون التاريخي لحروبهم الدموية مع العثمانيين في الحرب العالمية الاولى بمعارك جبهة القوقاز التي استمرت مدة اربعة اعوام بين 1914 و1918 تخللتها ابادة الاتراك للأرمن. وفي اعقاب الحرب العالمية انتهى ما كان يعرف بالامبراطورية الروسية والسلطنة العثمانية، وولد الاتحاد السوفياتي والجمهورية التركية عامي 1922 و1923 على التوالي.
يتبع

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00