8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

الشعب التونسي يفضّل الاعتدال

شهد العام 2014 تمزق شبكة الأخوان المسلمين في شتى البلدان العربية وافول نجمهم الذي شحب ضوؤه بشكل كبير منذ العام 2013 على اثر الثورة الارتدادية في مصر التي اطاحت حكم محمد مرسي. وشاهد انصارهم الهياكل السياسية التي بنوها في بلدان الربيع العربي تنهار الواحد تلو الآخر، وتيقن هؤلاء من سقوطهم المدوي عندما فشل حزب النهضة التابع لهم من البقاء على رأس البرلمان التونسي، اذ لحقت تونس في 2014 بما قامت به مصر في 2013 وان كانت الصورة في تونس تحمل اللون الديموقراطي الصرف لا العسكري. ولم تكن الاوضاع في ليبيا واليمن افضل حالا حيث عمت الفوضى واعمال العنف في البلدين اللذين لا توجد فيهما سلطة رسمية قادرة على فرض دولة القانون والامن. أما في سوريا فتقلص دور الأخوان الى حد كبير بعد بدء الحرب الدولية ضد تنظيم داعش ووقوف تركيا البلد الاكثر دعما لخطهم السياسي موقف المتفرج من هذه الحرب بسبب تجاهل الاميركيين لمطالبها بشأن الازمة السورية.
وجاءت المساعي، التي قادها الملك السعودي عبد الله بن عبد العزيز، في الربع الاخير من 2014 لرأب الصدع بين قطر والدول الاخرى في مجلس التعاون الخليجي، لتدق مسمارا حاسما في نعش مخططات الأخوان وطموحاتهم السياسية على الاقل في المستقبل المنظور. فقد ادى الصلح والتقارب بين الرياض والدوحة الى اطلاق دعوة للمصالحة ايضا بين مصر وقطر بمباركة الراعي السعودي. وفي حال حصول ذلك وتم تطبيع العلاقات مجددا بين قطر وادارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي فهذا يعني اوتوماتيكيا طي صفحة الأخوان السياسية في دول الخليج العربي قاطبة حتى اشعار آخر.
دوليا حافظ الغرب على شعرة معاوية مع جماعة الأخوان وذلك ارضاء لتركيا العضو المهم في حلف شمال الاطلسي (ناتو). وهكذا قاومت لندن وواشنطن وبروكسل ضغوطا كبيرة ولم تدرج الأخوان في لائحة التنظيمات الارهابية المحظورة. لكن العام 2014 لم يمر دون تشديد الخناق على نشاطات الجماعة وفروعها في الدول الغربية، وذلك بسبب ارتباط اسم الجماعة مصريا بحركة انصار المقدس التي تشن عمليات ارهابية ضد الجيش وقوى الامن المصرية في سيناء، وتقرب الأخوان هذا العام من حركة فجر ليبيا التي تستخدم شتى الاساليب بما فيها العنيفة في محاولة فرض اجندتها على ليبيا.
تونس
اتعظ فرع الأخوان المسلمين في تونس حزب النهضة من الكارثة التي حلت بنظيره في مصر فعدل منذ اواخر العام 2013 عن اي خطوة حكومية او دستورية من شأنها الاستئثار بالسلطة واعلن انصياعه لعملية تبادل السلطة وتقاسمها معلنا رضاه عما تفرزه الحياة الديموقراطية في تونس. لكن رغم هذا الموقف المعتدل واسهام النهضة الى جانب الفرقاء السياسيين الآخرين في البلاد في مطلع سنة 2014 بتبني دستور جديد يعتبر بداية المشوار الحقيقي للديموقراطية في العالم العربي، قال الشعب التونسي كلمته في الانتخابات النيابية في 26 تشرين الاول 2014 ساحبا ثقته من الأخوان ومانحا اياها للمعتدلين. ففاز حزب نداء تونس العلماني الذي يرأسه الباجي قائد السبسي بـ86 مقعدا من اصل 217 مقابل 69 مقعدا فقط لحزب النهضة الاسلامي الذي كان له اغلبية المقاعد في الانتخابات السابقة التي تلت الثورة عام 2011. وبالتالي فقد الأخوان 19 مقعدا في البرلمان التونسي بعد ثلاثة اعوام امضوها في السلطة، بما يؤكد ان الشعب لم يستسغ سياساتهم واسلوب ادارتهم للحكومة. وتبقى مسألة تشكيل حكومة جديدة لتحل مكان الحكومة الحالية، التي يرأسها الأخواني علي العريض، مسألة وقت فقط. فقد اعلن السبسي ان حزبه ليس متعجلا الآن ومن المبكر الحديث في تأليف حكومة ائتلاف وطنية مع الأخوان وان من الافضل الانتظار لمعرفة نتائج الانتخابات الرئاسية في البلاد ليبنى على الشيء مقتضاه. وتجدر الاشارة الى ان السبسي تقدم في الجولة الاولى على الرئيس الحالي المنصف المرزوقي (ايضا علماني ولكن يمثل حزب كونغرس الجمهورية) في الانتخابات الرئاسية الاولى من نوعها منذ ثورة 2011 وولادة الدستور الجديد، لكن الفارق لم يكن حاسما ما استدعى جولة انتخابات ثانية شهدتها تونس في 21 كانون الاول تأكد فيها فوز السبسي بالمقعد الرئاسي. وكان الأخوان (حزب النهضة) اعلن حياده وعدم دعمه ايا من المرشحين الرئاسيين تاركا الحرية لأتباعه في التصويت لمن يرغبون او عدمه.
ليبيا
اصطدم المشروع السياسي للأخوان في ليبيا المتمثل بحزب العدالة والبناء بمؤسسة الجيش على غرار ما حصل في مصر وهذه المرة اسم اللواء هو خليفة حفتر الذي لم يتردد الأخوان في اطلاق اسم سيسي ليبيا عليه. فقد تعهد حفتر بتطهير ليبيا من الجماعة مطلقا حملة معركة الكرامة وانضم اليه فوج الصاعقة اقوى اقسام الجيش الليبي. وشهدت ليبيا معارك طوال العام في بنغازي وطرابلس وتركز الثقل العسكري فيها بين محورين هما: محور حفتر وحلفائه ومحور فجر ليبيا الذي هو عبارة عن تجمع مسلح للتيارات الاسلامية في البلاد.
ورغم نفي حزب العدالة والبناء اي نشاطات عسكرية له في الصراع الداخلي الليبي الا ان الوقائع الميدانية تشير الى دعمه محور الاسلاميين بشكل بديهي في وجه محور حفتر الذي يستهدف تنظيم الأخوان بشكل مركز. وتبادل حفتر والأخوان الاتهامات طوال العام، فاتهم الاول الجماعة بتطبيق اجندات خارجية على حساب الشعب الليبي، فيما اعتبر الأخوان ان حفتر يريد تكرار سيناريو الانقلاب العسكري الذي حصل في مصر في ليبيا واتهموه بمحاولة وأد الثورة الليبية والانقضاض على الحياة الديموقراطية في البلاد قبل ولادتها. وادت هذه الخلافات الى تجاهل برلمان طرابلس والحكومة التي كان الأخوان طرفا فيها واجراء انتخابات نيابية ادت الى ولادة برلمان جديد في طبرق يرأسه منذ شهر آب السياسي المستقل عقيلة صالح عيسى العبيدي.
وتحاول الدول الغربية دعم حوار وطني يجمع المحورين المتناحرين تحت اشراف رئيس الوزراء الليبي عبد الله الثني (مستقل ايضا). ورغم الضغوط من بعض الدول العربية والافريقية في سبيل شيطنة محور فجر ليبيا الذي يشمل حزب العدالة والبناء الأخواني، الا ان الغرب اصر على ان تحالف فجر ليبيا شأنه كشأن تحالف الكرامة مليء بالمواطنين الليبين الذين رغم اخطاء اقترفوها يرغبون في بناء ليبيا المستقبل. وشددت واشنطن على ان التنظيم الارهابي في ليبيا هو انصار الشريعة الذي يستغل الخلاف الدائر بين المحورين لفرض اجندته هو وتعزيز شبكته الارهابية التي تتقاطع مصالحها مع التنظيمات الارهابية الاخرى في الدول العربية كـالقاعدة وداعش. وقبل انقضاء العام 2014 تداولت وسائل الاعلام على نظاق واسع مساعي تقودها مصر في سبيل مد الكرامة يدها الى بعض الاطراف في فجر ليبيا في محاولة لتوحيد الجيش والبرلمان وعزل الأخوان وابعادهم عن اي حل سياسي قد يجمع عليه غالبية الليبيين العام المقبل.
اليمن
تاه أخوان اليمن في خضم الفوضى الامنية التي شهدتها البلاد في عام 2014. وهذه الدويخة التي وجدوا انفسهم فيها دفعت بهم الى مد ايديهم عشوائيا لوضعها في يد اي تيار او حركة في البلاد لعل وعسى تستقر الامور على حال ما بعد 12 شهرا من الاحداث الدراماتيكية. ففي اليمن هناك ارهاب القاعدة المستمر، وطموحات الحوثيين التي لا حدود لها، واصرار الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح على تدجين الثورة التي اطاحت به، ووهن السلطات الحالية التي يشرف عليها الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي.
ومع الاجتياح الذي قام به الحوثيون وسيطروا من خلاله على العاصمة صنعاء، لم يكن مفاجئا ان يبادر الأخوان باسلوبهم البراغماتي الديبلوماسي من خلال حزبهم في اليمن التجمع اليمني للاصلاح بتوجيه رسالة الى اتباعهم في البلاد الى الالتزام بضبط النفس وعدم الانجرار الى فتنة طائفية سببها اختلاف المذاهب بينهم هم السنة وبين الحوثيين الشيعة. ولم يكتف الأخوان بهذا القدر، بل زار الأمين العام لحزب التجمع اليمني للإصلاح عبد الوهاب الآنسي وعدد من شخصيات الحزب معقل الحوثيين في صعدة والتقوا بزعيمهم عبد الملك الحوثي تحت عنوان إنهاء التوتر الطائفي والعمل على بناء الثقة والتعاون في بناء الدولة. وهذا ما اعتبره المراقبون خطوة اولى من الأخوان كبادرة حسن نية في اتجاه اقتسام الكعكة اليمنية خلال المرحلة المقبلة مع الحوثيين المدعومين من ايران.
لكن هذا التوجه الأخواني لم يبلعه بعض مؤيديهم. وفي مقدمة الرافضين لهذا التقارب مع الحوثيين الناشطة الحائزة على نوبل السلام توكل كرمان التي وجهت خطابا انتقاديا لاذعا لقيادات التجمع اليمني للاصلاح وصفتهم فيه مباشرة بالعبيد قائلة انتم مجرد عبيد للقوة الغاشمة. لو انكم ذهبتم الى صعدة قبل اجتياح صنعاء لقلنا انكم اصحاب حوار ومحترفي سياسية.
وتجدر الاشارة الى ان رغبة الأخوان في ركوب موجة القوي في اليمن لم تعد خافية على احد، فهم كانوا اتبعوا الاسلوب نفسه في وقت سابق عندما مدوا ايديهم لـالمؤتمر الشعبي العام حزب الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح. واعربوا في الوقت نفسه عن ودهم للادارة اليمنية الرسمية التي يشرف عليها الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي. وتجدر الاشارة الى ان حزب التجمع اليمني للاصلاح ليس أخوانيا صرفا ففيه جهات مدعومة من السعودية وهذا ما مكنه من الحصول على مناصب وزارية في الحكومة اليمنية السابقة. وتسعى الرياض في هذه الفترة الى لم شمل التجمع للاصلاح مع الرئيسين اليمنيين السابق والحالي صالح وهادي في سبيل الحد من المد الحوثي في اليمن. وهكذا عاد حزب صالح الى داخل السلطة مع تولي خالد بحاح رئاسة الحكومة اليمنية الجديدة منذ تشرين الاول 2014 .
سوريا
ساهمت عوامل عدة عام 2014 في اضعاف دور الأخوان المسلمين في صفوف المعارضة السورية وقوى الائتلاف الوطني، ابرزها انطلاق العمليات العسكرية للتحالف الدولي ضد داعش دون مشاركة حقيقية فيه للجهات الخارجية الراعية للأخوان. وادى الانقسام المستمر في صفوف المعارضة الى نكسات كبيرة ميدانية لقوة المعارضة المسلحة عموما والجيش السوري الحر خصوصا فقد ادت غارات سلاح الجو الدولي التي استهدفت داعش الى غض النظر عن تصعيد الهجمات التي قام بها نظام بشار الأسد ضد الثوار المعتدلين ما ادى الى خسارة هؤلاء المزيد من المناطق التي كانت تحت سيطرتهم اما لجيش النظام واما لمقاتلي النصرة وداعش.
وفي ظل غياب الوضوح عن استراتيجية التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة تمسكت تركيا في لقاءاتها الديبلوماسية بخطها المطالب بالاطاحة ببشار الأسد واشترطت اقامة منطقة حظر جوي تمتد بمحاذاة الحدود التركية - السورية وبعمق يصل الى مدينة حلب ضمنا كي تنضم بشكل فاعل الى العمليات العسكرية التي تهدف للقضاء على داعش. ويأمل الأخوان في ان يؤدي اتفاق بين واشنطن وانقرة على اقامة منطقة آمنة في سوريا الى اجبار الأسد على تقديم تنازلات والجلوس الى طاولة المفاوضات لرسم الخريطة السياسية لمستقبل سوريا بحسب اعلان جنيف الصادر عام 2012. وفي هذا السياق اقترح الرئيس السابق للائتلاف الوطني السوري الأخواني احمد معاذ الخطيب مبادرة للحوار مع الأسد وبقاء الاخير مؤقتا في السلطة الى حين انجاز المرحلة الانتقالية وبناء مؤسسات دستورية ديموقراطية تحدد مستقبل سوريا.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00