أدت العقوبات الاقتصادية التي فرضها الغرب على إيران الى اطلاق النظام في طهران صراخه طالباً الصفح عن كل ما بدر منه وازعج المجتمع الدولي. وترجم النظام معاناته من خلال الاتيان بالرئيس الجديد حسن روحاني بزي معتدل وذلك في سبيل فتح صفحة جديدة في العلاقات الخارجية مغايرة كلياً عن صفحات التحدي وتكسير الرؤوس التي كتبها الرئيس السابق محمود احمدي نجاد. ونظرا لتاريخ إيران في المناورات السياسية والخداع فان المجتمع الدولي عموما والدول الغربية خصوصا لم تهضم بشكل تام حتى الآن هذا التغيير الجذري التي اعلنته إيران في سياستها الخارجية، وبالتالي فان صدقية طهران ستكون خلال النصف الاول من 2014 تحت المجهر بشكل لم يسبق له مثيل لمعرفة مصير الاتفاق النووي الذي ابرم معها في الربع الاخير من 2013 وكيفية المضي قدما في وضع حد لبرنامجها النووي العسكري بالتزامن مع تخفيف حدة العقوبات المفروضة عليها.
الشعب الإيراني يختار سياسة
الاعتدال والانقتاح
شهد النصف الثاني من العام 2013 عودة تيار الاعتدال الى كرسي الرئاسة في إيران بعد فوز حسن روحاني بالانتخابات الرئاسية الإيرانية وسط سخط عارم من التيار المحافظ المتشدد. لكن المرشد الأعلى علي خامنئي رأى في وصول روحاني مناسبة على إيران استغلالها في سبيل التوصل الى تخفيف عبء العقوبات الاقتصادية العالمية المفروضة عليها، ومن هذا المنطلق سمح للرئيس الجديد بشكل تدريجي بتحريك بوصلة السياسة الخارجية في اتجاه معاكس تماما لما كانت الامور عليه في ولايتي الرئيس السابق محمود احمدي نجاد. فبدأت المفاوضات النووية مع الدول الكبرى تحرز تقدما طال انتظاره من قبل المجتمع الدولي، كما اجريت مكالمات هاتفية غير مسبوقة منذ بروز البرنامج النووي الإيراني الى الواجهة بين كل من الرئيس الإيراني ونظيره الاميركي باراك اوباما وايضا مع رئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون. وازيلت مشاهد التنديد بالولايات المتحدة الاميركية كـشيطان اكبر من الشوارع الإيرانية واعادت لندن فتح علاقاتها الديبلوماسية مع طهران بعدما كانت اضطرت الى اقفالها خلال ولاية نجاد. ورغم ذلك فإن هذا التبدل في وجه إيران الخارجي لم يترسخ حتى الآن كسياسة رسمية حقيقية، اذ على الرغم من اعراب وزير الخارجية الإيراني الجديد جواد ظريف لنظرائه الغربيين استعداد إيران لاتخاذ خطوات ايجابية في الشرق الاوسط وتسهيل التوصل الى حلول سلمية ولا سيما في العراق وسوريا ولبنان، الا ان وجود الحرس الثوري الإيراني في سوريا استمر وكذلك مشاركة حزب الله في الصراع السوري ولم يغير قادة الحزب المؤتمر مباشرة من إيران في حدة خطابهم الداخلي اللبناني او يعربوا عن نيتهم الانسحاب من المشهد السوري. وتجدر الاشارة الى ان أبرز استطلاعات الرأي الموثوقة عالميا (غالوب) اثبتت في صيف 2013 ان اكثر من نصف الإيرانيين يناهضون دعم بشار الأسد ونظامه في سوريا.
ولم يصل النظام الإيراني الى قناعة بوجوب اعتماد سياسة خارجية أخرى إلا بعدما استنفد سياساته الاستفزازية ولا سيما في النصف الاول من العام. فبدأت طهران 2013 بحملة تخوينية طالت عددا من الصحافيين والاعلاميين ونشطاء الرأي. وقامت في كانون الثاني بتوقيف 11 صحافيا يعملون مراسلين لوسائل اعلام خارجية كهيئة الاذاعة البريطانية (بي بي سي) باللغة الفارسية وصوت أميركا، واطلعت إيران الوكالة الدولية للطاقة الذرية على نيتها تخصيب اليوارنيوم الى مستويات أهم وبوتيرة أسرع في منشأة نطنز وذلك في اطار سياسة التهويل التي حاول النظام الإيراني عبرها استفزاز المجتمع الدولي من أجل الحصول على بعض المكاسب في الملفات الدولية الاخرى التي تهمه.
ومع استعار الازمة في سوريا واشتداد تأثير العقوبات الدولية على الاقتصاد الإيراني، بدأت الخلافات في رأس هرم السلطة حول كيفية التعامل في المرحلة المقبلة مع المستنقع السوري والميزانية الهائلة من مليارات الدولارات المقدمة سنويا لماكينة القتل الأسدية من أجل الصمود، وبرز جناح أكثر تطرفا يؤمن بوجوب إكمال المعركة السورية حتى النهاية على قاعدة غالب ومغلوب. لكن خامنئي قرر اتخاذ موقف اكثر براغماتية فنأى بنفسه من تبني وجهات نظر هذا الجناح الذي روج على اثر فشل جولة مفاوضات مع دول الـ 5+1 في كازاخستان في نيسان الى ان إيران بدات بنشاطات نووية في منجمين لليورانيوم ومنشأة لتحويل المادة المشعة وبالتالي هي تزيد قدراتها على انتاج مواد نووية، فصدح صوت خامنئي مكررا خطابات سابقة له ان استخدام السلاح النووي يتنافي والتعاليم الاسلامية وان إيران بالتالي لا يمكن ان تستخدمه.
وقام النظام بفرض طوق رقابة مشدد قبيل موعد الانتخابات ولا سيما على شبكة الانترنت حتى انه وضع استراتيجية لإجبار الإيرانيين على استخادم شبكة من صنعه هو بدلا من الشبكة العالمية. وبعدما رفضت طلبات ترشيح كبار الاسماء الاصلاحية في البلاد كهاشمي رفسنجاني، اجريت الانتخابات الرئاسية في جو داخلي محموم ومتأثر جدا بحالة الاختناق الاقتصادية وهذا ما دفع اكثر من 50 في المئة من الناخبين الإيرانيين الى حسم المعركة منذ الجولة الاولى باختيار حسن روحاني رئيسا بدلا من الخيار المتشدد الذي كان متمثلا برئيس بلدية طهران محمد باقر قاليباف.
وهكذا جاء قرار الشعب الإيراني واضحا بأنه ينشد التغيير وسياسة اكثر انفتاحا على العالم، ولم يخيب روحاني امله فقام في ايلول بإطلاق سراح عدد من السجناء السياسيين ابرزهم السياسي الاصلاحي محسن امين زاده والمحامية الناشطة في الدفاع عن حقوق الانسان نسرين ستوده. واعلن في لقاء مع شبكة ان بي سي الاميركية ان إيران لن تصنع سلاحا نوويا. وجاءت اتصالاته مع الرئيس الاميركي باراك اوباما ورئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون على هامش لقاءات الامم المتحدة في ايلول لتظهر للعالم ان طهران ربما تكون جدية فعلا في سلوك طريق جديد مع الشرق الاوسط والعالم.
لكن ليس جميع الإيرانيين يوافقون الرئيس المنتخب على سياساته، فروحاني استقبل في طهران لدى عودته من نيويورك بأسلوبين مرحب ومستنكر. بعض الإيرانيين رأوا فيه بطلهم الجديد والبعض الآخر اعتبروه وصمة عار على جبين الامة الإيرانية، كيف لا وهو اول رئيس إيراني يتكلم مع نظيره الاميركي منذ نحو 3 عقود. المئات تجمعوا حول موكبه هاتفين شكرا روحاني لكنهم سرعان ما جوبهوا بمئات آخرين رشقوا موكبه بالاحذية والبيض هاتفين الموت لأميركا والموت لإسرائيل. ولم تكن مهمة الشرطة الإيرانية سهلة لفصل الفريقين عن بعضهم البعض.
وبحسب معلومات تناقلتها ابرز وسائل الاعلام الغربية فان روحاني نجا من محاولة انقلاب عندما نجح وزير خارجيته ظريف والوفد المرافق له في ابرام اتفاق نووي مع الدول الكبرى في جنيف في تشرين الثاني وان المحافظين المتشددين كانوا يتربصون به على امل الاطاحة به في حال فشل في التوصل الى اتفاق يخفف حدة العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران.
اتفاق نووي مع الدول الكبرى يدخل السياسة الجديدة انبوب الاختبار
هذا الاتفاق الذي تم التوصل اليه بعد مفاوضات شاقة لم يدخل فعليا حتى الآن حيز التنفيذ حيث ينتظر المجتمع الدولي ان تقوم إيران اولا ببدء تطبيق ما وعدت به على ان تقابلها الدول الكبرى بخطوات مماثلة لجهة تخفيف العقوبات عنها.
وفي ما يلي الأجزاء الرئيسية من الاتفاق الذي توصلت إليه إيران مع القوى العالمية للحد من برنامج إيران النووي مقابل تخفيف بعض العقوبات المفروضة على طهران.
ـ التزمت إيران بوقف التخصيب الذي يتجاوز نسبة خمسة في المئة وتفكيك التوصيلات الفنية المطلوبة للتخصيب بما يتجاوز هذه النسبة.
ـ التزمت إيران بتحييد مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة تقترب من 20 في المئة وتخفيف مخزونها الكامل من اليورانيوم المخصب بنسبة تقترب من 20 في المئة لما دون خمسة في المئة أو تحويله إلى صورة لا تناسب أي عمليات تخصيب أخرى وذلك قبل نهاية المرحلة الأولى. (تجدر الاشارة الى ان التخصيب بنسبة 20 في المئة يتيح صنع قنبلة نووية).
ـ التزمت إيران بوقف أي تقدم في قدرات التخصيب من خلال عدم تركيب أي أجهزة طرد مركزي إضافية من أي نوع.
ـ عدم تركيب أو استخدام أي من أجهزة الجيل التالي للطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم.
ـ تعطيل نحو نصف أجهزة الطرد المركزي التي تم تركيبها في نطنز وثلاثة أرباع أجهزة الطرد في فوردو بشكل يمنع استخدامها في تخصيب اليورانيوم.
ـ اقتصار انتاج أجهزة الطرد المركزي على الاجهزة الضرورية لابدال ما يلحق به الضرر من الالات حتى لا تتمكن إيران من استخدام فترة الأشهر الستة في تخزين كميات اضافية من أجهزة الطرد المركزي.
ـ عدم انشاء أي منشات إضافية للتخصيب.
كما التزمت إيران بوقف أي تقدم في ما يتعلق بزيادة مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 3.5 في المئة من خلال:
ـ عدم زيادة مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 3.5 في المئة بحيث لا تزيد الكمية في نهاية فترة الاشهر الستة عما كانت في بدايتها وتحويل أي كميات يتم تخصيبها من اليورانيوم بنسبة 3.5 في المئة إلى أكسيد.
والتزمت إيران بعدم تحقيق أي تقدم في الانشطة بمفاعل آراك ووقف التقدم في مسار استخلاص البلوتونيوم.
والتزمت إيران بما يلي:
ـ عدم تشغيل مفاعل آراك.
ـ عدم تزويد مفاعل آراك بالوقود.
ـ وقف انتاج الوقود لمفاعل آراك.
ـ عدم إجراء أي اختبارات أخرى للوقود بمفاعل آراك.
ـ عدم تركيب أي مكونات إضافية لمفاعل آراك.
ـ عدم نقل أي وقود أو مياه ثقيلة لموقع المفاعل.
ـ عدم انشاء أي منشأة قادرة على إعادة المعالجة.
وبدون إعادة المعالجة، لا يمكن لإيران فصل البلوتونيوم عن الوقود المستنفد.
والتزمت إيران أيضا بما يلي:
ـ إتاحة المجال بصفة يومية لمفتشي وكالة الطاقة الذرية لدخول نطنز وفوردو.
وسيسمح ذلك للمفتشين بمراجعة ما صورته الكاميرات لضمان المراقبة الشاملة. وسيوفر هذا شفافية أكبر لما يتعلق بالتخصيب في هذين الموقعين، ويقلل زمن رصد أي تجاوز في الالتزام بالاتفاق.
ـ إتاحة الفرصة لوكالة الطاقة الذرية للاطلاع على منشآت تجميع أجهزة الطرد المركزي.
ـ إتاحة المجال لوكالة الطاقة الذرية لدخول منشآت انتاج وتخزين مكونات أجهزة الطرد المركزي.
ـ إتاحة المجال لوكالة الطاقة الذرية لدخول مناجم اليورانيوم ومحطات تجهيزه.
ـ تقديم معلومات التصميم المطلوبة منذ فترة طويلة عن مفاعل آراك.
وسيتيح ذلك معلومات تفصيلية حساسة عن المفاعل لم تكن متاحة من قبل.
ـ إتاحة المزيد من الفرص للمفتشين لدخول مفاعل آراك.
ـ تقديم بيانات رئيسية معينة ومعلومات كانت مطلوبة بموجب البرتوكول الاضافي لاتفاقية الضمانات الإيرانية
مع وكالة الطاقة الذرية.
آلية التحقق من الالتزام: ستكون الوكالة الدولية للطاقة الذرية مطالبة بأداء الكثير من خطوات التحقق بما يتفق مع دور التفتيش المستمر الذي تضطلع به الوكالة.
بالاضافة إلى ذلك التزمت إيران والقوى الخمس زائد واحد بتكوين لجنة مشتركة للعمل مع وكالة الطاقة لمراقبة التنفيذ ومعالجة أي مشاكل قد تطرأ.
وستعمل اللجنة المشتركة أيضا مع الوكالة الدولية لتسهيل تسوية المخاوف السابقة والحالية في ما يتعلق ببرنامج إيران النووي بما في ذلك البعد العسكري المحتمل للبرنامج النووي الإيراني وانشطة إيران في بارشين.
تخفيف العقوبات بشكل محدود ومؤقت يمكن الرجوع عنه، في مقابل تلك الخطوات، ستقدم القوى الخمس زائد واحد تخفيفاً محدوداً ومؤقتاً وموجها يمكن الرجوع فيه في الوقت الذي تحافظ فيه على الجانب الأكبر من العقوبات بما في ذلك هيكل عقوبات قطاعات النفط والمال والمصارف.
وإذا أخفقت إيران في الوفاء بالتزاماتها ستتراجع الدول عن هذا التخفيف.
وبصفة خاصة التزمت القوى الخمس زائد واحد بما يلي:
ـ عدم فرض أي عقوبات جديدة في ما يتعلق بالبرنامج النووي لمدة ستة أشهر، إذا راعت إيران التزاماتها بموجب هذا الاتفاق فيما تسمح به نظمها السياسية.
ـ وقف عقوبات معينة على الذهب والمعادن النفيسة وقطاع السيارات الإيراني وصادرات إيران البتروكيميائية بما يتيح لإيران ايرادات تقترب من 1.5 مليار دولار.
ـ الترخيص باصلاحات في ما يتعلق بالسلامة وعمليات تفتيش داخل إيران لبعض شركات الطيران الإيرانية.
ـ السماح ببقاء مشتريات النفط الإيراني عند مستوياتها الحالية المنخفضة بشدة لمستويات تقل بنسبة 60 في المئة عما كانت عليه قبل عامين.
وسيتم السماح بنقل 4.2 مليارات دولار من حصيلة هذه المبيعات على دفعات إذا وفت إيران بالتزاماتها.
ـ السماح بنقل 400 مليون دولار من مساعدات التعليم الحكومية من الاموال الإيرانية المقيدة مباشرة إلى مؤسسات تعليمية معترف بها في دول ثالثة لتغطية المصروفات التعليمية للطلبة الإيرانيين.
صفقات إنسانية
ـ تسهيل الصفقات الانسانية المسموح بها حاليا بمقتضى القانون الاميركي. وقد أعفى الكونغرس الاميركي الصفقات الانسانية صراحة من العقوبات، ولذلك فإن هذا البند لن يتيح لإيران أي مصدر لارصدة جديدة.
والصفقات الانسانية هي المرتبطة بمشتريات إيران من الغذاء والسلع الاولية الزراعية والأدوية والأجهزة الطبية.
وسيتم أيضاً تسهيل الصفقات للمصروفات الطبية في الخارج بما يحقق الفائدة للشعب الإيراني.
حل شامل
ـ خلال المرحلة الاولى التي تستمر ستة أشهر، ستتفاوض القوى الخمس زائد واحد على الأسس العامة لحل شامل.
وحتى الآن يشكل الاطار العام للحل الشامل تصورا لخطوات ملموسة تمنح المجتمع الدولي الثقة في أن انشطة إيران النووية سلمية خالصة.
وفي ما يتعلق بالحل الشامل لم يتم الاتفاق على شيء. وعلى مدى الأشهر الستة المقبلة، ستحدد ما إذا كان هناك حل يتيح الثقة الكافية أن البرنامج الإيراني سلمي. وإذا عجزت إيران عن معالجة المخاوف، ستستأنف العقوبات والضغوط.
وقد تبنت الدول الكبرى والاتحاد الاوروبي هذا الاتفاق ووعدت بالوفاء بالتزاماتها المذكورة اعلاه بمجرد صدور تقرير عن لجنة المراقبة المشتركة للاتفاق يفيد بأن إيران فعلا تطبق من جهتها الالتزامات التي وعدت بها.
الاتفاق لم تستسغه اسرائيل واتخذت فرنسا موقفا حازما منه رغم تمريرها له في حين تتخذ الدول العربية موقف الحذر وتشدد على اهمية ان يفضي الاتفاق الى حل نهائي لمشكلة النووي الإيراني، كما يوجد انقسام حاد في الكونغرس الاميركي بشأنه وما يقلق النظام الإيراني ان الكونغرس الاميركي ابدى استعداده لتمرير قرار عقوبات جديد يشدد العقوبات على طهران اوتوماتيكيا بمجرد اخلالها بأي بند من بنود الاتفاق خلال الاشهر الستة المقبلة.
وفي ظل استمرار مسلسل الدمار في سوريا والكر والفر الديبلوماسي الاقليمي والعالمي بشأن الازمة السورية تنهي الاسرة الدولية عام 2013 بوضعها سياسة إيران الجديدة في انبوب اختبار لن تخرجها منه الا بعد النصف الاول من العام المقبل 2014 على الاقل. فما هي الصورة التي يرجح ان تكون عليها الامور في 2014؟
2014: علاقة خامنئي ـ روحاني الى أين؟
تمكن الرئيس الإيراني حسن روحاني في فترة قصيرة من لفت انظار العالم بخطاب سياسي غير معهود في إيران الاسلامية، فاعترافه بهولوكوست اليهود في المانيا النازية ودعمه لمعاقبة مرتكبي المجازر الكيميائية في سوريا ودعوته الى شرق اوسط خال من اسلحة الدمار الشامل وتحديده مهل زمنية لإنهاء معضلة البرنامج النووي الإيراني، كلها نقاط تثبت بأن لروحاني اجندة معاكسة تماما لأجندة سلفه محمود احمدي نجاد. ولكن الى اي مدى يمتلك الرئيس الجديد السلطة الكافية لتطبيق سياساته التي تعد بلعب دور ايجابي مستقبلا في الشرق الاوسط والعالم؟ وهل يرضى المرشد الأعلى علي خامنئي بما يقوله؟ ام انه يسمح له بما يريد من كلام خاصة في الفترة الراهنة حيث تحاول طهران المرور من عنق الزجاجة سواء حيال الازمة السورية وانقاذ الأسد من اي تدخل عسكري غربي او حيال اشتداد الضغوط الاقتصادية والمالية عليها.
المستقبل الإيراني ترسمه الى حد بعيد العلاقة بين المرشد الاعلى والرئيس، فإذا كان خامنئي فعلا اقتنع بأن الطريقة الافضل لإيران هي في الانفتاح على العالم والانشغال بتطوير اقتصادها عوضا عن السعي الى امتلاك اسلحة نووية فهذا يعني فعلا ان السياسة التي ستنتهجها إيران في السنوات المقبلة ستكون معاسكة تماما لسنوات نجاد التي كانت تنطق بلهجة القوة وترتكز على هيمنة السلاح سواء على الساحة الديبلوماسية او على مساحة الشرق الاوسط ، حيث توجد حكومات وميلشيات تدور في فلك إيران في كل من العراق وسوريا ولبنان وغزة.
هذه السياسة الايجابية اذا اعتمدت لا بد من ان تترجم خلال عام من الآن بوقائع ميدانية فتشهد سوريا حلا سياسيا تفاوضيا ينهي عهد آل الأسد في الحكم، ويخفض حزب الله من لهجته الفوقية في لبنان ويعود الى حجمه الطبيعي سياسيا كحزب يمثل شريحة معينة من المجتمع اللبناني كسائر الأحزاب الاخرى، وتشهد المفاوضات النووية مع البلدان الكبرى والوكالة الدولية للطاقة الذرية تقدما ملموسا وصولا الى الحل النهائي والدائم.
ويبقى مكمن الخطر قائما في سيناريو واحد هو اذا كان روحاني شخصيا مقتنعا بما يفعل، لكن خامنئي صامت عنه على مضض لأن سياسته تتماشى في الوقت الحالي مع ما يحتاجه النظام الإيراني ليتنفس قليلا بعدما شهد في العامين الاخيرين ضغطا خانقا اقتصاديا وسوريا. وهذا يعني انه بعد فترة سيظهر الانقسام واضحا داخل الادارة الإيرانية، عندها سيكون روحاني الشخصية الاولى المعرضة للاغتيال ولكن ذلك لن يتم قبل ان يكون الطرف المتشدد في النظام الإيراني قد انجز ما يريده وهو السلاح النووي الذي قد يكون بعد عامين من الآن قد اصبح واقعاً.
كل هذه الاسئلة قد يكون الوحيد في العالم القادر على الاجابة عليها هو خامنئي فقط لأنه هو من يمتلك السلطة الفعلية في إيران. وفي حال عدم الجدية في اتباع سياسة ايجابية فهذا يعني ان اللعبة تنطوي على مخاطر شديدة على النظام الاسلامي في إيران خاصة وان شعبية روحاني تنمو بشكل مطرد في اوساط الليبراليين والديموقراطيين والاصلاحيين الإيرانيين. وهذا ما يمكن ان يؤدي في حال كان روحاني مؤمنا فعلا بما يقوله الى بوادر حرب اهلية قد تندلع في إيران في اي وقت، خاصة عند اقتراب المهل الزمنية التي قد تبرمها الاسرة الدولية مع طهران لرؤية الساسية التي اعلن عنها روحاني تبصر النور افعالا على ارض الواقع.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.