فاجأ بابا الكنيسة الكاثوليكية بنديكتوس السادس عشر امس، العالم بإعلان استقالته من منصبه على رأس اكبر سلطة دينية في العالم مع نهاية شهر شباط الجاري، معللاً قراره هذا بتدهور حالته الصحية نظرا لكبر سنه (85 عاما) وعدم قدرته على تحمل مسؤوليات المنصب وواجباته لفترة اطول كما ينبغي. وبالتالي يكون قد امضى نحو 8 اعوام على رأس الكنيسة منذ انتخابه في نيسان 2005.
وتعتبر هذه المرة الأولى التي يستقيل فيها البابا من منصبه منذ غريغوريوس الثاني عشر عام 1415 اي منذ نحو 600 سنة (ستة قرون)، فعادة يستمر البابا في منصبه الى حين وفاته.
وقال بنديكتوس السادس عشر في بيان رسمي: بعدما راجعت ضميري مرارا امام الله، تأكدت ان قواي، بسبب تقدمي في السن، لم تعد صالحة للقيام بمهام الكرسي الرسولي. اضاف انا ادرك ايضا ان هذا الكرسي نظرا لطبيعتها الروحانية أساسا يجب ان لا تتم قيادتها فقط بالأقوال والأفعال ولكن ايضا بالصلاة والمعاناة.
وتابع البابا في عالمنا اليوم المتأثر بتسارع المتغيرات والمتعرض لهزات بسبب الأسئلة ذات الصلة بالحياة الإيمانية، فإن قيادة كرسي القديس بطرس ورسالة الإنجيل يستوجبان توافر القوتين العقلية والجسدية. قوتي الجسدية تدهورت تماما خلال الاشهر القليلة الماضية الى حد جعلني اعترف بالعجز عن القيام بالمهام المنوطة بي على نحو كاف.
المفاجأة لم تباغت الزعماء والشعوب فحسب بل ايضا المقربين من البابا في الفاتيكان، وهذا ما اكده الناطق بإسم الفاتيكان الأب فدريكو لومباردي في مؤتمر صحافي عقد على عجل امس: لقد فاجأنا البابا بقراره هذا. ينبغي وجود بابا جديد في الفصح. واشار الى ان المجمع البابوي سيلتئم لإنتخاب البابا المقبل خلال اسبوعين او 20 يوما وشدد على ان بنديكتوس السادس عشر لا يعاني من اي مرض او مشكلة صحية محددة.
وعند مغادرته منصبه ليل 28 شباط المقبل، سيتجه البابا المستقيل الى مقره غوندولفو خارج روما قبل ان يعود الى العاصمة الايطالية ليعيش في دير يقع في تلال الفاتيكان. واوضح جورج راتزينغر شقيق البابا ان الطبيب نصح اخاه بعدم القيام بأي سفر بعيد بسبب حالته الصحية ومنذ تلك النصيحة اصبح يفكر في الاستقالة فعليا. واشار الى انه في الآونة الاخيرة بدأ المشي يصعب عليه كثيرا لهذا فإن استقالته ناجمة عن المسار الطبيعي لحالته الجسدية.
وآخر تغريدة للبابا على تويتر قبيل اعلانه الاستقالة، قال فيها: يجب علينا الثقة بقوة رحمة الله. كلنا خطاؤون لكن فضله يغيرنا ويجددنا دائما.
واتبع بنديكتوس السادس عشر (المولود في بافاريا في المانيا واسمه الاصلي جوزيف راتزينغر) خلال ولايته سياسة محافظة جدا خصوصا في ما يتعلق بكيان الأسرة المسيحية وقيمها. وجاءت مواقفه دائما مناهضة للإجهاض والقتل الرحيم وزواج المثليين.
وخرجت الى العلن في ولايته بشكل غير مسبوق فضائح القساوسة المتعلقة بالتحرش الجنسي بالقاصرين، كما تعرض لإنتقادات حادة بسبب كلمة قال فيها ان الواقي الذكري ليس هو ما يحمي الناس من الأمراض الجنسية. ما اثار حفيظة ناشطي حقوق الانسان ومكافحي مرض الايدز الذين اعتبروا ان كلمات البابا قد تؤدي ببعض الناس الى عدم استخدام الواقي عند ممارستهم الجنس ما يتسبب ليس فقط بإنتقال عدوى الأمراض بل ايضا في ازدياد عدد المواليد في وقت تضج الأرض بالناس وتعاني البلدان ما تعانيه من مشاكل اقتصادية واجتماعية جمة. وهذا ما ادى الى تراجعه عن قوله بعد اشهر ليروج للواقي مشيرا الى انه يحمي انتقال الامراض الجنسية كالايدز ويمنع تفشيها.
وعقب اعلان الاستقالة امس، توالت ردود الفعل من القيادات العالمية التي اثنت على الولاية التي اضطلع فيها بنديكتوس السادس عشر بدور القائد الديني كما ينبغي، كما حيوا صراحته وشجاعته بشأن التنحي عن المنصب بسبب طعنه في السن وتدهور قدراته الجسدية. وارسل جميع قادة العالم برقيات شكر وصلوات وداع الى البابا واستذكر عدد منهم الزيارات التي قام بها الى بلدانهم واحد هؤلاء دايفيد كاميرون رئيس وزراء بريطانيا التي زارها البابا عام 2010.
عملية انتخاب البابا الجديد
يرجح مراقبون ان يكون البابا الجديد غير ابيض اما لاتيني من اميركا الوسطى والجنوبية او اسود من افريقيا نظرا لأن اعداد الملتزمين كاثوليكيا تزداد في تلك البلدان في حين انها تتقلص في البلدان الأوروبية. رغم هذه الترجيحات يبقى المرشح الأقوى لخلافة بنديكتوس الكاردينال الكندي ابيض البشرة مارك اويليت.
كيف ينتخب البابا المقبل؟
بعد مرور فترة ترواح بين 15 يوما كحد ادنى و20 يوما كحد اقصى على استقالة البابا او وفاته ينعقد مجمع الكرادلة في كاتدرائية السكستين وراء ابواب مغلقة وبعزلة تامة عن العالم الخارجي. وتبدأ دورات التصويت ولا يحق لأي كاردينال التصويت لنفسه. وتجري دورتان انتخابيتان في الصباح ومثلهما في المساء ويحترم جميع الكرادلة النتيجة ايا كان الكاردينال الذي يفوز بثلثي الاصوات فإنه يصبح البابا المقبل في حال قبل المسؤولية الملقاة على عاتقة واختار اسما بابويا لولايته. وتنتظر حشود الجماهير في الخارج لرؤية الدخان المتصاعد من السكستين فإذا كان اسود معنى هذا ان التصويت لم يحسم النتيجة بعد واذا كان الدخان ابيض فهذا يعني ان الفاتيكان اصبح لديه بابا جديدا.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.