عاش رباعي ربيع العرب؛ مصر وتونس وليبيا واليمن، في 2012 عامهم الثاني من الثورات المبشرة بربيع من الديموقراطية والحريات. فنور كرامة الإنسان، الذي بدأ يدخل منازل الشعوب العربية ويضيء طريق الأمل امام الأجيال الصاعدة في المنطقة، واصل للسنة التالية على التوالي اختراقه ستائر حالكة السواد كانت تعلب عقول الناس وتدجنها، لكن مخاض ما بعد الولادة يتسبب بآلام مفهومة ومُدركة، وبغض النظر عن سقطات هنا أو هناك، ومحاولات من قبل الفئات الحاكمة حالياً، خصوصاً في مصر وتونس، إسقاط أيديلوجيتها على المجتمع في إعادة لتجارب سابقة ثبُت فشلها، فإن حراك الشارع الذي لم يهدأ، أشاع أجواء من الطمأنينة بأن لا عودة إلى الأنظمة الحاكمة السابقة، بأي غطاء، دينياً كان أم غير ديني.
مصر
شهدت مصر خلال 2012 مراحل جديدة ومفصلية في تاريخها السياسي الحديث، فتمت محاكمة الرئيس المخلوع حسني مبارك، واشرف المجلس العسكري على إنتخابات رئاسية في البلاد ادت الى وصول الإخوان المسلمين الى الحكم وفوز مرشحهم محمد مرسي بالكرسي الرئاسي.
وفاجأ مرسي بعد استلامه السلطة بنحو اربعة أشهر فقط الشعب المصري بتعديل دستوري منح نفسه بموجبه صلاحيات أوسع يقدر من خلالها الإمساك بالبلاد بيد من حديد، وهذا ما اثار حفيظة جميع المصريين الذين لم يختاروه رئيسا والبعض ممن انتخبوه ايضا.
فعادت الجماهير الى ميدان التحرير في الاسابيع الاخيرة من العام، وبلغ الانقسام بين مؤيد للقرار الرئاسي ومعارض له الذروة ما دفع بالحكومة الى اجراء استفتاء شعبي حول تبني التعديل من عدمه. فجاءت النتيجة بالموافقة بنسبة بلغت 63% من أصوات المستفتين، لكن بنسبة اقتراع هبطت عن ثلث عدد من يحق لهم الاقتراع، ما أعطى المعارضة ورقة يمكن استخدامها لاحقاً في مواجهة شبق السلطة لدى تيار الاسلام السياسي.
ولم ينته العام 2012 الا وكان نائب الرئيس محمود مكي قد استقال من منصبه بسبب الاحتجاجات الشعبية وعدم موافقته هو شخصيا ربما على التعديلات المتسرعة التي اتخذها رئيس الجمهورية.
بدأ المصريون عامهم بإحياء ذكرى ثورة 25 كانون الثاني 2011 في ميدان التحرير. لكن سعادة مصر بهذا الانجاز لم تستمر طويلا حيث فاحت رائحة الموت والدماء من آخر مكان كان المصريون يتوقعونه وهو استاد بورسعيد لكرة القدم حيث انتهت اعمال شغب خلال مباراة لفريقي الأهلي والمصري بهرج ومرج مخلفة 73 قتيلا وفاتحة ندبة في وجه الرياضة المصرية لن تمحوها عمليات التجميل في المستقبل بسهولة.
ثم شهدت البلاد عرسها الديموقراطي الأول منذ استقلالها عن الانتداب البريطاني، واشرف المجلس العسكري على جولتين من الانتخابات الرئاسية ادت في الثانية الى فوز مرشح حزب الحرية والعدالة (اخوان) محمد مرسي بكرسي الرئاسة بعد تغلبه على آخر منافسيه محمود شفيق، فيما كان حل ثالثا في الدورة الأولى حامدين صباحي ويليه المرشح المنشق عن الاخوان عبد المنعم أبو الفتوح.
وتلا الانتخابات تشكيل حكومة مصرية جديدة برئاسة هشام قنديل. واحيل المشير طنطاوي والفريق سامي عدنان الى التقاعد قبل ان تتكبد القوات المصرية خسائر فادحة في الأرواح بعد اعتداء قام به مجهولون أودى بحياة 16 من عناصر الجيش المصري في صحراء سيناء. وانتقل التغيير الى السلك القضائي فأقيل النائب العام المستشار عبد المجيد محمود من منصبه.
وتجدد الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي، بعد عدوان عمود السحاب على قطاع غزة. وقاد الرئيس المصري الجديد جهود التهدئة عبر اتصالات اقليمية ودولية الى حين تم التوصل الى وقف اطلاق النار.
عمد مرسي في ظل هذا الانجاز الى تعديل الدستور وسط ذهول ملايين المصريين، ما دفع المعارضة إلى إعادة نصب خيامها في ميدان التحرير، وسط تنديد عواصم القرار العالمية ومنظمات حقوق الانسان بالتعديلات التي اجراها مرسي.
لكن مرسي وخلفه مرشدية الإخوان، أجرى الاستفتاء الشعبي على الدستور وجاءت النتيجة، بعد مقاطعة أكثر من ثلثي الشعب المصري، فوزا بأقل من ثلثي المقترعين. وعلى الرغم من ذلك اعتبر مرسي في خطابه الأول بعد إعلان نتائج الاستفتاء أن أغلبية الشعب المصري وبنسبة تلامس الثلثين وافقت على الدستور. أما الأزمة التي لا تزال تعصف بالشارع المصري، فهي قائمة، خصوصاً مع تدني الأداء الاقتصادي، وهو ما قد تستخدمه المعارضة في انتتخابات مجلس الشعب المقررة دستوريا بعد 60 يوما من الاستفتاء.
تونس
تمكنت الحكومة التونسية الجديدة بقيادة أمين عام حركة النهضة الاسلامية (اخوان) حمادي الجبالي من انهاء العام 2012 وهي على قيد الحياة. فالتيار الإسلامي، المعتدل نسبيا مقارنة بالأحزاب الإسلامية الأخرى كالسلفيين، تمكن من اجتياز المرحلة الأولى في الحكم الى جانب تيارات سياسية اخرى غريبة عن افكاره مثل حزب المؤتمر من اجل الجمهورية (وسطي علماني) والتكتل الديموقراطي من اجل العمل والحريات (اشتراكي ديموقراطي). ورغم اداء الحكومة البطيء جدا الا ان النهضة عرف كيف يسوق نفسه داخليا وخارجيا بأنه يمثل الإسلام السياسي المنفتح القادر على العمل مع التنظيمات السياسة الأخرى التي لا تتخذ من الدين دستورا لها.
واستمدت النهضة قدرتها على الصمود في 2012 مستندة إلى دعم شبكة الاخوان الاقليمية، كما كان لمؤسسها راشد الغنوشي دورا محوريا في تثبيت أقدام التيار في الحكم من خلال علاقات دولية متينة ولا سيما مع الدول الخمس الكبرى. وقد أقام تشاتام هاوس (المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية) في الجزء الاخير من 2012 حفلا تكريميا للغنوشي الذي كان امضى 21 عاما في لندن خلال فترة حكم زين العابدين بن علي، اي ان البريطانيين يعرفونه جيدا. سبب الجائزة بحسب المعهد اسهام الغنوشي في تطوير العلاقات الدولية خلال العام الماضي ولرؤيته الوسطية المعتدلة للإسلام السياسي. وكي لا يبدو الإحتفاء بالغنوشي نافرا رافقه فيه الرئيس التونسي المنصف المرزوقي الذي يدرك جيدا ان الغنوشي هو من اوصله الى الحكم لأن زعيم النهضة كان بإمكانه الترشح لكرسي الرئاسة والفوز بها.
هذه الثقة المستمدة من العلاقات الخارجية لم تكتمل على الجبهة الداخلية، حيث دفع اداء الحكومة في الملفات التي تهم الشعب الى اهتزاز ثقة شريحة واسعة بـالنهضة في حال استمرار الأمور في 2013 كما كانت في 2012.
ولم تتردد معظم أحزاب المعارضة في اتهام الحكومة بمحاولة إستنساخ ديكتاتورية جديدة بل ووصفها بعضهم بـالفاشية لجهة تجاهلها مصلحة البلاد ومطالب الشعب.
وعادت الإحتجاجات الى الشارع ولا سيما في محافظتي سيدي بوزيد والقصرين حيث تتفشى البطالة ويعاني الاقتصاد ما يعانيه، ما ادى الى اندلاع مواجهات عنيفة دموية بين الشرطة والمحتجين. ولم يقتصر الغضب على الشارع فقط بل تعداه الى النقابات المهنية فنفذ الصحافيون اضرابا عاما وهدد الاتحاد التونسي العام للشغل بالاضراب العام هو الآخر.
اقتصاديا، اقرت الحكومة بمواجهتها عدة مصاعب قبل امكانية تحقيق المستوى المرجو، فيما تستغل المعارضة بطء المبادرات الحكومية في التصدي للشلل الاقتصادي الذي يلف البلاد كي تحفز الشارع على التحرك ضدها بين الفينة والأخرى. ويعتمد المعارضون على آخر الاحصاءات الى تشير الى ارتفاع حجم المديونية الخارجية وازدياد نسبة التضخم، اضافة الى تفاقم عجز الموازنة العامة.
كل هذا الترهل الاقتصادي ادى الى ارتفاع حاد في عدد العاطلين عن العمل الذين تجاوز 800 الف وهو رقم يعتبر حدا ادنى ومرجحاً للإرتفاع خلال 2013 بسبب فرار المستثمرين الاجانب من البلاد وتراجع الدخل السياحي.
وتحاول الحكومة التصدي لحركات اصولية اسلامية بدأت تخلق مشاكل امنية في البلاد وتحاول فرض معتقداتها المتطرفة على مكونات المجتمع. وتحصل هذه المجموعات بطريقة او باخرى على الاسلحة من الدول المجاورة ولا سيما من ليبيا التي شهدت فلتانا امنيا كبيرا في 2012.
هذا المشهد ا الذي عرفته تونس في 2012 قد يتفاقم في 2013، اذا لم تقتنع الإدارة التونسية بأن الأوان قد حان لإتخاذ خطوات داخلية ملموسة لجهة ضمان الامن والحريات بما يسهم في دوران العجلة الاقتصادية مجددا، خصوصا وان تونس بلد يعتمد بدرجة كبيرة على قطاعه السياحي. وفي حال ازدهر هذا القطاع تعود الحياة في البلاد الى طبيعتها وتتقلص نسبة البطالة، ويتنفس التونسيون الصعداء مجددا.
ليبيا
جاء المشهد الليبي خلال 2012 مرتبكا ومضطربا ومشوشا. فحالة عدم اليقين تسود كل القطاعات بسبب فشل المجلس الوطني الليبي في مرحلة أولى ثم المؤتمر الوطني العام المنتخب في مرحلة ثانية من فرض هيبة الدولة بشكل واضح في البلاد. وعاشت ليبيا نوعا من الوهن السياسي تسببت به انقسامات وخلافات في صفوف الأطياف السياسية المتعددة ظهرت في صعوبة تشكيل الحكومة الجديدة خلال الأشهر الماضية. فغاب الدور الحقيقي للدولة مع انعدام الاستقرار والأمن الضروريان لقيام اي دولة على اسس صلبة.
هذه الحالة وان بدت مخيبة للآمال بالنسبة للمواطن الليبي إلا انها امر بديهي الحدوث في بلد خرج للتو من قبضة ديكتاتور كان يختصر على مدى عقود الأرض والناس ومؤسسات الدولة في شخصه.
توالت التشكيلات الحكومية خلال 2012 لكن الإخفاق والعجز السياسيين استمرا. وبدأت الدوامة منذ تشكيل المجلس التنفيذي للمجلس الوطني الإنتقالي وفشل حكومة عبد الرحيم الكيب في إحداث اختراق مهم في شتى القضايا الداخلية ما زاد من حالة الاحتقان السياسي في ليبيا. وهو احتقان راهن كثيرون انه سينتهي عقب انتخاب المؤتمر الوطني العام وتشكيل حكومة جديدة منتخبة ديموقراطيا، إلا ان هذا الرهان تبين مع الوقت انه كمن يسعى الى نقل الماء في جرة مكسورة. فقد أخفقت تشكيلة ألفها مصطفى أبو شاقور في نيل ثقة المجلس الوطني ما تسبب بإستقالته من منصبه والنأي بنفسه عن المشهد السياسي. فما كان من المؤتمر الوطني العام إلا ان انتخب علي زيدان مكلفا اياه تشكيل حكومة على وجه السرعة في مهلة اقصاها اسبوعان. فقام الأخير بتشكيل حكومة تكنوقراط خالية من الأسماء السياسية المعروفة ولا سيما المنتسبة الى الجماعات الإسلامية. وبقي الأخذ والرد حول ولادة هذه الحكومة العتيدة قائما حتى آخر ايام تشرين الاول عندما اقرت وسط احتجاجات واسعة من الشعب الذي طالب بإزالة بعض الأسماء منها نظرا لكونهم كانوا مقربين من نظام معمر القذافي.
وتجدر الإشارة الى ان زيدان انتخب بفضل اصوات تحالف القوى الوطنية التي فضلته على مرشح حزب العدالة والبناء الذي يدور في فلك جماعة الإخوان المسلمين محمد الهراري.
هذا الارتباك السياسي الحاصل في ليبيا غيب معنى الدولة وبالتالي ازداد التدهور الأمني. وادى الى سيناريوهات عجيبة غريبة وظهور ميليشيات مسلحة مختلفة في شتى المناطق. وتولت بعض هذه الميليشيات وبقايا القوى الثورية، التي لا تزال تحتفظ بالسلاح منذ ايام الإطاحة بالقذافي، تنفيذ القانون بقوة سلاحها في أغلب المدن، من دون نسيان الهجوم الذي نفذه متطرفون في ايلول الماضي على مبنى القنصلية الاميركية في بنغازي وادى الى مقتل السفير الأميركي في ليبيا كريستوفر ستيفنز وثلاثة اميركيين آخرين.
ولا تزال ليبيا تعيش بشكل واضح تداعيات زوال النظام السابق الذي لا يزال لديه مناصرون متعصبون عرقيا وقبليا، مصممون على الثأر والانتقام من المناطق التي ثارت ضده واطاحت به. وما اتاح المجال امام ازدياد المواجهات الدموية الإنتقامية وادخل ليبيا في نفق مظلم بسواد حرب اهلية محتملة هو الانقسام في صفوف الطبقة السياسية المنشغلة على ما يبدو بإقتسام الغنائم عن تثبيت نظام الدولة.
الوضع كما هو الآن لا يبشر بسنة جميلة على ليبيا، إلا في حال بروز قيادة جديدة في البلاد تفرض احترامها وتعمل على نزع فتيل الاحتقان الداخلي وتجريد الميليشيات المختلفة من اسلحتها سواء في بني وليد او غيرها من المناطق. وبالتالي ينبغي على السياسيين الليبيين في هذه المرحلة الدقيقة بالذات ان يتنبهوا ان مسؤوليتهم الأولى هي فرض دولة القانون وتنظيم صفوف جيشها والقوى الامنية واجراء مصالحة وطنية شاملة تنصف جميع مكونات المجتمع الليبي.
اليمن
بدأت اليمن عام 2012 بمغادرة علي عبد الله صالح الحكم اثر اتفاق تم التوصل اليه اواخر 2011، وجرت انتخابات رئاسية شكلية اواخر شباط حين استلم السلطة المرشح الوحيد لها عبد ربه منصور هادي. لكن الإنقسامات التي كانت سائدة داخل المجتمع اليمني لم تكن فترة انتقالية واحدة بقيادة الرئيس الجديد كافية لإنهائها، فبدأت مرحلة انتقالية ثانية بإنتظار حوار وطني شامل يؤمل ان يبصر النور في العام 2013. ويعتبر التحدي الرئيسي للإدارة الجديدة في الفترة القريبة المقبلة اعادة هيكلة الجيش اليمني وتنظيم صفوفه التي انعكست عليها اوتوماتيكيا الشروخات الحاصلة في البلاد منذ ايام صالح.
ابرز الوقائع الايجابية التي عاشتها اليمن في 2012 كانت الهزائم المتكررة التي الحقت بتنظيم القاعدة، لكن بالرغم من ذلك بقي الهاجس الأمني مصدر قلق كبير للسلطات والشعب والقوى الاقليمية والعالمية حيث ازدادت نسبة عمليات الخطف ولا سيما في الجزء الأخير من العام المنصرم. وبدت المساعدات الدولية القادمة من اصدقاء اليمن مترهلة وغير منظمة نظرا للوضع المؤسساتي الذي لا يزال قيد التطوير في البلاد، فساد الركود الإقتصادي طوال العام رغم تعهدات كبيرة من المانحين والمستثمرين.
واصدر الرئيس اليمني في 19 كانون الاول مجموعة قرارات تهدف الى اعادة تنظيم صفوف الجيش وتوحيدها. وحدد هادي من خلال هذه القرارات المكونات الرئيسية للقوات المسلحة، واضعا اطرا تقسم الجيش كما اي جيش منظم آخر في العالم الى قوات برية وجوية وبحرية وحراس حدود، بالإضافة بالى ما اسماه الإحتياطي الإستراتيجي الذي يضم تشكيلات ووحدات يمكن توزيعها على الأقسام السابقة بحسب الحاجة والإختصاص. ونصت القرارات ايضا على إقصاء اقارب الرئيس السابق علي عبدالله صالح من المناصب القيادية في صفوف الجيش. وبالتالي أقر تعيين العميد احمد علي المقدسي رئيسا لأركان قوات الامن المركزي بدلا من العميد الركن يحيى محمد عبدالله صالح (ابن اخ الرئيس السابق). واصبح اللواء الركن عبد ربه أحمد القشيبي قائدا لقوات العمليات الخاصة مكان احمد علي عبدالله صالح (نجل الرئيس السابق). واعتبرت هذه التدابير الدفعة الثالثة من القرارات المنظمة لصفوف الجيش بعد خطوات سابقة قام بها منصور هادي في ربيع وصيف 2012.
وكانت الامم المتحدة عبر موفدها الى اليمن جمال بن عمر تمكنت في تشرين الثاني بعد مشاورات مضنية من التوصل الى اتفاق على المعدل التمثيلي للقوى والاحزاب السياسية التي ستشارك في مؤتمر للحوار الوطني الشامل، ورغم ذلك اصرت فصائل الحراك الجنوبي على المطالبة بتقسيم اليمن والانفصال عن الشمال رافضة الدعوات التي وجهت اليها للمشاركة في الحوار.
هذا الانقسام يضع الإدارة اليمنية والمجتمع الدولي في حيرة من امرهما، فالجنوبيون يشترطون للمشاركة في اي طاولة حوار ان يتم الاعتراف بحق شعب الجنوب في تقرير مصيره. ليس هذا فحسب بل يطالبون ايضا بعقد جلسات الحوار المتعلقة بقضية الجنوب خارج البلاد وان تعطى الاولوية في قيادة وحدات الجيش وقوى الامن المتواجدة في جنوب اليمن لأبناء محافظات الجنوب. وهذا يعني ان رضيت به الاطراف الأخرى في البلاد تقسيما واضحا لليمن الى دولتين شمالية وجنوبية.
ومؤتمر الحوار الوطني كان في صلب المبادرة الخليجية لتسوية الازمة في اليمن وآليتها التنفيذية، وهي المبادرة التي انهت عقودا من حكم صالح وانقذت البلاد من شر حرب اهلية كانت لتسمر نيرانها فترة اطول لولا جهود دول مجلس التعاون. هذا المؤتمر الذي ينتظر اليمنيون والعرب والعالم بفارغ الصبر عقده في 2013 سيناقش قضايا اساسية عدة ابرزها صياغة دستور جديد للبلاد وايجاد حل جذري عادل لقضية الجنوب وكيفية التصدي للتوتر الدائم في اقليم صعدة الذي عاش اهله حروبا شبه دائمة بين قوات النظام السابق والحوثيين.
اقتصاديا، استمرت معاناة اليمن عاما آخر كونها بلداً يعتمد بشكل رئيسي على صادرات النفط والغاز. وادت المشاكل الامنية والعمليات الارهابية والتوترات الداخلية الى تعطيل العديد من المشاريع وتوقف انتاج النفط والغاز بين الفينة والأخرى بسبب اعمال ارهاب تخريبية كانت تستهدف المواقع المنتجة للطاقة. وقدرت الحكومة اليمنية خسائرها في قطاع الطاقة في العام 2012 بأكثر من نصف مليار دولار اميركي ومرد ذلك بشكل اساسي الى اعمال التخريب التي طالت انابيب النفط والغاز.
لكن الخسائر ايضا شملت قطاعات أخرى بينها الاتصالات، فقد اعلنت وزارة تقنية المعلومات والاتصالات في تقريرها السنوي ان خسائر اليمن في هذا القطاع تجاوزت 11 مليون ونصف مليون دولار اميركي بسبب اعمال تخريبية استهدفت شبكة الألياف الضوئية التي تؤمن شتى انواع الاتصالات في اليمن. ولم تسلم خطوط الكهرباء من مصير مشابه ايضا في بعض المناطق.
وبحسب تقارير الفساد السنوية التي تصدرها منظمة الشفافية الدولية، فإن هذه الآفة الهادمة لنهوض الدول لا تزال مستشرية على نطاق واسع في اليمن الذي صنف في المركز الخامس عربيا، خلف الصومال والسودان والعراق وليبيا، والـ21 عالميا ضمن قائمة تضم الدول الأكثر فسادا في العالم تتصدرها الصومال. وصنف اليمن ايضا كثاني بلد في العالم من ناحية سوء تغذية الأطفال بعد افغانستان، وهذا مؤشر سيئ جدا مع تأكيدات منظمات انسانية عالمية ان معدل سوء التغذية للأطفال اليمنيين دون سن الخامسة تخطى ضعف عتبة الطوارئ المتعارف عليها دوليا.
هذا الوضع الاقتصادي حث المانحين من مجموعة اصدقاء اليمن الى التعهد في ايار وايلول الماضيين خلال لقاءات في الرياض بتقديم اكثر من 10 مليارات دولار لدعم المشاريع الإنمائية في اليمن. لكن هذه التعهدات تحتاج كي تغير الامور بشكل ملموس الى توافر العامل الأمني المستقر وهو ما تفتقده اليمن لحد الآن. فرغم انتصارات حققها في 2012 الجيش الميني ضد تنظيم القاعدة وفلوله بمساعدة خبراء غربيين شهد العام، إلا ان مشاكل جديدة ظهرت على شكل عصابات مسلحة منظمة كثفت عملياتها في العاصمة صنعاء والمدن الكبرى.
وتمكن الجيش اليمني بمساعدة اللجان الشعبية من اخراج فلول ارهابيي القاعدة من مدينتي جعار وزنجبار في محافظة ابين ومدينة عزان في محافظة شبوة (شرق). هذه الانتصارات المتتالية دفعت بالتنظيم الارهابي الى استعادة اساليبه الدموية السابقة من عمليات اغتيال وتفجيرات ارهابية استهدفت بشكل مركز ضباط الجيش وقوى الأمن وقادة اللجان الشعبية التي لعبت دورا رئيسيا في دعم الجيش ضد القاعدة. واكثر الأحداث الأمنية دموية التي شهدها اليمن عام 2012 كان دون شك التفجير الارهابي في ميدان السبعين في صنعاء في شهر ايار وتسبب الاعتداء بمقتل 93 من قوات الامن المركزي وجرح 222 شخصا لا يزال عدد منهم يرقد في المستشفيات حتى الآن. كما ادى هجوم انتحاري على مجلس عزاء في منزل احد قادة اللجان الشعبية اوائل شهر آب الى مصرع 45 شخصا واصابة 40 آخرين بجروح. كما تمكنت القاعدة من اغتيال قائد المنطقة العسكرية في جنوب اليمن اللواء سالم قطن الذي سجل انتصارات عدة ضد التنظيم الارهابي في الفترات التي سبقت اغتياله.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.