8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

سوريا 2012: الأسد يفقد السيطرة

شهد العام 2012 عسكرة الثورة السورية التي كانت سلمية بحتة في اشهرها الأولى عام 2011. ومرد ذلك الى سياسة دولية باردة ادارتها واشنطن تجاه الأزمة، ما اضطر الثوار السوريين الى حمل السلاح دفاعا عن عائلاتهم وممتلكاتهم في وجه ماكينة القمع البعثية التي بطشت كما لم يبطش احد من قبل، وجاءت تحركاتها القاتلة بمباركة من حليفين رئيسيين للنظام هما ايران وروسيا وبغض بصر واضح من العملاق الصيني.
وجاء العام قاسيا جدا على الشعب السوري حيث سقط اكثر من 45 الف قتيل منذ بداية الثورة في آذار 2011، وتجاوز عدد النازحين في الداخل المليون، واللاجئين الى الخارج نصف مليون موزعين على دول الجوار: العراق وتركيا ولبنان والأردن. والسبب الرئيسي لتدهور الاوضاع الى هذا الحد، هو تقاعس المجتمع الدولي عن تحمل مسؤولياته، ووضع الروس والايرانيون دعمهم الكامل خلف نظام بشار الأسد فسددت طهران رواتب قوات النظام في حين قامت موسكو بطبع ليرات سورية كافية لإخراج النظام من ضائقة السيولة التي تسببت بها العقوبات الدولية الاميركية والاوروبية التي قطعت اوصاله المالية الى حد بعيد. ولم يوفر رئيس فنزويلا هوغو تشافيز دعمه هو الآخر لصديقه السوري فأرسل ناقلاته النفطية لتزويد ماكينة القتل البعثية بالديزل الذي يضمن لها الاستمرارية.
لكن مع حلول الصيف بدأت دعائم النظام تنهار بعد انشقاق اسماء كبيرة فيه ونجاح عملية اغتيال (فالكيري في مبنى الامن القومي في دمشق) استهدفت ابرز قياداته العسكرية. وما كادت سنة 2012 تنقضي حتى أدركت ايران انها خسرت معركتها الرئيسية في سوريا في حين بدأت روسيا تنأى بنفسها رويدا رويدا عن النظام الآيل الى السقوط.
ومع ازدياد الخناق الضاغط على عنق الأسد، اضطر كبار ضباطه الميدانيين الى التدرج في الأسلحة التي يستخدمونها للجم الثوار الذين بدأوا بتحرير المدن والمناطق الواحدة تلو الأخرى بعد احتلالهم عددا من الثكنات العسكرية وحصولهم على مخازن الاسلحة فيها، مما ساعدهم مع مرور الوقت الى بلوغ درجة جيدة من التسلح وعديد اكبر من المقاتلين ابرزهم المنشقون عن جيش النظام والمنضمون الى صفوف الجيش الحر.
وهكذا انقلب ميزان المعركة تدريجيا الى صالح الثوار، ووجد النظام نفسه بعدما كان يقاتل بالدوريات والوية المشاة والقناصة، يعتمد على الدبابات والآليات العسكرية الضخمة، ثم ما لبث بعد فشله في السيطرة على الأوضاع ان لجأ الى سلاحه الجوي المعتمد بالدرجة الاولى على مقاتلات الميغ الروسية الصنع. لكن هذا الحل لم يكن ناجعا ايضا حيث اسقط الثوار عشرات الطائرات العسكرية ما دفع بالنظام الى التلويح بالحلول الاخيرة وهي صواريخ السكود والأسلحة الكيميائية.
هذا الطريق المسدود الذي وصل اليه الاسد ورجاله مع نهاية العام، لم يتشكل حائطه فقط من تقدم ميداني ملحوظ للثوار الذين وصلوا على تخوم العاصمة دمشق، انما ايضا ساهم في بنائه توصل المعارضين السياسيين الى كيان موحد يدعى الإئتلاف الوطني للثوار والمعارضة السورية اعلنت نحو مئة دولة اعترافها به ممثلا شرعيا للشعب السوري. وما زاد من سواد المشهد امام البعثيين اعلان حلف شمال الاطلسي (ناتو) ارسال منظومة صواريخ باتريوت ستنشر على الحدود التركية السورية مطلع العام 2013، وتأكيد رئيس اركان القوات المسلحة البريطانية دايفيد ريتشاردز وضع بلاده مع شركائها الداعمين للشعب السوري خطط طوارئ عسكرية تتيح تسليح الثوار وارسال قوات بريطانية الى المنطقة لتجهيزهم وتدريبهم قبل بداية الجولة الحاسمة والاخيرة من المعركة الماراثونية التي تكاد تكمل عامها الثاني.
الدابي وأنان في خبر كان
لم تعرف ازمة انسانية في العالم المعاصر تقاعسا دوليا كالذي شهدته الأزمة السورية هذا العام، وما ساهم في هذا الكسل الدولي اجراء انتخابات رئاسية في بلدين من الدول الخمسة الدائمة العضوية في مجلس الامن هما فرنسا والولايات المتحدة الاميركية. فصوت الأولى خفت حدته مع وصول الاشتراكيين الى الحكم، فيما امضت الثانية الاشهر العشرة الاولى من العام في المفاوضات الديبلوماسية المطاطة التي بدأت العام مع استمرار عمل بعثة مراقبين الجامعة العربي برئاسة مصطفى الدابي، الذي سرعان ما فضح امر دورانه في فلك النظام البعثي، ما ادى الى استقالته وسحب افراد البعثة من الأراضي السورية الى غير رجعة. ثم كانت المبادرة الاممية ـ العربية بتعيين مبعوث مشترك الى سوريا هو الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان، لكن مساعيه على مدى اشهر لوقف اطلاق النيران وتطبيق خطة وضعها باءت كلها بالفشل ما ادى الى استقالته من منصبه. وافضل ما توصل اليه انان في تلك المساعي كان اجتماع جنيف الذي عقد اواخر حزيران بإشرافه وتوصلت فيه الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الامن روسيا والصين وفرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الى اتفاق على ان يحدد السوريون مستقبل بلادهم بان يجلس مندوبون عن النظام مع ممثلين عن المعارضة على طاولة انان ويتم اختيار اشخاص من الطرفين لتشكيل حكومة مؤقتة تدير مرحلة انتقالية للسلطة في البلاد. لكن الاتفاق لم يتم احترامه لأن لندن وباريس وواشنطن والمعارضين السوريين اصروا على شرط رحيل بشار الاسد للجلوس الى طاولة انان فيما تمسكت بكين وموسكو والنظام السوري ببقاء الاسد والحوار على هذا الاساس.
الابراهيمي: مهمة مستحيلة
لكن تبدل الامور ميدانيا لصالح الثوار في الاشهر الاخيرة، دفع روسيا الى تغيير موقفها بشكل تدريجي واعترافها بان الأسد فقد سيطرته على البلاد وفشل في حسم الصراع عسكريا، في حين ان ايران وان ابدت استمرار تمسكها بالأسد الا ان ديبلوماسيين ايرانيين اكدا لمعارض سوري مقرب من طهران بحسب صحيفة لوفيغارو الفرنسية بأن موديل الاسد انتهى. وهذا يعني بشكل واضح ان طهران وموسكو تديران المفاوضات الآن للحصول على ضمانات تحفظ مصالحهما في سوريا المستقبل. من هذا المنطلق يحمل الموفد العربي ـ الاممي الجديد الأخضر الإبراهيمي طبق جنيف الذي اعادت واشنطن وموسكو تسخينه كمبادرة الفرصة الأخيرة لبشار الأسد كي يحفظ رأسه ويغادر سوريا. وتقوم المبادرة على ان تتفق كوادر نظامية يرأسها نائب الرئيس السوري فاروق الشرع مع الإئتلاف الوطني المعارض على تركيبة حكومة وحدة وطنية تقود البلاد الى حين اجراء انتخابات تشريعية ثم رئاسية.
ومع الابراهيمي يبقى بصيص امل ضئيل للرئيس السوري كي ينجو بنفسه عبر طبخة سياسية عالمية اسمها طبق جنيف تقوم واشنطن وموسكو بإعادة تسخينه بعدما وضع في الثلاجة على مدى شهور ما ادى الى اعتزال طاهيه كوفي انان المطبخ السياسي في سوريا. واتفقت زيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون ـ التي غادرت منصبها مع نهاية العام 2012 ليحل مكانها السيناتور جون كيري ـ مع نظيرها الروسي سيرغي لافروف على إعادة الترويج لاتفاق جنيف معدلا عبر المبعوث الدولي ـ العربي الاخضر الابراهيمي.
وقالت الوزيرة الاميركية لقد راجعت مع الوزير لافروف التطورات الخطيرة للغاية في سوريا. واتفقنا على الالتزام بدعم وساطة جديدة يقودها الإبراهيمي ويعمل من خلالها مع جميع الاطراف في سوريا من اجل البدء بعملية انتقالية. ثم عادت لتثني على اللقاء لقد كان لقاء مهما ولكنه فقط البداية.
ويتوقع ان يطلب الإبراهيمي من الإئتلاف الوطني لقوى المعارضة السورية ومندوبين عن النظام السوري يقودهم نائب الرئيس المهمش فاروق الشرع، اقتراح اسماء مرشحة لأخذ مقاعد في الحكومة التي ستدير المرحلة الانتقالية مع منح كلا الطرفين حق الفيتو على اي مرشح يطرح اسمه ويعتبر مرفوضا تماما من احد الفريقين.
وهذا يعني اولا ان الإئتلاف لن يجلس على الطاولة قبل ان يحصل على الشرط الأول وهو تنحي الأسد، ثانيا عندما يجلس المعارضون على الطاولة سيملك الفريق الذي يتفاوض ممثلا النظام، القدرة على رفض اي اسم معارض ولا سيما من الذين يعتبرون من السنة المتطرفين. وهكذا يرجح في حال ابصر هذا الحل السياسي النور ان يتم اعتماد الاسماء الاكثر اعتدالا لدى الطرفين ليتمكن هؤلاء من العمل كفريق واحد في حكومة وحدة وطنية تدير المرحلة الانتقالية من اجل اخراج البلاد من ورطتها.
وتبقى مهمة الشيف الإبراهيمي في نظر العديد من الخبراء الواقعيين شبه مستحيلة، إلا اذا اقتنع الأسد اخيرا بمغادرة السلطة وادرك ان هذه هي النافذة الأخيرة التي تركت مفتوحة له للخروج إلى المنفى وإلا فعاجلا ام آجلا سيحتل الثوار آخر مرتع له داخل سوريا. فإذا لم يستخدم الكيميائي سيخسر المعركة وان طالت اشهرا اخرى، واذا استخدمه سيجد طيران حلف شمال الاطسي يحلق فوق قصره في غضون دقائق.
وهذا السيناريو يعتمد على قرار الأسد بالدرجة الأولى لو كان هو فعلا يملك قراره بيده، لكن آخر الاشارات القادمة من قلب سوريا والتحركات الديبلوماسية المحمومة التي يقوم بها الروس والايرانيون والتصريحات الصادرة عن الديبلوماسيين في موسكو وطهران تؤكد ان الأسد يرغب جدا في انقاذ رأسه من المقصلة لكن حلفاءه لن يسمحوا له بإعلان هذا الموقف والمغادرة قبل ان يحصلوا على ضمانات لمصالحهم في سوريا الجديدة. وهذا يعني ان الصراع الدائر ميدانيا في هذه الآونة هو فقط لكسب المزيد من الوقت كي يتم بيع مصير الأسد بالمزاد العلني بسعر يناسب طموحات موسكو وطهران، ومن هذا المنطلق قد يتجه الأسد وحاشيته للتحصن في جبال العلويين قرب ساحل المتوسط حيث بإمكان قوات النخبة من المغاوير المخلصين له الصمود اشهرا اخرى في وجه الثوار، هذه الشهور تكون اعطت الايرانيين والروس الفترة الزمنية التي يحتاجون لضمان مصالحهم في البلاد اما من خلال المفاوضات او عبر دس شخصيات سورية تابعة لهم في صفوف الحكومة المقبلة التي ستدير العملية الانتقالية.
وبما ان ايران تعاني ما تعانيه من مشاكل اقتصادية ومالية جمة بسبب العقوبات الدولية المفروضة ضدها بسبب برنامجها النووي، وعدم رغبة روسيا في اختلاق مشاكل جدية لمصالحها في المنطقة، فعلى الأرجح لن يسعى البلدان الى تصعيد ميداني للأزمة انما سيقومان بإعلان الأسد خارج السلطة بمجرد وصول مفاوضاتهم مع المعارضين السوريين والاطراف الدولية الاخرى الى صيغة ما تضمن لهم الحد الادنى من الوجود الاستراتيجي والاقتصادي في سوريا بعد الاسد. لكن تبقى الخطوات التصعيدية واردة جدا في حال اقحم النووي كلا من الولايات المتحدة واسرائيل في حرب ضد ايران قبل انهيار النظام السوري، فحينها فقط قد يلجأ النظام الإيراني الى لعبة كل شيء او لا شيء وعندها تفتح ابواب جهنم حقيقية على المنطقة من ايران وصولا الى اسرائيل مرورا بالعراق وسوريا ولبنان ولا احد يعلم كيف تنتهي وكم من الخسائر البشرية يذهب ضحيتها.
(التتمة ص12)

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00