8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

عقارب ساعة الأسد تشارف التوقف

بتوافق حلف شمال الاطلسي (ناتو) رسميا في اجتماع وزراء خارجيته في بروكسل على نشر منظومة صواريخ باتريوت دفاعية على الحدود التركية السورية في غضون اسابيع، تكون الأزمة السورية دخلت في الساعات الأخيرة من مرحلة الحسم.
وبالتوازي مع قرار الناتو يبدو أن الموقف الروسي بات أقل حدة، فالرئيس فلاديمير بوتين رغم اعلانه من اسطنبول اول من امس ان الاختلاف في وجهات النظر مع الأتراك بشأن الثورة السورية لا يزال قائما، إلا ان اقراره بأن الخروق السورية للحدود التركية مستفزة، ما يعني بشكل واضح ان بلاده وان اعربت عن قلقها للتحرك التركي ـ الاطلسي، فإنها تتفهم الخطوة وان كانت تفضل ان لا تتم.
وتدرك موسكو جيدا ان الوقت لا يسير في صالح سياستها المعلنة من الأزمة، ولهذا فهي لن تتأخر في إعلان توجه جديد خلال الاسابيع المقبلة. وهذا ما جاء واضحا في كلام الرئيس الروسي في اسطنبول لدى روسيا وتركيا افكار جديدة حول تسوية الازمة السورية، لكن من السابق لأوانه الكشف عنها.
بالطبع ليس من الممكن لروسيا ان تغير موقفها بشكل جذري بين ليلة وضحاها، لكنها قد تكون رفعت سرا غطاءها عن بشار الأسد. فتوقيت خروج الرئيس الاميركي باراك اوباما ليوجه انذارا صارما الى الأسد بأن العالم كله يراقب حركة السلاح الكيميائي، لم تتسبب به فقط مجرد معلومات استخبارية عن تحركات مريبة في مخازن الأسلحة هذه، انما حدث بشكل رئيسي على ضوء نتائج لقاء بوتين ورئيس وزراء تركيا رجب طيب اردوغان. فقد افاد مسؤول تركي رفيع المستوى صحيفة نيويورك تايمز الأميركية عقب لقاء بوتين واردوغان بأن روسيا وافقت على محاولة اقناع بشار الأسد بمغادرة السلطة. وهذه المرة الأولى التي تتكلم فيها موسكو بنبرة اكثر ليونة حيال الأزمة السورية.
وتناقلت وسائل اعلام بريطانية امس ان بوتين وعد ببذل جهده لإقناع الأسد لكنه حتما لا يمكنه اجباره على التنحي في حال قرر التشبث بالكرسي حتى الرمق الأخير. وتحاول روسيا ايجاد حلفاء جدد لها في اوساط المعارضة السورية ولهذا فإنها كما اعلن نائب وزير خارجيتها ميخائيل بوغدانوف ستكثف لقاءاتها مع المعارضين السوريين.
وفي انتظار عثور روسيا على ضالتها في هذا المسعى الذي بدا واضحا في كلام بوتين في تركيا لسنا محامي دفاع عن نظام الاسد لكن ما يقلقنا هو ما سيحصل في المستقبل، ما يعني بالأحرى رغبته في قول من سيحكم سوريا في المستقبل؟ ومدى استعداده للتعاون مع روسيا.
وباب الخروج للأسد الذي فتحه رئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون خلال تصريح صحافي له الشهر الماضي وتركه مواربا يبدو انه يقترب من ان يوصد في وجه الرئيس السوري، وهذا ما المحت اليه كلمات بان كي مون الاخيرة التي شدد من خلالها ان لا مفر من العدالة وان الامم المتحدة لا يمكن ان تسهم في تسهيل عملية افلات من العقاب. وفي هذا الإطار، قد تكون جولة نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد الى اميركا اللاتينية هدفت بالدرجة الأولى، ولا سيما من خلال رسالة الأسد الى رئيس فنزويلا هوغو تشافيز، إلى ايجاد ملاذ آمن للأسد وعائلته. ولكن فنزويلا هي ايضا الدولة التي استمرت بالتواصل مع الديكتاتور الليبي معمر القذافي وسرت شائعات بهروبه اليها قبل ان ينفي ذلك ثم يلقى حتفه على ايدي الثوار. فهل يتشابه مصير الصديقين الى هذا الحد؟
ان كل ما حصل من تحركات في الساعات الاخيرة التي تلت القمة الروسية ـ التركية، يشير الى ان موعد الحسم قد اقترب. فالأمم المتحدة سحبت عددا من موظفيها العاملين على الأراضي السورية وقلص الإتحاد الاوروبي حجم بعثته هناك. والناطق بإسم الخارجية السورية جهاد المقدسي، الذي يرى بعض المراقبين انه ربما كان بمثابة حصان طروادة داخل دمشق لجهاز استخباري غربي، أعطي الإشارة الخضراء بضرورة القفز من المركب الغارق.
ويحلق محللون اخباريون بعيدا الى سيناريو محتمل ان يكون المقدسي خرج من سوريا لإتمام صفقة ابرمها مع الأسد، بأن يقوم الأول بجولة على الحكومات العالمية لعله يجد لرئيسه طريقة تنقذه من مصير قاتم. وهذا السيناريو يكون ذا صدقية في حالة واحدة فقط هي ان بشار الأسد وما تبقى من نظامه البعثي المتهالك مجبرون على البقاء في دمشق كأسرى لدى الحرس الثوري الإيراني الذي يدير فعليا المعركة ميدانيا ضد الشعب السوري.
ويقول خبراء غربيون ان ايران ادارت المعركة تقريبا منذ البداية وحاول الأسد ايضاح وضعه للمجتمع الدولي عبر اللقاء المتلفز الذي اجرته معه شبكة اي بي سي الاميركية العام الماضي عندما اعتبر انه لا يملك الجيش السوري، وكأنه اراد القول لم اعد صاحب القرار هنا وكلمتي لا تقدم ولا تؤخر. وما يضفي نوعا من المعنى لهذا السيناريو هي التقارير الأخيرة التي اوردتها وكالة اسوشييتد برس عن مصادر حكومية اميركية بأن اجهزة الاستخبارات الغربية رصدت اتصالات قام بها فيلق القدس التابع للحرس الثوري الايراني وطلب من نظام الاسد استخدام الغازات الكيميائية ضد الثوار والمدنيين. واذا كانت هذه المزاعم صحيحة، فإلى أين سيقود إيران جنونها؟ مع ان واشنطن ولندن وحلف شمال الاطلسي اكدوا ان خططا جاهزة للتدخل العسكري في الصراع بمجرد تخطي الأسد الخطوط الحمر واستخدام الاسلحة الكيميائية. هذه الترسانة مصدر قلق كبير للغرب الذي يسعى الى تأمينها ليس فقط من ايدي البعثيين والإيرانيين بل ايضا من المجموعات المتطرفة في صفوف الثوار.
وفي انتظار نتائج مساعي بوتين الاخيرة مع الأسد للتنحي سلميا، لن تقف الدول الغربية مكتوفة الأيدي حيث يتوقع اقله في حال استمرار الصراع هذا الشتاء ان تبدأ هذه الدول بتسليح الثوار السوريين باسلحة ثقيلة ومتطورة ابتداء من آذار 2013.
وبالتالي ان ساعة انتهاء حكم بشار الأسد دنت بشكل ملحوظ ، وعزز هذا الشعور ستة اسباب هي:
اولا: التحركات المريبة قرب مخازن الاسلحة الكيميائية تشير الى ان نظام الاسد استهلك كل ما يملك من وسائل حربية ضد الثوار ولم يُفلح. وهذا يعني انه قد يلجأ الى الإنتحار الجماعي عبر استخدام الغازات السامة.
ثانيا: التغير المفاجئ والسريع في لهجة واشنطن من اللامبالاة واللعب بالوقت الضائع الى حدة في الخطاب والتكلم عن تدخل عسكري ممكن لإطاحة الأسد وتأمين استقرار البلاد لعدم سقوطها في ايدي المتطرفين في المرحلة المقبلة.
ثالثا: تعليق اعمال بعثات الامم المتحدة داخل الاراضي السورية وسحب عدد من الموظفين هناك. وتقليص عديد افراد بعثات الاتحاد الاوروبي ايضا. بما يشير الى ان معركة الحسم سيشتد رحاها في الاسابيع وربما الاشهر المقبلة.
رابعا: انشقاق جهاد المقدسي وفراره من الأراضي السورية يشير الى ان هذا الديبلوماسي الذي كان حتى الساعات الاخيرة يتابع مع حاشية الأسد التطورات الداخلية والخارجية للصراع قد ادرك بحسب المعطيات الميدانية والديبلوماسية ان ساعة الصفر اقتربت فقرر النجاة بنفسه.
خامسا: اقفال مطار دمشق الدولي، حيث اشتد الصراع والقتال بين الثوار والقوات النظامية في محيطه، ما ادى الى الغاء الرحلات الجوية فيه خلال الساعات الاخيرة. وهذا يعني بحسب خبراء الحروب ان دمشق تقترب من السقوط في ايدي الثوار، لأن اي عاصمة في العالم عندما يسقط مطارها يعني ان آخر ورقة تين كانت تغطي نظامها قد سقطت.
سادسا: الإضطراب الواضح في صفوف النظام السوري لدى قيامه بتعطيل الانترنت والاتصالات ثم اعادتها، بما يشير الى اي مدى لم يعد البعثيون قادرين على معرفة سلبية الخطوة التي يتخذونها من ايجابياتها بالنسبة لهم. وهذا يعني فقدان ربان السفينة البوصلة تماما.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00