الأرقام الإقتصادية التي أنهى بها الرئيس الأميركي باراك أوباما ولايته الأولى أسوأ من الأرقام التي كانت موجودة لدى تسلمه الحكم من جورج بوش مطلع العام 2009، ولم يسبق ان جدد الشعب الأميركي ثقته برئيس تدهور الإقتصاد في عهده بشكل ملحوظ إلا هذه المرة، وهذا يحمل دلالات ابرزها ان الاميركيين تملكهم الخوف من مجهول رجل الأعمال ميت رومني وفضلوا تحميل اوزار الأزمة الاقتصادية كاملة للحزب الجمهوري الذي ورطهم في حربين في افغانستان والعراق تعتبرهما شريحة واسعة من الشعب، الى جانب السياسات المصرفية الخاطئة، سبباً رئيسياً في الديون المتراكمة وعجز الإقتصاد الأميركي.
السياسة الهوجاء لبوش الإبن، لا سيما اجتياح العراق الذي تبين لاحقاً انه بني على أساس كذبة أسلحة الدمار الشامل لدى صدام حسين والفشل الذريع الذي مني به الأميركيون في بغداد، لم تكن 4 سنوات كافية للشعب الاميركي ليغفر للجمهوريين ذنبهم في تلك الحرب والأذى الذي الحقته بسمعة واشنطن العالمية وبإقتصادها بعد صرف مليارات الدولارات على حرب خرج منها الأميركيون بآلاف القتلى وبخفي حنين.
ونظراً الى أن غالبية الشعب لم تنس تلك المصائب، أعادت النظر في حسابات ولاية أوباما الأولى وفي هوية المرشح الجمهوري ميت رومني. فوجدت ان اوباما لم يتمكن من وقف التدهور الاقتصادي لكنه في الوقت عينه لم يتورط في حروب ميدانية جديدة وسحب القوات الاميركية من العراق وانتقم من تنظيم القاعدة بقتله زعيمه أسامة بن لادن. فوجدت ان سلبياته ربما تعادل ايجابياته. ثم نظرت الى رومني فرأت مسيرة ملياردير ناجح في مجال الاعمال وسمعته يتكلم عن المزيد من استخراج النفط، وهي كلمة اصبح عدد كبير من الاميركيين يتحسس منها لأنها تذكره بشكل مباشر بحرب العراق، ثم رن في آذان هؤلاء تهديد المرشح الجمهوري ووعيده لإيران بشأن برنامجها النووي وللصين بشأن تعاملاتها التجارية والاقتصادية. فوجدوا ان الرجل ربما يعني ما يقول ولكن حسابياً لا شيء يضمن خروجه من صراعاته تلك منتصراً وهذا ما قد يقود البلاد الى التهلكة.
بعد النظر في الخيارين وجدت الشريحة الأكبر من الشعب ان السيء الذي تعرفه ربما يكون افضل من الأسوأ الذي لا تعرفه، وان اهون الشرين الاستمرار 4 سنوات اخرى على المنوال نفسه الى حين اتضاح كيف ستنجلي الأزمة الاقتصادية التي تهيمن على العالم بأسره.
وقد ادرك رومني هذه الحقائق وحاول اقناع الناخبين خلال المناظرات المتلفزة الثلاث انه ليس نسخة جديدة من بوش وانه ليس متهوراً وان خبرته في قطاع الاعمال قادرة على انقاذ الاقتصاد. هذا التحرك من المرشح الجمهوري ساهم في تغيير آراء بعض الناخبين كي يصوتوا لصالحه، لكن الوتيرة التصاعدية لشعبية رومني غرقت مع طوفان اعصار ساندي الذي عصف في قلوب الاميركيين وانتشل اوباما مجددا من المستنقع الاقتصادي وجعل الناخبون يتعاطفون مع رئيسهم في الأمتار الأخيرة من السباق الرئاسي.
هذا الواقع بدا جلياً ايضا في نسب الإقتراع في الفئات العمرية. فالمسنون الذين يولون اهمية كبرى لصورة الولايات المتحدة كالقوة الأعظم في العالم اعجبوا بخطاب رومني الذي هدد الصين وتوعدها واعطوه اصواتهم. أما الشباب القلقون على مستقبلهم والى اي منحى قد تؤول اليه الأمور في بلادهم فوجدوا ان الحيطة والحذر واجبان في هذا العالم المتغير والمتبدل، وانه من الافضل الصبر على الرئيس الحالي من المجازفة بالتصويت للمرشح الجمهوري الذي قد يقود البلاد الى واد خطر من الحروب الجديدة والصراعات غير المحسوبة الشبيهة بما شهدته ولاية سلفه بوش الإبن.
كما علل عدد من الناخبين تجديد ثقتهم بأوباما بأن الرئيس الاميركي لم يتمكن من ادارة الامور كما اراد بسبب سيطرة الجمهوريين على غالبية المقاعد في الكونغرس ومعارضتهم له في عدد لا بأس به من الملفات والمشاريع، ولكن ارقام انتخابات الكونغرس لم يتغير فيها شيء ايضا حيث بقي الجمهوريون يهيمنون على مجلس النواب بـ231 مقعدا مقابل 191 للديموقراطيين ويتأخرون عنهم بـ16 مقعدا في مجلس الشيوخ 45 مقابل 61. اي ان اجمالي الحزب الجمهوري في الكونغرس هو 276 مقابل 242 للحزب الديموقراطي. وبالتالي فإن انعدام اي تغيير في هذه الارقام يؤكد ان اوباما يواجه مجددا الأجواء الملبدة نفسها التي سادت ولايته الأولى. ويبقى مدى قدرته على احداث اصلاحات ملحوظة رهناً بمدى استعداد خصومه السياسيين على التعاون معه. وهذا ما كان اعلن عنه الرئيس الاميركي منذ لحطة اعلان فوزه بولاية ثانية عندما دعا الجمهوريين الى مد يد العون له للنهوض بالإقتصاد الاميركي.
بإختصار انتخب الأميركيون اوباما لولاية ثانية لأنهم يعيشون حذراً مشوباً بالخوف ويعتقدون ان الفترة القليلة المقبلة يجب ان تتحلى فيها الولايات المتحدة بسياسة الصبر والهدوء والنهوض بالإقتصاد على قدر الإمكان، فالوضع يتحسن ببطء لكنه على الطريق الصحيح، دون التورط في اي سياسة خارجية خطيرة من الصعب النهوض من تداعياتها في حال اتجهت عبرها الأمور نحو النهايات الخطأ كما حصل في حرب العراق.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.