البوعزيزي احترق كالشمعة فأضاء طريق الحرية للشباب العربي
2011عام الياسمين التونسي
لم يكن أحد من أهل محمد البو عزيزي او أقاربه أو معارفه في مسقط رأسه سيدي بوزيد يعلم ان الطريقة التي انتحر بها قبل اسبوعين على نهاية العام 2010 ، ستمتد من جثته لتشعل صدور ملايين الشبان العرب بزيت الكرامة على مدى أشهر العام 2011 كاملة. هذا الزيت يبدو معيناً لا ينضب ولهذا تستمر شعلة الحرية في 2012 ضاربة موعدا مع أحد أكثر انظمة العالم وحشية وقسوة.
ما فعله البو عزيزي في 17 كانون الاول (ديسمبر) 2010، هو انه تجرأ وانقلب على واقعه الحياتي الصعب بكل ما أوتي من قدرة. فيأسه من انتفاضة شعبه في وجه زين العابدين بن علي ونظامه الفاسد دفعه الى الذهاب حتى النهاية ضمن حدود قدراته فنفسه الكريمة التي أبت الاستمرار في الذل والهوان كان قتلها الحد الأقصى الذي يمكن ان يذهب اليه وهكذا فعل. واستخدامه لأسلوب حرق الجسد ما كان سوى وسيلة منه للتعبير عن حريق أكبر وأشرس كان التهم داخله على مدى سنوات طوال.
وكما كل شيء جميل في هذه الدنيا لا يشعر الانسان بوجوده الا اذا رأى القبيح وقارنه به، كانت حياة البوعزيزي كالشمعة التي احترقت لتضيء درب الحرية أمام التونسيين خصوصا والعرب عموماً. فهذه الحياة المأسوية لرجل، ذنبه الوحيد انه ولد في بلد يحكمه بقبضة من حديد حاكم فاسد أبعد أي نور للأمل في نفوس الشباب، وان انتهت حرقاً فإنها ككل ارض بعد حرقها تصبح خصبة زراعياً. هذه الخصوبة المستجدة أسهمت بشكل حاسم في نمو شجيرات الياسمين على مساحة الوطن التونسي ما أدى الى تفتح الزهور البيضاء التي ينعت متغلبة على الأيادي السوداء طاردة اياها الى خارج حدود البلاد.
تميزت ثورة الياسمين بعدة نقاط جعلت من الصعب مقارنة أي ثورة عربية جاءت بعدها بها. من هذه النقاط سلمية التظاهرات التي خرجت في شتى المناطق التونسية وإصرار المتظاهرين على تحدي القوى الأمنية التابعة لبن علي مهما كلف الأمر. لكن النقطة الأبرز كانت سرعتها الخاطفة في دفع الديكتاتور الى الفرار من البلاد فالبوعزيزي احرق نفسه في 17 كانون الاول (ديسمبر) 2010 واندلعت التظاهرات مباشرة بعدها، وفي مفاجأة ضخمة للجميع محليا ودولياً لم يصمد بن علي في الحكم سوى أسابيع معدودة فرّ بعدها في كانون الثاني (يناير) 2011 الى خارج البلاد مستنجدا بهذا الصديق القديم او ذاك.
وقود الثورة كان مجموعة من المشاكل المعيشية المتراكمة التي اثقلت كاهل المواطن التونسي، البطالة والفساد والرشاوى وارتفاع أسعار الغذاء والغلاء المعيشي وازدياد نسبة الفقر وعدم القدرة على التعبير عن الرأي أو المشاركة في القرار السياسي. شرارتها كانت انتحار البوعزيزي. هذه الشرارة سرعان ما اضرمت نيران الثورة ضد بن علي واطاحت به في أقل من شهر دافعة إياه الى الهرب الى المملكة العربية السعودية في الرابع عشر من كانون الثاني (يناير) منهيا حكما ديكتاتوريا فاسداً ألقى بظلاله القاتمة على تونس على مدى 23 حولا كاملا. وقد انتقد كثيرون المملكة لإستضافتها الزعيم الفار بعدما سدت بوجهه أبواب عواصم عدة، لكن ما توالى على البلدان العربية بعد ثورة الياسمين ان دل على شيء فقد دل على حكمة القادة السعوديون حيث ان الثورة التونسية كانت الانتفاضة الأقل دموية مقارنة بنظيراتها التي تلتها. فلو اضطر بن علي الى البقاء في تونس لدامت المعارك بين رجاله والمعارضين أشهراً أخرى ولسالت دماء غزيرة في شوارع البلد الشمال افريقي. لكن القرار السعودي الصائب حقن الدماء واسهم في منح التونسيين حريتهم خلال وقت قياسي وبكلفة انسانية ومادية اقل. والارقام الرسمية للخسائر في الأرواح خلال ثورة الياسمين بلغت 224 شهيداً و94 جريحاً.
ورغم إخراج بن علي الى المنفى الا ان الثورة تواصلت في ضوء التغيرات السياسية التي سادت المرحلة الانتقالية وصولاً الى الانتخابات البرلمانية التي أفرزت فوزاً لحزب النهضة الاسلامي المعتدل بغالبية المقاعد.
الغرب والمجتمع الدولي لم يقفا صامتاً حيال الثورة المباغتة في تونس، وتوافد المبعوثون الفرنسيون والأميركيون والبريطانيون وغيرهم الى العاصمة بعد رحيل بن علي في محاولة لفهم ما يجري في الداخل التونسي والتعرف عن كثب عن الوجوه السياسية التي قد تحكم تونس مستقبلاً.
ونفخ علمانيو البلاد في بوق التطرف الاسلامي معلنين للعالم خوفهم من وصول الاسلاميين الى الحكم وتقييد حرية المرأة والحياة الشخصية التي كانت متاحة أيام الرئيس المخلوع. لكن حزب النهضة الاسلامي برئاسة راشد الغنوشي فاجأ التونسيين والعالم بتقديم افكار معتدلة متحررة تضمن حرية المرأة وحتى حرية احتساء المشروبات الكحولية وما الى ذلك من الشؤون الحياتية اليومية للمجتمعات المنفتحة. ولم يكتف الحزب بذلك فحسب بل رشح للانتخابات النيابية امرأة غير محجبة وشدد على احترام حقوق الاقليات المسيحية واليهودية في البلد. وابرز ما شدد عليه الغنوشي ونال رضى الغرب هو تأكيده على التجارة الحرة والانضمام الى ركب المنظومة المصرفية العالمية فاتحا الباب على مصراعيه أمام الاستثمارات الاجنبية في البلاد.
[أبو ثورة الياسمين والربيع العربي
كان محمد البوعزيزي ذا الستة وعشرين ربيعا، المعيل الوحيد لوالدته وأشقائه التسعة بسبب وفاة والده. وكان يعمل كبائع على عربة للخضار لكنه لم يكن يحمل ترخيصاً رسمياً من السلطات لممارسة مهنته التي أمضى فيها سبع سنوات من عمره في مدينة سيدي بوزيد التي تبعد نحو 300 كلم عن العاصمة تونس. أوقفته شرطية في السابع عشر من كانون الأول (ديسمبر) 2010 عن العمل بسبب عدم حمله ترخيصاً فعرض عليها مبلغاً من المال قيمته ما يعادل غلّته اليومية فقد اعتاد على فعل ذلك مع شرطيين سابقين لدى سؤالهم له عن التراخيص. ما حصل ان الشرطية على ما يبدو رفضت العرض وردت على محمد بشتم والده المتوفي، ما أدى الى شعوره بجرح عميق وإهانة بالغة فتوجه الى أحد المراكز الحكومية في المقاطعة ليشكو الشرطية بسبب إهانتها له فرفض الجميع الاستماع إليه. كل هذا مجتمعاً دفع به دون أن ينذر عائلته الى إضرام النار في جسده ما أدى الى إصابته بحروق بالغة صعبة الشفاء وتم نقله من مستشفى الى آخر وصولاً الى مستشفى قرب العاصمة في وقت كانت ثورة الكرامة والغضب اشتعلت في مناطق عدة في البلاد كردّ فعل على الحادث المؤلم. وفي محاولة استعراضية لبن علي قام الرئيس السابق بعيادة البوعزيزي في المستشفى في 28 كانون الأول (ديسمبر) أملاً في أن تسهم زيارته تلك بوقف الاحتجاجات. لكن العكس حصل تماماً وخاصة عندما توفي البوعزيزي بعد تلك الزيارة بأسبوع أي في الرابع من كانون الثاني (يناير) 2011، فتضاعفت وتيرة الاحتجاجات الى حين فرار بن علي.
[التظاهرات وفرار بن علي
انطلقت التظاهرات الغاضبة المنددة بالنظام من سيدي بوزيد مباشرة بعد إقدام البوعزيزي على الانتحار. وجُبه المتظاهرون بالقنابل المسيلة للدموع والاعتداء بالهروات من قبل رجال الأمن. واضطر النظام في التاسع عشر من كانون الاول (ديسمبر) 2010 الى ارسال المزيد من قوى الأمن الى المدينة التي انتفضت عن بكرة أبيها. وابتداء من 22 من الشهر نفسه استشهد عدد من المتظاهرين انتحاراً بطرق مشابهة للبوعزيزي تعبيراً عن رفضهم التام للذل والمهانة والفقر المدقع الذي يعيشونه. وتوسعت رقعة التظاهرات لتشمل مناطق عديدة في البلاد وسجل في 24 من الشهر نفسه سقوط اول شهيد بنيران قوى الامن في بوزيان هو محمد عماري. وقبل ايام ثلاثة على نهاية 2010 وصلت التظاهرات الى العاصمة تونس ومن ثم الى مدن كبيرة أخرى مثل صفاقس وسوسة ومكناسي. وشهدت نهاية 2010 حوادث اعتداء بالضرب قامت بها القوى الامنية ضد محامين وقضاة كانوا ثاروا امام مبنى الحكومة.
في الثالث من كانون الثاني (يناير) 2011 انتقلت التظاهرات لتأخذ منحى عنفيا بعض الشيء مع تظاهر المئات غالبيتهم من الطلاب في ثالا احتجاجاً على البطالة وندرة فرص العمل وقام هؤلاء بإحراق الدواليب ومهاجمة احد مباني الحزب الحاكم. ومع انتشار الانتفاضة الشعبية بمساعدة وسائل التواصل الالكترونية حاولت الحكومة التونسية عرقلة شبكة الانترنت في البلاد لكن مساعيها باءت بالفشل وسجل في السادس من كانون الثاني (يناير) 2011 اضراب عام للمحامين التونسيين شاركت فيه نسبة عالية ناهزت ال95 في المئة من مجموع المحامين في البلاد. وانضمت بعض التنظيمات الحزبية رويدا رويدا الى الحراك الشعبي. وازداد الرد العنفي من قبل الأمن الذي لم يتمكن من التفريق بين الصحافيين والمتظاهرين فلقن على سبيل المثال في 12 من الشهر نفسه علقة ساخنة لمراسل التلفزيون الرسمي الايطالي راي اونو. الضغط الهائل للشارع دفع بزين العابدين بن علي وزوجته الى الفرار بعدما اغلقت امامهما النوافذ والابواب الأوروبية وجمدت الأصول المصرفية للعائلة فلم يجدا ملاذاً لهما سوى الاراضي السعودية. وتختلف المصادر قليلاً في الدور الحاسم الذي لعبه الجيش التونسي لمصلحة الشعب حيث تم تداول معلومات تؤكد ان قائد الجيش رشيد عمار رفض أوامراً من بن علي بمساعدة القوى الامنية في قمع المتظاهرين، ويقال ان هذا الرفض هو السبب الاول الذي دفع بالديكتاتور السابق الى النفاذ بجلده ومغادرة البلاد.
[المرحلة الانتقالية واستمرار التظاهرات
بعد مغادرة بن علي، أعلن الوزير الأول محمد الغنوشي توليه رئاسة الجمهورية مؤقتاً استنادا ًالى الفصل 56 من الدستور الذي ينص على أن لرئيس الدولة أن يفوض الوزير الأول في حال عدم تمكنه من القيام بمهامه، غير أن المجلس الدستوري عاد بعد الإطلاع على الوثائق وأعلن عدم وجود تفويض واضح من بن علي للغنوشي وعليه تقرر اللجوء للفصل 57 من الدستور وإعلان شغور منصب الرئيس..
اعلن في 15 كانون الثاني (يناير) 2011، تولي رئيس مجلس النواب فؤاد المبزع منصب رئيس الجمهورية بشكل مؤقت وذلك الى حين إجراء انتخابات رئاسية مبكرة خلال فترة تتراوح بين شهر ونصف وشهرين حسب ما ينص عليه الدستور. وتزامن اعلان تشكيل حكومة جديدة في تونس في السابع عشر من كانون الثاني (يناير) 2011 مع حراك شعبي عارم احتجاجاً على احتوائها اعضاء في حزب التجمع الديموقراطي الدستوري الحاكم سابقاً. فإستقال وزراء الاتحاد العمالي من الحكومة في اليوم التالي احتجاجاً على وجود عناصر من الحكم السابق معهم في الحكومة. وأطاح الشعب بهذه الحكومة خلال ايام قليلة ليعاد تشكيلها في 27 كانون الثاني (يناير) لكن التشكيلة الثانية سقطت ايضا تحت ضغط الشارع فإضطر الوزير الأول محمد الغنوشي الى تقديم استقالته في السابع والعشرين من شباط (فبراير) أمام القنوات التلفزيونية في مؤتمر صحافي مباشر. وسمى الرئيس التونسي المؤقت فؤاد المبزع الوزير المتقاعد (عمل في عهد الرئيس السابق الحبيب بو رقيبة) الباجي قائد السبسي لتشكيل حكومة جديدة فانهى الاخير التوليفة الجديدة للحكومة وترأسها في السابع من آذار (مارس) 2011.
[انتخابات المجلس التأسيسي
بعد اشهر من الاخذ والرد السياسي بين الداخل والخارج، وبعد اطلاق السجناء السياسيين في البلاد على دفعات ابتداء من 19 كانون الثاني (يناير) 2011، وعودة الكثير من السياسيين والنشطاء المنفيين الى البلاد، ازدان الشارع السياسي التونسي بألوان وايدولوجيات مختلفة مهدت لأول انتخابات ديموقراطية حقيقية في تونس.
انطلقت العملية الانتخابية في 23 تشرين الاول (اكتوبر) 2011 لإختيار 217 نائبا يشكلون الجمعية التأسيسية (المجلس الوطني). واعلنت نتائجها رسميا بعد يومين بفوز متوقع لحزب الاسلاميين المعتدلين النهضة بغالبية المقاعد 89 مقعدا مقابل 29 لالمؤتمر من اجل الجمهورية و26 لحزب العريضة و20 لالتكتل و16 للحزب التقدمي الديموقراطي.
[رئيس جديد وحكومة جديدة
في الثاني عشر من كانون الاول (ديسمبر) 2011 عقدت الجمعية التأسيسية جلسة للتصويت انتهت بإنتخاب المحسن المرزوقي رئيسا للجمهورية التونسية بأغلبية 153 صوتا. والمرزوقي (66 عاما) ناشط حقوق انسان ومفكر سياسي يحمل دكتوراه في الطب من جامعة ستراسبورغ. امضى سنوات شبابه بين فرنسا والصين، تم احتجازه عام 1994 لمدة اربعة اشهر في زنزانة انفرادية عند عودته الى تونس. وبعد سنوات من النضال المحلي في مجال الحريات وحقوق الانسان، انتقل الى المنفى في فرنسا منذ عام 2001 حيث عمل محاضراً في جامعات باريس. عاد الى تونس بعد اربعة ايام من هروب بن علي. وشارك في انتخابات المجلس الوطني التأسيسي في صفوف المؤتمر من أجل الجمهورية.
بعد تسلمه رئاسة البلاد بيومين، عين المرزوقي في 14 كانون الاول (ديسمبر) 2011 المهندس حمادي الجبالي (62 عاما) من حزب النهضة رئيساً للوزراء وشكل الاخير حكومته الجديدة وقدمها للشعب في 20 من الشهر نفسه.
[نظرة نحو المستقبل
ينظر الشارع التونسي والمجتمع الدولي على السواء بعين ملؤها التفاؤل بمستقبل تونس. فحزب النهضة الذي يدير الحكومة يحظى بشعبية قوية بين التونسيين، والرئيس الجديد المرزوقي حرك مشاعر آلاف التونسيين ببكائه على الهواء مباشرة خلال القائه كلمة توليه منصب رئاسة الجمهورية التونسية. وتبدو العلاقة بين الرئيس اليساري النزعة وحزب النهضة جيدة ومبشرة بقيادة متناغمة وحكيمة للبلاد.
الفكر اليساري للرئيس يعطي الشعب ضمانة احترام الحريات، والفكر الاسلامي يثق به الشعب لجهة مكافحة مظاهر الفساد السياسي والمالي. هذا التوازن بحسب الخبراء العرب والدوليين لا يمكن الا ان يعطي ثقة كبيرة بأن تونس وضعت نفسها أخيراً على الطريق الصحيح.
وكان سياسيون غربيون نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر وزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه ونائب الرئيس الاميركي جو بايدن أقروا بأن الاسلام قادر على التناغم مع الديموقراطية. وشبه نواب أوروبيون حركة النهضة التونسية الى حد ما بحزب العدالة والتنمية في تركيا، في حين اعتبره البعض ممثلاً للسلام السياسي الديموقراطي على شاكلة الأحزاب المسيحية الديموقراطية في أوروبا وتحديداً في ألمانيا حيث حكم انغيلا ميركل بإسم الحزب المسيحي الديموقراطي.
من هنا يرى المراقبون ان نتائج الانتخابات في تونس جاءت طبيعية جدا كونها تعكس آراء مجتمع متمسك بهويتيه الاسلامية والعربية، لذا من الطبيعي بروز أحزاب اسلامية وديموقراطية في آن.
التغيير في تونس مثال ينبغي للثورات العربية الأخرى ان تقتدي به، فالبلد دخل فعلاً في اسرة النظام العالمي الجديد والأبواب أمامه مفتوحة الآن اميركيا وأوربيا لمزيد من التقدم والازدهار وبناء المؤسسات. ونصاعة مستقبل الياسمين في البلاد من الآن فصاعداً رهن بنزاهة الطاقم الجديد الذي يدير الحكم.
8 آذار 2019 00:00
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.