ينتظر العالم بأسره بفارغ الصبر حلول يومي الرابع والخامس من تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، اللذين سيشهدان المرحلة النهائية الحاسمة من انتخابات الرئاسية الاميركية وإعلان نتائجها رسمياً. ويستمد الانتظار العالمي حرارته من التغيرات والتقلبات التي تشهدها الانسانية الغارقة في بحر من تحديات ليس آخرها الازمة المالية والانكماش الاقتصادي والتغير المناخي وأزمة الغذاء وسباق التسلح النووي والحرب على الارهاب. العيون كلها تراقب عدادات الساعة التي ستعلن قريباً اسم الربان المقبل للسفينة الاميركية التي تعرضت في السنوات الاخيرة لعدة ثقوب منها ما يسهل اصلاحه ومنها ما يحتاج لبحارة مهرة يتمكنون من ارجاع المركب الى حالة متانته السابقة. الساعة ستعطي في الموعد المحدد اسما واحدا: باراك اوباما او جون ماكين.
وبانتظار اعلان الجواب عن السؤال الملح في اذهان البشر عموما والاميركيين خصوصا، قد يكون مفيدا الغوص في بحر الازمات لايجاد اشارات ودلالات تساعد في رسم بعض مكونات الصورة المستقبلية التي سيكون عليها العالم بعد وصول احد المرشحين الاميركيين الى السلطة في البيت الابيض وتسلمه مهام ربان السفينة العابرة في العواصف الهوجاء. وصادفنا في رحلتنا بحارين (سياسين اميركيين) بارزين، قد يكون لهما دور فعال في اعطاء المشورة وتنفيذ الاصلاحات التي تحتاجها السفينة واشنطن، هما الديموقراطي ريتشارد هولبروك )سفير واشنطن السابق في الامم المتحدة) والجمهوري روبرت ماكفرلين (مستشار ماكين غير الرسمي لشؤون الطاقة ومستشار الامن القومي ايام الرئيس الاميركي الراحل رونالد ريغان).
ويجمع هولبروك وماكفرلين على ان الولايات المتحدة لا تزال القوة العظمى في العالم وأن على الرئيس المقبل العمل بشدة لتحصين الموقع الاميركي الريادي في العالم وان يعيد لصورة بلاده لمعانها ورونقها اللذين فقدتهما خلال فترة المشاكل والتحديات التي هزت ادارة الرئيس الحالي جورج بوش.
كما يتفق ماكفرلين مع هولبروك على اهمية الديبلوماسية الخارجية في المرحلة المقبلة. ففي حين يشيد الاول بتصريحات باراك اوباما حول سياسة الحوار التي سيتبعها مع الدول التي تعتبر مناهضة للأجندة الاميركية في العالم، يؤكد الثاني ان جون ماكين سيكون ديبلوماسيا اكثر ومستمعا جيدا للنصائح التي تسدى اليه وسيكون اكثر تروياً في اتخاذ قراراته مقارنة ببوش. ويؤكد هولبروك ان ماكين يتوازى في كثير من آرائه المتشددة مع المحافظين الجدد.
وبعيداً عن الازمة المالية والحالة الاقتصادية، هنا ابرز المحاور التي ركز عليها ماكفرلين في حوار سابق مع المستقبل واوردها هولبروك في مقالته في مجلة فورين افيرز (شؤون خارجية):
[ أفغانستان وباكستان
يعتبر هولبروك ان الحرب على افغانستان حققت في بداياتها نصرا هائلا للادارة الاميركية بعد اطاحة نظام طالبان ولكن هذا الانجاز سرعان ما تبخر بعد فتح الجبهة العراقية.
يقول هولبروك وماكفرلين ان اوباما وماكين يعدان بإيلاء الحرب في أفغانستان أهمية خاصة ويعترف الاثنان بأن هذه النقطة هي من ضمن النقاط القليلة التي تشكل محور الالتقاء في السياسة الخارجية لدى المرشحين، وإن اختلفا في كيفية التطبيق. فالمرشح الديموقراطي يريد الانسحاب من العراق بما يتيح التركيز على القضاء على ارهابيي القاعدة وطالبان عبر الاتيان بالقوات المرابطة في العراق الى افغانستان والمناطق الحدودية مع باكستان وقد وعد بإرسال 10 آلاف عنصر على الاقل الى افغانستان، اما المرشح الجمهوري فيريد النصر في افغانستان ولكن ليس على حساب العراق بل بتنظيم الحربين وتخصيص ادارة مالية مسؤولة تحدد كيفية الصرف المادي بشكل يتماشى وما تحتاجه القوات العسكرية ميدانيا لتحقيق النتيجة المرجوة.
ويبدو هولبروك في كتاباته واثقا من ان الحرب في افغانستان ستستمر الى اجل قد يفوق عمر حرب فيتنام، وينصح الرئيس المقبل بوجوب ان يصارح شعبه بهذه الحقيقة. ويربط السياسي الديموقراطي هزيمة الاسلاميين المتطرفين هناك بضرورة ان تتضافر جهود الدول المجاورة لأفغانستان من اجل تحقيق هذه الغاية ويعدد تلك البلدان وهي الصين والهند وروسيا وباكستان بالطبع.
ويبدو اوباما اكثر تهورا في الطريقة التي سيتعامل بها مع باكستان بعد تصريحات نارية له بأنه لو كان رئيسا ووصلته اخبار بأن قادة تنظيم القاعدة وطالبان مجتمعين في مكان ما داخل الاراضي الباكستانية فإنه لن يتردد ثانية واحدة في شن هجوم عسكري عليهم مع او بدون التنسيق مع الدولة الباكستانية. يقول ماكفرلين ان الوضع في باكستان اصبح معقدا جدا لواشنطن بعد رحيل برويز مشرف عن السلطة ويوضح ما على الرئيس الاميركي المقبل فعله بالقول مهم جدا ان ندعم الجيش الباكستاني دعما كاملا وبكل ما اوتينا لتمكينه من الحفاظ على الاسلحة النووية التي يملكها وإبقائها بأمان بعيدا عن ايدي المتطرفين. وان ندعم الحكومة الحالية لتتمكن من اعادة التوازن الاقتصادي في البلاد، ويشدد على ضرورة التنسيق بين الحكومة الاميركية المقبلة ونظيرتيها المعنيتين اي الافغانية والباكستانية في سبيل القضاء التام على الاسلاميين المتطرفين المنتشرين بين البلدين.
[ روسيا والامم المتحدة
يشيد هولبروك بمواقف اوباما وتصريحاته في الازمة الجورجية ـ الروسية، مؤكدا ضرورة ان يكون الرئيس المقبل ديبلوماسيا ناجحا ولا سيما في العلاقات التي تربط الولايات المتحدة بدول عريقة كروسيا. ويمتدح السياسي الديموقراطي ردة فعل مرشحه حيال حرب القوقاز الاخيرة كونها اتت متوازنة بدون ان تخفي القلق الاميركي الحقيقي لما قامت به روسيا. وذلك على خلاف تصريحات ماكين التي جاءت بنظر هولبروك قاسية وتضمنت الكثير من المزايدة والاستفزاز، ويقول هولبروك عن ماكين انه كان تصادميا في لهجته الى حد انه طالب بطرد روسيا من مجموعة الـ8 الكبار وهو امر يعي ماكين جيدا ان الدول الاعضاء في المجموعة لن توافق عليه. ويصل السياسي الديموقراطي الى حد السخرية من ماكين عندما يتطرق الى الفكرة التي طرحها المرشح الرئاسي عن الحزب الجمهوري حول انشاء ما يدعى بـدوري الديموقراطيات الذي اكد ماكين انها لا تتعارض ووجود منظمة الامم المتحدة ويتساءل هولبروك عن معنى ان تتدخل منظومة ماكين في القضايا الدولية المعقدة التي فشلت الامم المتحدة في حلها، ان لم يكن ذلك يعني ان دوري ماكين سيلغي المنظمة الدولية. ويستشهد هولبروك بكلمات لماكين بهذا الخصوص مثل الدوري الجديد للديموقراطيات باستطاعته التدخل لحل ازمات تعجز عن حلها الامم المتحدة في اماكن تشهد معاناة انسانية مثل دارفور وبورما وزيمبابوي، وذلك مع او بدون موافقة موسكو وبكين. ويؤكد هولبروك ان محادثات اجراها مع معظم قادة الديموقراطيات في العالم تشير الى انه حتى اقرب حلفاء الولايات المتحدة لن يوافقوا على او يدعموا انشاء هكذا منظمة دولية.
وينتقد هولبروك بشدة سياسة بوش الخارجية التي ادارت ظهرها للأمم المتحدة، مؤكدا ان المنظمة الدولية كانت لتبلي افضل لو تعاملت معها الادارة الاميركية بحكمة خلال السنوات الثماني الاخيرة. ويجزم سفير واشنطن السابق في المنظمة بأن باراك اوباما سيحسن اداء الأمم المتحدة ويجعله ينعكس ايجابا على المصالح الاميركية في العالم، وسيبدأ اولى خطواته في هذا الاتجاه بطلبه من الكونغرس دفع المستحقات المتوجبة عليه والتي تجاوزت ايام بوش مبلغ البليون دولار اميركي.
من جهته، يرى ماكفرلين ان ردة فعل المرشح الجمهوري حيال الحرب الجورجية ـ الروسية كانت ناجحة جدا وتدل على الجرأة والثبات والحنكة السياسية وخبرة الحروب التي يفتقد اليها منافسه الديموقراطي الشاب ويستشهد باستطلاعات الرأي التي اجريت في اميركا خلال تلك الفترة والتي فعلا اعطت الصدارة مرة كانت الاولى والاخيرة حتى الآن لماكين في سباق البيت الابيض. ويختلف ماكفرلين مع هولبروك في النقطة التي وصف فيها هولبروك ماكين بأنه تصادمي، ويقول صحيح ان ماكين سيكون مدافعا شرسا عن الديموقراطية، ولكني اؤكد لك انه لن يستعمل القوة. سنرى في الايام المقبلة في حال فوز ماكين انه سيستعمل السلطة على نحو معتدل وناعم وعلى نقيض بوش سيكون هادئا اكثر وغير متسرع. سيكون مستمعا جيدا الى النصائح التي تسدى اليه. وسيعمل ما بوسعه بما يتناسب ورغبة شعبه والشعوب الاخرى. وسيتبع استراتيجية جديدة تظهر الوجه الافضل لأميركا تجاه شعبها وتجاه الخارج وسيبني جسور الثقة بالتبادلات التجارية والاقتصادية بما يحفظ السمعة الاميركية لدى الجميع. ويرى مستشار الامن القومي السابق ان موسكو لا تزال بحاجة الى واشنطن اكثر من حاجة الاخيرة لها، وان على الاميركيين العمل لدعم العملية الديموقراطية في روسيا وان كل ما تقوم به روسيا من تحركات مناوئة لواشنطن في اميركا الجنوبية والشرق الاوسط ليس سوى دعاية للفريق الحاكم فيها يريد من خلالها ان يبرهن لشعبه انه قادر على استعادة امجاد بلاده وهيبتها على الساحة الدولية.
وعلى صعيد العلاقة الاميركية بالامم المتحدة خلال ولايتي بوش، يعترف ماكفرلين بأن قرار الحرب على العراق كان ليكون افضل بكثير لو تم تحت غطاء المنظمة الدولية ولكن المستقبل سيحكم بأن ما قام به بوش هو الافضل بالنسبة للعراق وسيؤتي ثماره في الاعوام المقبلة. ويشير ماكفرلين الى انه في حال فاز ماكين بالكرسي الرئاسي فإن الادارة المقبلة ستتعامل مع الامم المتحدة بموضوعية ودقة ووضوح اكبر في معالجة الازمات التي تعصف بالعالم.
[ العراق
يتفق هولبروك وماكفرلين على ان مرشحيهما يختلفان الى ابعد الحدود في الطريقة التي سيديران بها من البيت الابيض الامور في العراق. ويقول هولبروك في مقالته ان ماكين عندما قال ان الولايات المتحدة موجودة في العراق للفوز كان يعني ما يقوله وهذا بغض النظر عن المدة او التكلفة التي ستحتاجها الحرب هناك. ويتابع هولبروك لا يوجد قضية اخرى تلامس وجدان ماكين مثل العراق، واحاسيسه لا تنبع من حسابات سياسية بل من قناعة ذاتية. فهو يؤمن بأن انخفاض حدة الهجمات الارهابية والخسائر الاميركية والعراقية اخيرا دليل قاطع على ان الولايات المتحدة تنتصر في الحرب. ويواصل السياسي الديموقراطي انتقاده الحاد لأفكار المرشح الجمهوري الذي برأيه لم يعتبر التقدم الذي تحقق فرصة يجب استغلالها لسحب القوات من العراق خلال عام 2009 بل كرر بشكل واضح استعداده لترك الجيش الاميركي في العراق الى اجل غير مسمى، وبالتالي فإنه لا يفقه المخاطر والتكاليف الباهظة والتبعات المرتبطة بهكذا قرار اذا ما اتخذ.
كما ان ماكين برأي هولبروك لم يكن واضحا في خططه بشأن العراق، فهو لم يحدد استراتيجية للخروج من ذلك البلد ولم يعرّف ايضا عن النصر الذي يبتغيه او الطريقة التي سيعمل بها لأجل مصالحة وطنية عراقية متينة.
وينتقل هولبروك بعد ابراز النقاط المبهمة لدى ماكين الى الاشادة بأوباما الذي من المؤكد انه سيسحب الجيش الاميركي من حرب كان عارضها هو نفسه منذ البداية. فالمرشح الديموقراطي لن يقبل حتما بتورط بلاده لوقت اطول في حرب لا يرى لها مبررا او فائدة، في حرب شنت على خلفية اسباب وهمية كاذبة، فصدام حسين لم يكن على علاقة لا من قريب ولا من بعيد بتنظيم القاعدة ولم يكن يملك اي نوع من اسلحة الدمار الشامل. وفي نظر اوباما فمن واجب الديبلوماسية الاميركية توفير لحمة سياسية تجمع بين اطياف الشعب العراقي وفئاته مثل السنة والشيعة. ويتابع هولبروك شارحا خطة اوباما بأنها ستكون فاعلة لاحداث استقرار حقيقي في العراق وذلك بالتعاون مع جيران هذا البلد والدخول معهم في اتفاقيات والتزامات من شأنها ان تعيد السلام والطمأنينة الى ربوعه.
بالنسبة لماكفرلين فإن فكرة الانسحاب من العراق واردة جدا عند ماكين ولكن مرشحه لن يقوم بتلك الخطوة في حال لم تتناسب وما يراه القادة الاميركيون العسكريون مناسبا على الارض. ويعترف السياسي الجمهوري بالخطأ الذي ارتكبته ادارة بوش بإخفائها الحقيقة والهدف من وراء حرب العراق عن الشعب الاميركي في البداية، ولكنه يؤمن بأنه سيكون لحرب العراق لاحقا الكثير من التأثيرات الايجابية الطويلة الامد. ويقول ماكفرلين ان من اهم الدوافع التي تحدونا الى تغيير اي نظام دكتاتوري في العالم هو ايماننا ويقيننا بأن هذا النظام اذا تغير سيصبح ديموقراطيا فعلا ومثالا يحتذى للبلدان الاخرى من حوله. فنحن نعول ونراهن على نجاح هذا التغيير الى حد يدفع البلدان المجاورة للعمل لاستنساخه وتطبيقه لديها. وبغض النظر عن مدى جودة او جدوى هذه الطريقة، الا انها تبقى افضل بكثير من التدخل في شؤون جميع البلدان التي تفتقر الى الديموقراطية. ويشدد ماكفرلين على ان ماكين لن يغادر العراق قبل ان تبدأ ملامح الديموقراطية التي ينشدها الجمهوريون بالظهور في ذلك البلد.
[ إيران
يقول هولبروك ان اي سياسة خارجية اميركية جدية في الشرق الاوسط تتطلب لسوء الحظ تعاملا ديبلوماسيا مع الحقيقة غير السارة الواقعة في صلب تلك المنطقة أي إيران. ويشير الديبلوماسي الديموقراطي الى ان كلا من المرشحين الرئاسيين يضع في سلم اولوياته منع ايران من امتلاك سلاح نووي وتضييق الخناق عليها بفرض عقوبات مالية واقتصادية وايضا استعمال القوة معها اذا لزم الامر. ويضيف ان اوباما كرر مرارا انه مستعد لاجراء حوار مع الايرانيين على اي مستوى يرى انه قد يثمر، ليس فقط في القضايا النووية ولكن ايضا بما يتعلق بأفغانستان والعراق ودعم ايران للمنظمات الارهابية ومن بينها حركة حماس وحزب الله (الذي جهزته ايران بعشرات آلاف الصواريخ الموجهة مباشرة الى قلب الاراضي الاسرائيلية). ويدافع هولبروك بشدة عن استراتيجية اوباما تجاه ايران ويستغرب هجوم معسكر ماكين الجمهوري عليه لطرحه الديبلوماسي في القضية الايرانية واتهامهم اياه بالضعف وقلة الخبرة. ويعود هولبروك هنا فينتقد ماكين بشدة لأنه قال عبارته الشهيرة الشيء الوحيد الأخطر من الحرب على ايران هو ايران نووية. ويرى السياسي الديموقراطي في كلام المرشح الجمهوري ملامح تصادمية خطيرة ونبذاً للحلول الديبلوماسية. الديبلوماسية التي برأي هولبروك ليست استرضاء وهذا شيء مسلم به وادركته جيدا نخبة السياسيين العالميين من امثال وينستون تشرشيل ودوايت ايزنهاور وجون كينيدي ورونالد ريغان وجورج بوش الأب.
ويذهب هولبروك الى ابعد من ذلك عندما يصف مواقف ماكين تجاه ايران (وايضا العراق) بأنها اقسى من مواقف الرئيس الحالي جورج بوش، ويعبر مرة اخرى عن دهشته كيف يسعى المرشح الجمهوري للنأي بنفسه بعيدا عن بوش وهو يملك مواقف متصلبة كهذه ويستشهد بأغنية كان ماكين يرددها خلال تظاهرة عامة وتقول اقصف ايران، اضرب اضرب اضرب ايران. ويتابع هولبروك قائلا بالنظر الى مواقف ماكين المتصلبة التصادمية تجاه ايران ورغبته في اطاحة روسيا خارج مجموعة الثماني الكبار دون ان ننسى ايضا انتقاده للديبلوماسية التي اعتمدتها ادارة بوش في الملف النووي الكوري الشمالي فهذا يدل على اي مدى ستفتقد الادارة المقبلة الى الديبلوماسية اذا فاز الجمهوريون. ويذكر هولبروك ايضا بأن جمهوريين بارزين ذوي باع طويل في السياسة الخارجية من امثال جايمس بيكر وروبرت غيتس وهنري كيسنجر وبرنت سكوكروفت لم يتقبلوا موقف ماكين من ايران وروسيا.
أما رأي ماكفرلين حول الملف الايراني فيتجلى بوصفه ايران بالدولة الراعية للارهاب في الشرق الاوسط، ويقول في هذا الشأن ايران دولة ترعى الارهاب وهي تقدم الدعم لمجموعات ارهابية تعبث في المنطقة. وهي دولة تسعى ايضا لامتلاك اسلحة نووية وهذا لا يساعد في إرساء الاستقرار في الشرق الاوسط. كما ان امتلاكها للسلاح النووي سيعطي سببا لدول اخرى في المنطقة كالمملكة العربية السعودية مثلا لامتلاك الاسلحة النووية هي ايضا. وتاليا يصبح الشرق الوسط بأكمله مسلحا نوويا وهو شيء لا احد يريده، اذ قد يؤدي الى كارثة في اي لحظة. ويرى السياسي الجمهوري المخضرم أن استعمال ماكين القوة في وجه ايران سيكون آخر الدواء. ويرفض الديبلوماسية غير المشروطة التي يمكن ان ينتهجها اوباما في حال انتخب رئيساً.
ويربط مستشار الامن القومي السابق بين النفوذ الايراني في المنطقة والدعم الذي تتلقاه من كل من الصين وروسيا اللتين تمتلكان حق النقض (الفيتو) في مجلس الامن ويقول الصين مهتمة بإيران لأنها تستورد قسما من الطاقة التي تحتاج اليها من إيران، ولهذا السبب نسعى والدول الغربية الاخرى الى مساعدة الصين على ايجاد بديل من ايران تستورد منه حاجتها من الطاقة. وهذا اذا ما تم يؤدي الى عزل إيران تماما وجعلها تتنازل عن برنامجها النووي.
الا ان الروس والصينيين يوافقوننا الرأي مبدئيا على ان إيران يجب ألا تمتلك سلاحا نوويا ولكن في سبيل انهاء هذا البرنامج، علينا ان نسلك طرقا ديبلوماسية اكثر كفاية مع موسكو وبكين بما يؤمن لهما مصالحهما ويؤمن لنا مصالحنا. اي انه يجب توفير طريقة لانهاء البرنامج النووي الايراني دون إحداث ضرر في المصالح الصينية والروسية.
[ الصراع الاسرائيلي ـ الفلسطيني
تعتبر تأمين الحماية لإسرائيل النقطة المشتركة الاكثر وضوحا بين المرشحين الرئاسيين الاميركيين وهذا ما اكده هولبروك وماكفرلين على السواء. ولا ننسى المزايدات التي صدرت عن المرشحين في هذا الاتجاه والتي تفوق فيها اوباما ربما، عندما قال عن قلة دراية انه سيسعى لأن تكون القدس العاصمة النهائية غير المقسمة لإسرائيل ولعل كلامه لم يكن هفوة بقدر ما كان حيلة لايصال رسالة الى اللوبي اليهودي في واشنطن انه هو المرشح الذي سيصل في دعمه الدولة العبرية الى اقصى نقطة.
ويتفق هولبروك وماكفرلين على ان مرشحيهما سيوليان محادثات السلام الاسرائيلية ـ الفلسطينية اهمية خاصة.
وينتقد هولبروك في مقالته بشدة الادارة الاميركية الحالية والطريقة التي ادارت بها المحادثات ويشدد على ضرورة ان يولي الرئيس المقبل هذه القضية أهمية اكبر وان يقوم بادارتها شخصيا وحضور جلسات المفاوضات والاجتماعات الخاصة بها.
أما ماكفرلين فيؤكد ان جل ما تمناه بوش هو انهاء ولايته باعلان دولة فلسطين، ويعلل فشل الرئيس في تحقيق هذه الامنية بالقول ان الامور تعقدت جدا واصبح من شبه المستحيل ان يتم ذلك خلال ولايته. والتعقيد لا يأتي منا نحن. على العكس لقد بذل الرئيس ووزارة الخارجية مجهودا خارقا للتعجيل في الامور، ولكن الازمة السياسية التي عصفت بإسرائيل والفضائح والتحقيقات التي طاردت رئيس الوزراء السابق ايهود اولمرت، اضافة الى الخلاف القوي بين السلطة الفلسطينية وحماس والفصائل الاخرى الفلسطينية، كلها عوامل سلبية أعاقت اي تقدم ممكن في سبيل إنشاء دولة فلسطينية. اذ لا يمكن التوصل الى اي سلام بين الطرفين قبل توصل كل طرف الى حل ما لديه من مشاكل وخلافات.
[ لبنان وسوريا
يعتبر هولبروك ان السياسة الخارجية للرئيس المقبل تجاه سوريا ولبنان ستكون مرتبطة الى حد كبير بالسياسة التي ستنتهجها واشنطن مع طهران، اضافة الى مدى تطور علاقة الاولى بالرياض والوضع في اسرائيل والاراضي الفلسطينية. ويقول ان اوباما سيكون الاكثر قدرة على ارساء الاستقرار والسلام في المنطقة بالطرق الديبلوماسية التي لا تتعارض والمصالح الاميركية في المنطقة والتي تقضي بالدرجة الاولى بعدم المساس بسيادة واستقلال اي من بلدان المنطقة بما فيها لبنان.
أما ماكفرلين فيرى ان ماكين سيكمل ما بدأته ادارة بوش في الفترة الاخيرة اي اتباع سياسة العصا والجزرة مع دمشق والعمل على فك تحالفها مع طهران واخذها بعيدا عن مدار الجمهورية الاسلامية. كما يلمح السياسي الجمهوري الى ضرورة ابتعاد النظام السوري عن التدخل في الشؤون اللبنانية وعدم دخوله في سباق للتسلح في المنطقة، ويقول نحن نسعى لكي نجعل سوريا تنظر فقط الى مصالحها الطويلة الاجل والتي تساعدها على الغنى والازدهار بدلا من التورط في سباق تسلح لن يكون في صالحها اطلاقا. اذا الكرة في ملعب سوريا، الازدهار او العزلة. ويجزم بأن سوريا لن ترتاح ايضا إذا لم تحسن أداءها مع جيرانها. وحول المحكمة الدولية المتعلقة باغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري يؤكد ماكفرلين ان لا مفر من جلب المجرمين الى العدالة والا فهذا يعني اننا ابحنا دماء جميع الاحرار في شتى انحاء العالم.
[ التغير المناخي والطاقة والعلاقة مع الصين
يتفق السياسيان الاميركيان على ان المرشحين الرئاسيين سيتطرقان الى قضايا الطاقة والمناخ بموضوعية وجدية اكبر من جورج بوش، كما يلتقيان على نقطة في غاية الاهمية هي ضرورة استغلال الفرصة المناخية المتاحة للتعاون والتكافل مع الصين التي تتصدر لائحة اكثر البلاد تلويثا في العالم الى جانب الولايات المتحدة.
حول التغير المناخي والاحتباس الحراري، يهاجم ريتشارد هولبروك الادارة الاميركية الحالية (الجمهورية) بشدة قائلا انها تجاهلت الى حد كبير تأكيدات علمية بالخطورة التي تشكلها التغيرات المناخية والتهديد الجدي الذي تشكله لكوكب الارض. وإن ادارة بوش اضاعت 8 سنوات لم تساعد خلالها العالم على مواجهة المشكلة. ويضيف هولبروك ان المرشحين الرئاسيين اوباما وماكين اعلنا انهما سيتعاملان مع المشكلة المناخية بالجدية التي تستحق، ولكن عند النظر الى طروحات الاثنين نجد اختلافا كبيرا في التطرق للمشكلة. فأوباما وضع مخططا واضحا بدرجة اكبر بكثير يعتمد على هدف طموح لخفض انبعاث الغازات الدفيئة وآلية عمل تحظى بشعبية كبيرة لدى خبراء الاقتصاد اليساريين واليمينيين على السواء وتتضمن تخصيص اموال بمبالغ اكبر بكثير من المخصصات التي يقترحها ماكين. ويرى هولبروك ان في مكافحة التغير المناخي فرصة ممتازة لبلاده للتعاون والتنسيق المشترك مع الصين لجهة ادخار الطاقة والتكنولوجيا الصديقة للبيئة، فالبلدان هما الدولتان الاكثر تلويثا في العالم. وقد لمس السياسي الديموقراطي لدى زيارة قام بها اخيرا الى الصين حماسة صينية لتنسيق مشترك في هذه القضايا وان شابها بعض الحذر بسبب تخوف هؤلاء من ان يكون المشروع الجديد يهدف الى ابطاء الوتيرة التي يتنامى بها الاقتصاد الصيني.
أما مستشار ماكين غير الرسمي لشؤون الطاقة روبرت ماكفرلين فيرى ان اوباما يريد انهاء الخطر المحدق بالبيئة ولكن بطريقة قد تؤذي الاقتصاد الاميركي، فهو اشار بوضوح الى القوى الاقتصادية والصناعية الكبرى في البلاد وهو يرى ان على الحكومة ان تصل مع هؤلاء الى اتفاق ينص على التزام تلك المصانع بمقاييس لا تضر بالبيئة. ويقول انه ساهم في وضع خطة ماكين التي تربط بين الطاقة والبيئة والتي تتألف من خمس نقاط: اولا، خفض نسبة الغازات الدفيئة المسببة للاحتباس الحراري التي تنبعث من الولايات المتحدة من طريق تقليل تلك النسبة تدريجيا. ثانيا، التمني على قطاعات الوقود استعمال بديل من النفط في الاستعمالات اليومية سواء للسيارات او للحاجات المنزلية واعني هنا الوقود الحيوي كالايثانول والميثانول والبيوديزل (الديزل الحيوي). ثالثا، دعم صناعة وسائل نقل وسيارات تسير بالطاقة الكهربائية او بالوقود الحيوي كالايثانول والميثانول وان تصنع هذه الماكينات بمواد قوية تؤمن الحماية للناس الذين يقودونها. فأخيرا سارت تظاهرات نددت باعتماد شركة بوينغ مواد مركبة اقل صلابة وذلك لتوفير نحو 20 في المئة من كفاءة الوقود اللازم لدفع الطائرة. رابعا، زيادة اعمال التنقيب عن النفط داخل البلاد وهذا يعطي البلاد اكتفاء ذاتيا اكبر ويجعلها اقل تأثرا بمصادر النفط الخارجية. خامسا، اجراء مسح شامل ومراقبة دائمة شبه يومية على نسبة الانبعاثات الملوثة التي تصدر عن كل ولاية والعمل بشكل منسق مع المسؤولين الرسميين في تلك الولاية لايجاد حل لا يضر بمصلحة الصناعة والاقتصاد ويحترم التوازن التي تلتزم به البلاد لجهة مقدار الانبعاثات التي تصدر عنها.
ويدافع ماكفرلين بشدة عن الوقود الحيوي (الايثانول)، ويؤكد قدرة العلماء الاميركيين على استخراجه من مصادر اخرى غير الذرة كالسيليلوز مثلا.
وحول فرصة التعاون البيئي مع الصين، يؤكد ماكفرلين ان بلاده تسعى والدول الغربية الاخرى الى الدفع بالصين خارج تحالفاتها مع انظمة مناهضة للسياسة الاميركية مثل ايران والسودان وذلك من خلال ايجاد دول اخرى تؤمن لها حاجاتها من الطاقة. وبرأي السياسي الجمهوري فان التنسيق البيئي بين واشنطن وبكين ان تم مستقبلا فسيساهم بشكل اكبر في الوصول الى تفاهمات سياسية من شأنها ان تغير الكثير في شؤون المعمورة.
ختاماً، وبعد تفحص مقالة ريتشارد هولبروك التي انتقد من خلالها اداء الرئيس الحالي جورج بوش وسياسته الخارجية من اول كلمة فيها الى آخرها ولم يعترف خلالها الا بإنجاز وحيد لبوش كان المنح التي قدمها في سبيل مكافحة الايدز، نجدها مليئة بالنصائح التي يمليها على الرئيس المقبل الذي يأمل الكاتب بشدة ان يكون باراك أوباما معللا ذلك بنقاط القوة في خطب المرشح الديموقراطي واستراتيجياته التي اعلن انه يعتزم تطبيقها في مقابل لهجات ماكين التصادمية التي برأي هولبروك لا يمكن ان تصدر عن قيادي حكيم قادر على الوصول بالسفينة واشنطن الى بر الامان. واللافت في سطور هولبروك تجاهله الكامل لمنصب نائب الرئيس الاميركي، ما يدفعنا للتساؤل لماذا لم يأت على ذكر ديك تشيني وهو نائب الرئيس القوي الشكيمة الذي يرى جميع المحللين انه كان له كلمة فصل في كثير من قرارات بوش. ولماذا ايضا تجاهل سيناتور ديلاوير جوزف بايدن المحنك في السياسة الخارجية والذي لا شك سيترك بصمات دامغة على السياسة الاميركية المقبلة اذا فاز اوباما. ولا ننسى ان بايدن ايد قرار شن الحرب على العراق وهو من طرح فكرة تقسيمه الى 3 اجزاء.
وبعد عودتنا من اعماق المحيط وخروجنا الى سطح المياه مجددا، قلبنا في صفحات كتب التاريخ المكدسة والمتهالكة على رفوف المكتبات ووجدنا ان معظم المرشحين الذين بلغوا البيت الأبيض لم يتمكنوا من الالتزام بما تعهدوا به قبل وصولهم نظرا لتقلبات واحداث عالمية اجبرتهم على مراجعة مخططات كاملة واعتماد اسلوب آخر يتناغم والاوضاع السائدة. ونذكر هنا آخر الامثلة على ذلك، فقد دعا جورج بوش الابن في العام 2000 الى سياسة خارجية اكثر ليونة ووعد بأخذ البلاد بعيدا عن التورط في اسلوب بناء الاوطان ولكن كيف كان بإمكانه الاستمرار في هكذا نهج بعد هجمات 11 ايلول (سبتمبر) 2001 التي ما زلنا نعيش تداعياتها حتى الساعة؟.
وهكذا فإن المرشح الرئاسي الاميركي سواء كان جمهوريا او ديموقراطيا، عندما يصبح رئيسا لن يتمكن من احترام جميع ما تفوه له خلال إلقائه كلاما سياسيا خلال حملاته الانتخابية، فالكلام شيء والتطبيق على الارض شيء آخر مختلف. ومهما حاولنا الرصد والتكهن يبقى ان ننتظر لتعترف صناديق الاقتراع في 5 تشرين الثاني (نوفمبر) 2008 بهوية الفائز وان ينجلي الوجه الحقيقي للرئيس المقبل يوما بعد يوم خلال السنوات الأربع المقبلة.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.