الاحتباس الحراري والتقلبات المناخية وارتفاع نسبة ثاني أوكسيد الكربون في الجو والتلوث البيئي وازدياد عدد سكان كوكبنا. كلها عوامل سلبية لا تبشر بالخير بل تنذر البشرية بكوارث لا حصر لها ما لم يتم التنبه الى ما يحصل والامتناع عن الإسراف في استهلاك موارد وطاقات الطبيعة والكف عن التلاعب بموازينها.
ولعل أول ملامح تلك الكوارث المتوقعة، ارتفاع أسعار الأغذية وانواع الطاقة الى حد لم يسبق له مثيل. لقد قرعت أجراس الانذار ليس فقط في بلد واحد أو قارة واحدة بل في الكوكب بأكمله.
لقد ارتفعت أسعار الأغذية في شتى أنحاء المعمورة، وبدأ فقراء العالم درب معاناة يومية مع الغلاء المعيشي الذي ما برح يواصل ارتفاعه بشكل لا يحتمل، لا سيما في المناطق الأكثر فقراً والبلدان ذات الدخل الفردي المنخفض.
وأفادت التقارير الأخيرة للبنك الدولي أن أسعار القمح زادت بنسبة 181 في المئة خلال الـ36 شهراً الأخيرة، وأن أسعار الأغذية بشكل عام ارتفعت بنسبة 83 في المئة. وتوصلت الاحصاءات الى أن فقراء العالم ينفقون ما معدله بين 50 و75 في المئة من دخلهم لتأمين غذائهم الضروري الذي يخولهم البقاء على قيد الحياة.
وسجلت أسعار الأغذية الرئيسية أرقاماً قياسية. ففي شهر واحد ارتفع سعر طن القمح الذي تصدره الولايات المتحدة (المصدر الأول للقمح في العالم) من 375 دولاراً الى 425 دولاراً، أما سعر طن أرز تايلند (المصدر الأول للأرز) فبلغ 475 دولاراً بعد أن كان سابقاً يباع بـ365 دولاراً.
وتشير التوقعات الى أنه حتى مع اعتماد استراتيجية عالمية حذرة مستقبلاً فإن المواد الغذائية ستبقى بهذا الغلاء خلال العام الحالي والعام المقبل (2009)، على أن تبدأ الاسعار بالهبوط اعتباراً من 2010 وصولاً الى عام 2015 ولكن أسعار معظم أنواع الأغذية ستبقى أعلى من المستوى التي كانت عليه في عام 2004.
وهذا يعني أنه لا يوجد حل ناجع للأزمة في المدى المنظور، بل سيؤدي هذا الغلاء الى تحطيم الجهود الدولية التي بذلت في الأعوام الأخيرة لمكافحة الفقر والعوز في العالم.
وتعد القارة الافريقية، التي تشكل الصحارى قسماً كبيراً من تكوينها الجغرافي، الضحية الأكبر لأزمة الأغذية. فوفق أرقام "برنامج الأمم المتحدة للأغذية والزراعة" (الفاو) يوجد 21 بلداً افريقياً على لائحة البلدان الـ36 التي ترزح بشكل خطير تحت تأثير الأزمة.
وقد اتسعت رقعة الجوع لتشمل الآلاف من سكان دول القارة السوداء بدءاً من مصر مروراً بالكاميرون وصولاً الى زيمبابوي.
واشعلت زيادة أسعار السلع الغذائية العديد من التظاهرات والاحتجاجات في عدة عواصم افريقية، وتسببت في سقوط حكومة هايتي أخيراً، وأحدثت هزات في ميزانيات الدول كما أثارت مخاوف غير مسبوقة من أن تصح نظرية، عالم اقتصاد القرن الثامن عشر، البريطاني توماس مالتوس الذي حذر من مخاطر ازدياد عدد سكان الأرض الى درجة تتخطى قدرتها على انتاج ما يكفي لإطعامهم.
ومن أهم العوامل التي أوصلت سعر الغذاء الى هذه الأرقام المجنونة، ارتفاع أسعار النفط التي تجاوزت حدود 117 دولاراً للبرميل الواحد ما أدى ويؤدي الى زيادة تكلفة انتاج وتوزيع المنتجات الغذائية، والى زيادة الاعتماد على انتاج الوقود العضوي (البيو فيول) حيث يتم تحويل الذرة وقصب السكر الى الوقود المسمى "ايثانول".
كما ألقى تدهور وضع الاقتصاد العالمي، لا سيما الأميركي مع هبوط قيمة الدولار، بثقله على اقتصادات البلدان الفقيرة التي ترتبط عملتها بوضع الدولار بشكل مباشر. وأدى انخفاض عمليات الاستيراد والتصدير من والى بلدان الاتحاد الأوروبي، التي سببها الارتفاع المطرد لليورو مقابل الدولار، الى خنق العملية التجارية فندرت البضائع التي تصدرها وتستوردها البلدان النامية من أوروبا.
أما ظاهرة الاحتباس الحراري، التي تولد تقلباً مناخياً عبر تغييرها لدورة الفصول الأربعة وتأثيرها على معدلات هطول الأمطار وأماكن نزولها، فتؤدي الى جفاف مناطق زراعية وتعرض أخرى لسيول من الفيضانات والرياح العاتية والعواصف الثلجية. وفي هذا السياق، قدرت اللجنة الدولية للتغيرات المناخية أن نحو 3.2 مليارات شخص سيعانون من شح المياه وأن 600 مليون سيتعرضون للجوع بسبب موجات الجفاف وتدهور التربة مع حلول العام 2080.
وتجدر الإشارة الى آثار التلوث البيئي التي أدت الى انتشار أنواع جديدة من الأمراض التي تفتك بالمحاصيل الزراعية قبل نضوجها. ويؤدي عامل آخر هو سوء التنظيم المدني للمباني الى اجتياح العمران للأراضي الأكثر صلاحية للعملية الزراعية في البلدان النامية.
وقد دقت الأمم المتحدة نواقيس الخطر بعدما بينت الدراسات وجود 900 مليون إنسان يعيشون بمعدل دولار واحد في اليوم، غالبيتهم في افريقيا وجنوب آسيا. وأكد الخبراء أن مصير فقراء العالم متعلق بشكل مباشر وغير مباشر بالزراعة ومحاصيلها. فمن لم يمت من الجوع، يتعرض لعاهات بسبب سوء التغذية.
وفي مسعى للتخفيف من المأساة، أعلن البنك الدولي أنه سيضاعف المساعدات المخصصة للعمل الزراعي في افريقيا العام المقبل 2009 من 450 مليون الى 800 مليون دولار، وأنه سيعمل لتكثيف الجهود مع حكومات دول العالم ومنظمات الأمم المتحدة وشركاء آخرين لتجاوز المحنة. وقد طلب من المجتمع الدولى تأمين 756 مليون دولار يحتاجها برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة لسد الحاجات الغذائية الطارئة في العالم، سيتم تحويل معظمها للقارة الافريقية.
وعلى الرغم من الاستراتيجيات الموضوعة والحلول التي يمكن طرحها والعمل بها، فإن علماء الزراعة وخبراء الاقتصاد يتوقعون أن يتخطى الطلب على الغذاء في قارة افريقيا عتبة الـ100 بليون دولار بحلول عام 2015، أي ضعف ما كان عليه عام 2000.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.