8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف


رمى النمسويون بلادهم في أحضان اليمين واليمين المتطرف بعدما صوت أكثر من 31 في المئة من الناخبين لمصلحة حزب الشعب الجديد المسيحي الديموقراطي (يمين) الذي يتزعمه شاب ذو ميول متطرفة يدعى سيباستيان كورتز.
وبهذه النتيجة أصبح كورتز البالغ من العمر 31 عاماً أصغر زعيم دولة في أوروبا، وهو الآن يتحضر لتسلم منصب مستشار البلاد بعدما أكد رغبته في تأليف حكومة جديدة من ائتلاف يجمع حزبه مع حزب قومي متطرف أسسه نازيون سابقون.
وأظهرت النتائج الأولية للانتخابات النمسوية العامة أن حزب الشعب الجديد حصل على 31,4 في المئة من إجمالي الأصوات وهو رقم يؤكد منصب المستشار لكورتز الذي قال في أول تصريح له بعد انتهاء فرز الأصوات: أعدكم بأنني سوف أقاتل من أجل تغيير كبير فى هذا البلد. لقد حان الوقت لتأسيس أسلوب سياسي جديد وثقافة جديدة في النمسا.
وسيكون أول قرار له هو تشكيل حكومة إما مع حزب الحرية اليميني المتطرف (اف بي او) الذي حل في المرتبة الثانية جامعاً 27,4 في المئة من الأصوات أو الحزب الديموقراطي الاجتماعي (اس بي او)، الثالث بـ26,8 في المئة.
ويُرجح أن يتحالف كورتز مع المتطرفين، لأنه ابدى مراراً رغبته بذلك، لكن هذا لا يمنع من محاولات للضغط قد يقوم بها رئيس البلاد اليساري الكسندر فان در بيلين محاولاً إقناع المستشار الشاب بأن التحالف مع الديموقراطيين الاجتماعيين هو الأفضل لمستقبل النمسا.
وجرت العادة على مدى العقد الماضي أن يشكل المسيحيون الديموقراطيون (حزب كورتز) والديموقراطيون الاجتماعيون حكومات ائتلافية، وذلك حفاظاً على التوازن الوسطي للشارع السياسي النمسوي والتناغم بين فيينا وبروكسيل.
ولكن هذه الانتخابات شهدت نفوراً حاداً بين الحزبين بسبب وجود كورتز بأفكاره المتطرفة على رأس الحزب الأول، وإقدام المستشار المنتهية ولايته كريستيان كيرن (زعيم الحزب الديموقراطي الاجتماعي) على استهداف كورتز بحملات على مواقع التواصل الاجتماعي لإبراز وجهه المتطرف أمام الناخبين، أملاً في أن يعدل هؤلاء عن التصويت له.
وأكد كيرن أمس أنه سيبقى في منصب زعيم الحزب الديموقراطي الاجتماعي، وسينتظر قرار الرئيس النمسوي الكسندر فان دير بيلين، لبدء محادثات الحكومة الائتلافية المقبلة. وقال إن الكرة الآن في ملعب الرئيس، ثم ستكون مع زعيم الحزب المسيحي الديموقراطي (أي كورتز).
وكان كورتز أعلن في وقت سابق رغبته بتشكيل تحالف قوي مع حزب الحرية القومي المتطرف، وهي خطوة إن تمت، ستكون مثيرة للجدل في جميع أنحاء الاتحاد الأوروبي، وستبشر بولادة تحالف يميني قومي جديد مناهض للمهاجرين يضم النمسا وبولندا وهنغاريا ودول أوروبية وسطى أخرى معادية علناً للاجئين المسلمين ورافضة تماماً لسياسة الاتحاد الأوروبي المتعلقة بالهجرة واللجوء.
وحض الكونغرس اليهودي الأوروبي أمس كورتز على عدم التحالف مع اليمين المتطرف. وقال موشيه كانتور، رئيس هذا الكونغرس، يجب ألا يكون هناك مكان على منصة الحكم لحزب ترتكز مبادؤه على التعصب القومي والديني وكره الأجانب واستهداف المهاجرين. وأضاف أن الدور المركزي للنمسا في أوروبا الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية على أسس الديموقراطية وحقوق الإنسان، يجب عدم التضحية به على مذبح النفعية السياسية والشعبوية على المدى القصير، فهذه الشعبوية القومية تذكرنا بأوقات هي الأكثر قتامة في ذاكرتنا الحية في إشارة إلى النازيين.
وكان كورتز قاد حملة انتخابية مناهضة للمهاجرين على مبدأ النمساويين أولاً، وتعهد بإضفاء طابع جديد على الحزب المسيحي الديموقراطي الذي كان يُعد حتى الأمس القريب حزباً وسطياً معتدلاً، لكن منذ استلام كورتز رئاسته أصبح يُعرف كحزب يميني يجنح بشكل واضح نحو التطرف.
وقد بنى كورتز انتصاره من خلال التركيز على سنه اليافع وأصوله المتواضعة جنباً إلى جنب مع مواقف متشددة بشأن الهجرة والإرهاب. وكان رده على أزمة الهجرة في الاتحاد الأوروبي الدعوة إلى إغلاق الحدود الداخلية لأوروبا، مع اعتراض المهاجرين القادمين في البحر وسجنهم في مراكز احتجاز كي لا يبلغوا الأراضي الأوروبية.
ودعا كورتز في برنامجه الانتخابي إلى وقف الهجرة غير المشروعة إلى أوروبا وإلى تخفيض وخفض الخدمات الاجتماعية التي يحصل عليها طالبو اللجوء، مع فرض حظر على أي مدفوعات رعاية للمهاجرين غير الأوروبيين الذين عاشوا في النمسا مدة أقل من خمس سنوات. وشدد على وجوب وقف الهجرة غير الشرعية إلى النمسا لأنها تقوض النظام والأمن.
وبوصفه أصغر وزير في النمسا في عام 2013، تولى كورتز منصب وزير الشؤون الخارجية، وطالب في منصبه ذلك بتقارير داخلية دورية عن التكامل الاجتماعي ومدى اندماج الجالية الإسلامية في المجتمع، مما سمح له بصياغة تشريع يمنع تمويل المساجد من قبل جهات أجنبية ويحظر النسخ المتطرفة من كتب الشريعة الإسلامية.
وينظر إلى كورتز على أنه شاب يتمتع بالكاريزما، تمكن من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لبناء شعبية واسعة في أوساط الشباب النمسوي. وعلى الرغم من ذلك يخشاه الوسطيون واليساريون وتنظر اليه بروكسيل بريبة نظراً لأهمية منصب المستشار في النمسا الذي يحظى بسلطة تنفيذية أهم بكثير من سلطات الرئيس الذي يُعد منصباً رمزياً كما في ألمانيا.
وكان الاتحاد الأوروبي هلل العام الماضي لفوز اليساري المستقل الكسندر فان در بيلين بانتخابات الرئاسة بعدما قطع الطريق أمام مرشح اليمين المتطرف نوربرت هوفر، لكن وصول كورتز اليوم إلى منصب المستشارية لا شك سيُعقد العلاقة بين فيينا وبروكسيل ويجعلها أكثر ندية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00