8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف


الانتخابات في بريطانيا التي أتت قبل موعدها، كان هدفها أن تجعل البلاد أكثر قوة واستقراراً في مواجهة تحديات أبرزها المفاوضات حول خروج لندن من الاتحاد الأوروبي، ولكنها أفرزت دولة أكثر انقساماً وهشاشة مما كانت عليه قبل الانتخابات.
وزعيمة حزب المحافظين تيريزا ماي، التي غامرت بالدعوة إلى تلك الانتخابات، لم تحصل على الأغلبية الضرورية لتأليف حكومة، مكتفية بـ318 مقعداً، لذا فهي ستلجأ إلى التحالف مع الحزب الديموقراطي الوحدوي، أحد الأحزاب الرئيسيّة في إيرلندا الشمالية، للوصول
إلى الرقم 326 الذي يخولها تأليف حكومة أمامها مفاوضات شاقة مع زملائها سابقاً في الاتحاد الأوروبي، للتغريد منفردة بعد عقود ضمن العمل المشترك مع الدول الأوروبية وعلى رأسها ألمانيا وفرنسا.
وتجاهلت رئيسة الوزراء البريطانية جميع النداءات التي وجهها اليها خصومها السياسيون للاستقالة من منصبها، وأكدت انها ستُشكل حكومة جديدة تُدير البلاد خلال مسار البريكست.
فبعد ولادة مجلس عموم معلق، تلقت طموحات ماي للحصول على عدد مقاعد نيابية أكثر، صفعة قوية من الرأي العام واضطرت الى إبرام اتفاق مع الحزب الديموقراطي الوحدوي في ايرلندا الشمالية (دي يو بي) لكي تتمكن من جمع عدد المقاعد الكافي لتشكيل حكومة جديدة وإغلاق الباب أمام الراغبين في تشكيل حكومة أقلية من تجمع أحزاب العمال والليبراليين الديموقراطيين والقومي الاسكتلندي.
وانتجت الانتخابات مجلس عموم معلق لم يتمكن أي حزب فيه من الحصول على 326 مقعداً وهو الحد الأدنى الذي يُمكّن الحزب تشكيل حكومة لون واحد من دون الحاجة الى إبرام تحالف مع حزب أو أحزاب أخرى. وجاءت النتائج النهائية على الشكل التالي: حزب المحافظين (318 مقعداً - أقل بـ12 مقعداً من انتخابات 2015)، حزب العمال (261 مقعداً - اكثر بـ29 مقعداً من انتخابات 2015)، الحزب القومي الاسكتلندي (35 مقعداً - خسر 21 مقعداً)، حزب الليبراليين الديموقراطيين (12 مقعداً - أكثر بـ4 مقاعد عن الانتخابات السابقة). الحزب الديموقراطي الوحدوي الايرلندي الشمالي (10 مقاعد)، حزب الخضر مقعد واحد. والأحزاب الأخرى والمستقلون 12 مقعداً.
وبهذه النتيجة لجأت ماي الى الحليف التقليدي لـالمحافظين في الأوقات الصعبة وهو الحزب الديموقراطي الوحدوي في ايرلندا الشمالية، وباتفاق الطرفين أصبح مجموع نواب الحزبين: 318+10= 328 مقعداً، أي أكثر بمقعدين من العدد المطلوب لتشكيل الحكومة المقبلة.
ومع إعلان النتائج لجميع مقاعد البرلمان الـ650، حصل الحزب اليميني الوسطي على غالبية الأصوات ومعظم المقاعد إلا أنه خسر الأغلبية في مجلس العموم. وانخفض الجنيه الاسترليني مقابل الدولار واليورو وانعكست نتيجة الاستفتاء مزيداً من الضبابية على عملية بريكست برمّتها.
وبعد إبرامها الاتفاق مع الحزب الايرلندي الشمالي توجهت رئيسة الوزراء الى قصر باكنغهام حيث عقدت جلسة تساور مع الملكة اليزابيث الثانية وأكدت لها رغبتها في تشكيل الحكومة الجديدة إذ إن حزب المحافظين جاء في المركز الأول وهو أولى من غيره بقيادة البلاد في المرحلة المقبلة. وأخطرت ماي الملكة أن حزب المحافظين سيؤيده الحزب الديموقراطي الوحدوي من أجل الحصول على عدد النواب الكافي لتشكيل حكومة.
ثم تحدثت ماي من أمام 10 داوننغ ستريت متجهة الى البريطانيين بالتأكيد على أنها تعتزم قيادة حكومة يمكنها تقديم الاستقرار واليقين وقيادة بريطانيا الى الأمام فى هذا الوقت الحرج لبلدنا. وأوجزت خطة لتوجيه البلاد من خلال محادثات حاسمة بشأن الخروج من الاتحاد الأوروبي من المقرر أن تبدأ في عشرة أيام.
ولم تعرب ماي عن أي أسف لإجراء انتخابات مبكرة فقد فيها حزبها 12 مقعداً. وفى معرض إشارتها الى خطتها المستقبلية للبلاد، تعهدت ماي بإبقاء بريطانيا آمنة ومأمونة من خلال القضاء على ايديولوجية المتطرفين الإسلاميين وتسليم سلطات جديدة للشرطة والأجهزة الأمنية.
وأكدت أن معظم الوزراء الذين يشغلون الحقائب الأكثر أهمية (بوريس جونسون للخارجية، مايكل فالون للدفاع، آمبر راد للداخلية، فيليب هاموند للداخلية) سيبقون جميعاً في مناصبهم. وأضافت أن الحكومة التي أقودها ستضع العدالة والفرص في قلب كل ما نقوم به، وأشارت إلى أنها تخطط للبقاء في السلطة خلال السنوات الخمس المقبلة. وقالت بعد الحصول على أكبر عدد من الأصوات وأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات العامة، من الواضح أن حزب المحافظين وحده لديه الشرعية والقدرة على توفير اليقين والاستقرار من خلال قيادة الأغلبية في مجلس العموم. وأضافت سنواصل العمل مع أصدقائنا وحلفائنا في الحزب الديموقراطي الوحدوي (الايرلندي الشمالي) على وجه الخصوص. لقد تمتع الطرفان بعلاقة قوية على مدى سنوات عديدة وهذا يعطيني الثقة للاعتقاد بأننا سوف نكون قادرين على العمل معاً من أجل مصالح المملكة المتحدة بأسرها. والآن دعونا ننطلق للعمل. وفي وقت لاحق أعربت ماي عن أسفها لخسارة بعض وزرائها مقاعدهم النيابية وقالت إنهم لا يستحقون الخسارة لأنهم قدموا خدمات كثيرة لهذا البلد.
وأكدت زعيمة الحزب الديموقراطي الوحدوي في ايرلندا الشمالية ارلين فوستر أن حزبها سيدعم المحافظين في إدارة شؤون البلاد، وقالت لقد تحدثت رئيسة الوزراء معي هذا الصباح وسندخل في مناقشات مع المحافظين لاستكشاف كيف يمكن تحقيق الاستقرار لدولتنا في وقت تواجه فيه تحديات كبيرة. وأشادت فوستر، بنتائج حزبها وألمحت الى الخسائر التي تكبدها القومي الاسكتلندي في اسكتلندا فقالت النتيجة ممتازة للاتحاد وكل من يؤمن به (أي اتحاد المملكة). لقد خسر الانفصاليون ليس هنا فقط في ايرلندا الشمالية ولكن في جميع أنحاء المملكة المتحدة.
ويبقى الفائز الحقيقي في انتخابات الأمس زعيم حزب العمال جيريمي كوربن الذي أسكت خصومه داخل الحزب اليساري وثبّت نفسه على رأس الحزب، بعدما بيّنت الأرقام بشكل واضح تمكنه في فترة زمنية قصيرة من إقناع 40 في المئة من الناخبين (وهي النسبة التي جمعها العماليون أمس مقابل 42 في المئة للمحافظين) بأن برنامجه هو الأفضل للبلاد. واعترفت جميع الصحف ووسائل الإعلام التي حاربته منذ توليه زعامة الحزب بأنه فعلاً يحمل الكاريزما المطلوبة للزعامة وأنه قاد حملته بنجاح منقطع النظير.
وقال كوربن، بعد أن فاز بمقعده في شمال لندن، إن محاولة ماي الفوز بتفويض أكبر أتت بأثر عكسي. وأضاف أن التفويض الذي خرجت به هو فقد مقاعد للمحافظين وفقد أصوات وفقد دعم وفقد ثقة. ومضى قائلاً أظن أن هذا يكفي لترحل وتفسح الطريق لحكومة تمثل حقاً كل الناس في هذا البلد.
ومن غير المرجح أن يحصل كوربن على تأييد لتشكيل حكومة أقلية لكنه كان منتشياً بشكل واضح من أداء حزبه بعد أن أعلن منتقدون أن الحزب يحتضر.
وسارع عدد من كبار العماليين الذين كانوا معادين له الى استرضائه أمس مبدين استعدادهم للمشاركة في حقائب حكومة الظل التي يرأسها كزعيم أكبر حزب معارض في البلاد. وطالب كوربن وكذلك زعيم الليبراليين الديموقراطيين ماي بالتنحي عن رئاسة الوزراء لأن الرأي العام رفض بشكل واضح على حد قولهما مسار البريكست التي رسمته هي، لكن ماي تجاهلت تماماً هذه النداءات.
ووفق محللي العملية الديموقراطية البريطانية، أثرت عوامل عدة في تبخر أحلام ماي وارتفاع أسهم العمال بشكل ملحوظ أهمها: أولاً المشاركة المرتفعة للناخبين الشباب (بين 18 و24 عاماً) الذين صوتوا بمعظمهم لفريق كوربن. ثانياً المانيفستو الاستفزازي الذي قدمه الحزب الحاكم متوجهاً بأقسى بند الى المسنين الذين هم عادة نواة القاعدة الشعبية التي تصوّت له. ثالثاً: الحملة الناجحة التي قادها كوربن وبدا فيها متفهماً لمطالب جميع طبقات المجتمع ومن شتى الأعمار فيما تحاشت ماي المشاركة في عدد من المناظرات الانتخابية ودفع اعتدادها بنفسها عدداً من الناخبين الى معاقبتها لكونها اعتبرت الفوز أمراً مضموناً للمحافظين. رابعاً: الهزتان الأمنيتان التي تعرضت لهما لندن ومانشستر، فوقوع الهجمات الإرهابية ألقى الضوء على تدابير اتخذها المحافظون خلال السنوات الماضية قاموا خلالها بتقليص أعداد رجال الشرطة، وهو ما أثار لدى الناخبين شكوكاً في مدى أهلية فريق ماي الحفاظ على أمن المملكة وحمايتها. خامساً: نفر العديد من الناخبين الذين صوتوا العام الماضي للبقاء في الاتحاد الأوروبي من تصريحات ماي الشديدة اللهجة واتخاذها خطاً مشابهاً لخط حزب استقلال المملكة المتحدة، فقرروا توجيه رسالة لها بأنهم لا يرغبون في مفاوضات ناشفة مع بروكسيل بل يريدون مواقف أكثر ليونة.
وفي أبرز ردود الفعل الدولية على نتيجة الانتخابات البريطانية. أكد قادة مؤسسات الاتحاد الأوروبي احترامهم التام للخيارات الديموقراطية التي عبّر عنها الناخبون البريطانيون. وأكد كبير مفاوضي البريكست الأوروبيين الفرنسي ميشال بارنييه أن المفاوضات تبدأ عندما تكون بريطانيا جاهزة لذلك.
ورجح المفوض الأوروبي للميزانية غونتر أوتينغر أن تكون ماي شريكاً ضعيفاً في المحادثات. ورأى أن البريطانيين يحتاجون إلى التفاوض على خروجهم. ولكن بوجود شريك ضعيف في المفاوضات، هناك خطر بأن تكون المفاوضات سيئة للطرفين.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00