البروباغندا سلاح ماضٍ للدعاية يُستخدم بصورة أو بأخرى في سبيل الترويج لأيديولوجيات وأهداف سياسية من خلال تشويه سمعة الخصوم السياسيين أو العسكريين. ومع تغير وسائل التواصل الاجتماعي خلال مسار تطور تكنولوجيا الاتصالات، أصبحت شبكة الإنترنت المسرح الأول من دون منازع لبروباغندا الأيديولوجيات السياسية والدينية وأجندات الدول.
وتحتل مواقع التواصل الاجتماعي مثل فايسبوك وتويتر
ويوتيوب صدارة منصات البروباغندا الحديثة، تليها المواقع الإلكترونية لوسائل الإعلام بما في ذلك مواقع القرصنة الإلكترونية كـويكيليكس، ثم المواقع الحكومية الرسمية.
وبرغم أن الغرب هو من ابتكر شبكة الإنترنت وأغلب وسائل التواصل الاجتماعي الإلكترونية المعروفة، إلا أن خصومه العالميين وفي مقدمهم روسيا وإيران تمكنوا من تحويل مساحات الإنترنت إلى منصات أطلقوا من خلالها بروباغندا سوداء، استهدفت بشكل فاجر المنظومة السياسية الغربية والحياة الديموقراطية في المجتمعات الغربية.
ونجحت روسيا إلى حد بعيد في زعزعة ثقة المواطن الغربي بحكوماته. وآثار هذا النجاح واضحة جداً في أبرز البلدان الغربية: من تصويت البريطانيين لإخراج بلادهم من الاتحاد الأوروبي إلى تحجيم شعبية المستشارة الألمانية انغيلا ميركل في بلادها، مروراً بإيصال دونالد ترامب إلى رئاسة الولايات المتحدة.
فكافة أجهزة الاستخبارات الغربية تملك اليوم أدلة دامغة على تورط موسكو باستخدام بروباغندا التضليل الإعلامي على نطاق واسع من خلال وسائط التواصل الاجتماعي الإلكترونية على شبكة الإنترنت. فعلى مدى الأشهر التي سبقت انتخابات الرئاسة الأميركية الأخيرة كانت حسابات تويتر وفايسبوك الروسية (الناطقة بالانكليزية طبعاً) تستهدف جمهور الولايات المتحدة بمحتوى من الانقسامات العرقية. فكانت تنشئ حسابات لأشخاص وهميين سود يشتمون البيض وبالعكس، وقد عزز الروس نشاط تلك الحسابات مستغلين حوادث مقتل شبان سود على أيدي الشرطة الأميركية وانطلاق حركة بلاك لايفز ماتر، والانقسام الحاد بين الليبراليين الأميركيين والمتدينين البيض وكراهية هؤلاء الأخيرين للرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، وصاغوا كل هذا الهرج والمرج بأسلوب يعزز من حظوظ ترامب في الوصول إلى البيت الأبيض، كتصويره على أنه الرجل الذي تكرهه المنظومة السياسية الغربية وتفعل المستحيل عبر وسائل الإعلام الأميركية للسخرية منه ومنعه من الوصول إلى سدة الحكم.
ولم تتوقف موسكو عن هذا التكتيك حتى الآن، فخلال الأسبوع الجاري حاولت حسابات تويتر المرتبطة بالكرملين إثارة النعرات العرقية مجدداً من خلال استغلال قضية ركوع لاعبي كرة القدم الأميركيين لدى سماع النشيد الوطني.
وقد أكد فايسبوك هذا الشهر أنه بين حزيران 2015 وأيار 2017 باع الموقع 3000 إعلاناً لأشخاص وكيانات مرتبطين بروسيا. والهدف الرئيسي لمعظم تلك الدعايات القضايا الحساسة المثيرة للانقسامات داخل المجتمع الأميركي من قبيل حرية امتلاك السلاح، اللجوء والهجرة، جدار الفصل عن المكسيك، حقوق المثليين والعنصرية بين البيض والسود.
وتهدف روسيا من خلال هذه البروباغندا إلى تسليط الضوء على نقاط الضعف داخل المجتمع الأميركي وتصويره أمام العالم على أنه مجتمع منقسم مليء بالكراهية وموشك دائماً على إشعال حرب أهلية. فهذه الصورة ستقلص حتماً من هيبة الولايات المتحدة أمام الرأي العام العالمي.
وتنتهج إيران بروباغندا من نوع آخر، بروباغندا ترتكز على الدين بشكل رئيسي. فقد شهدت مواقع التواصل الاجتماعي وتحديداً يوتيوب خلال السنوات الـ10 الماضية، فيديوات نظريات المؤامرة التي تغذيها روسيا أصلاً بالحديث عن الماسونية العالمية، وأن حكام الدول الغربية هم جميعاً شياطين (ليسوا بشراً) يطبقون أجندة شيطانية. وتقول النظريات أيضاً إنهم هم من افتعلوا هجمات 11 أيلول 2001، وإن الأميركيين لم يصلوا إلى القمر.
نظريات المؤامرات هذه التي تعج بها شاشات التلفزة الروسية باستضافة المروجين لها، اتجه الإيرانيون بها إلى بُعد آخر هو بُعد ديني بامتياز. فنشر البروباغنديون الإيرانيون سلسلة وثائقية عن المهدي المنتظر وتدمير إسرائيل التي سيحكم منها المسيح الدجال العالم، وكيف أن الولايات المتحدة هي رأس الشر وأن الخلاص لهذا العالم لن يأتي إلا على أيدي المسلمين.
وتُعتبر هذه الأفكار في صلب ما يعتقده مؤسسو تنظيم داعش وعناصره، مثل موضوع الحرب الأخيرة بين الشر والخير. فهؤلاء الانتحاريون عندما ينفّذون هجماتهم الانتحارية في أي بلد عربي أو غربي، فهم يؤمنون فعلاً بأنهم لا يقتلون بشراً إنما يقتلون شياطين الإنس، أو ما لقنتهم إياه طهران وموسكو بأن المواطنين الغربيين جميعاً زواحف في هيئة بشر.
8 آذار 2019 00:00
يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.