8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

فاجأت محكمة العدل العليا في بريطانيا امس، الحكومة البريطانية بإصدارها حكما لمصلحة الناشطين المناهضين للبركزيت (عملية خروج المملكة من الاتحاد الاوروبي)، ينص على ضرورة لجوء رئيس الوزراء البريطانية تيريزا ماي الى موافقة مجلس العموم قبل قيامها بتفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة وبدء المسار الرسمي للانفصال عن بروكسل.
وهذا يعني ان على ماي ان تطرح الموضوع على التصويت في مجلس العموم، ولم يعد لها الحرية في اطلاق عملية الانفصال عن الاتحاد الاوروبي ساعة تشاء، والأهم انه سيكون باستطاعة النواب منع البركزيت من الحصول في حال صوت اغلبهم ضده.
لكن قرار المحكمة حتى الآن ليس بحاسم، فقد اعلنت الحكومة امس انها ستقدم طعنا في هذا القرار الى محكمة القضاء الأعلى التي تعتبر اعلى سلطة قضائية في المملكة المتحدة، لأنها ترى في قرار المحكمة العليا التفافا غير ديموقراطي على رغبة شعب قرر في استفتاء حزيران الماضي ان مصلحة بلاده مستقبلا هي خارج الاتحاد الاوروبي.
وقال رئيس قضاة المحكمة العليا اللورد جون توماس امس في حكمه لا يحق لرئيسة الوزراء تيريزا ماي تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة وبدء مسار المفاوضات (الذي يستغرق عامين كحد اقصى للانفصال عن الاتحاد الاوروبي)، بدون ان تستشير البرلمان، وتخضع القرار لتصويت في مجلس العموم.
وجاء القرار مفاجئا لماي التي كانت اعلنت في وقت سابق انها ستقوم بتفعيل المادة 50 بحلول اواخر شهر آذار المقبل، ولكن حكم المحكمة هذا، سيقيد قرارها تماما ويحرمها حرية تحديد الموعد لذلك، واضعا المبادرة كلها بيد الأغلبية النيابية.
وفور صدور قرار المحكمة، اعلنت الحكومة انها مصرة على اواخر آذار 2017 موعدا لتفعيل المادة 50، وانها ستتقدم حالا بطعن امام محكمة القضاء الأعلى، ويتوقع بالتالي ان تبدأ جلسات قضائية حامية بين الطرفين بشأن البركزيت ابتداء من شهر كانون الاول المقبل.
ورحب رافعا الدعوى ضد الحكومة، الناشطان امرأة الاعمال جينا ميللر ومزين الشعر داير دوس سانتوس، بقرار المحكمة، واعتبرا ان قرار اليوم (امس) سيمنح مسار البركزيت الرصانة التي يحتاجها، فلا تتصرف الحكومة على هواها.
ولاقى الحكم طبعا ترحيب الاحزاب المعارضة للبركزيت وفي مقدمها العمال والقومي الاسكتلندي والليبرالييين الديموقراطيين.
وقال زعيم العمال جيرمي كوربن ان هذا القرار من المحكمة، يعني ان على الحكومة البدء باستشارة النواب حيال البركزيت دون اي تأخير, واشار الى ان الحكم سيفرض على حكومة ماي ان تكون بمنتهي الشفافية حيال مسار البركزيت، مؤكداً أن حزب العمال يحترم قرار الشعب البريطاني، لكنه في الوقت عينه حريص على ان يتم المسار القانوني لذلك بصورة شفافة، وان يكون للنواب الراي في تحديد شروط هذا المسار وشكله.
في المقابل، اعرب وزير التجارة الدولية ليام فوكس عن خيبة امله من قرار المحكمة، مذكرا ان الشعب قال كلمته واكد ان الحكومة مستعدة للذهاب الى اقصى حد قضائيا من اجل تنفيذ كلمة الشعب.
اما الداعم الاكبر للبركزيت، الزعيم السابق لحزب استقلال المملكة المتحدة نايجل فاراج، فحذر القضاء البريطاني من هذه الالاعيب، وقال ان الشعب البريطاني قال كلمته، لكنهم بقرارهم هذا اليوم سيمنحون معارضي البركزيت كل ما هو ممكن لعرقلة تفعيل المادة 50. وفي حال حصل هذا الامر، انهم لا يعلمون مدى الغضب الذي سيثيرونه لدى الراي العام.
وفي حال خسرت الحكومة الطعن امام محكمة القضاء الأعلى او المحكمة الاوروبية (في حال لجأت اليها كملجأ اخير) وانتهى مصير البركزيت بيد مجلس العموم، فهذا يعني حسابياً ان عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي قد لا تتم في حال صوت اغلبية النواب ضدها.
لكن هناك اجماع ان البركزيت ستتم حتما على الرغم من ان معظم النواب يفضلون البقاء في الاتحاد الاوروبي، اذ انه عندما تدق ساعة التصويت في مجلس العموم سيعيد كل نائب حساباته ومسؤوليته تجاه شعب المنطقة التي يمثلها.
وهذا يعني ان عددا من النواب سيرضخ لضغط الشارع ويغير رأيه من البركزيت من السلبي الى الايجابي. وما موضوع الصراع الحاصل الآن الا على كيفية الخروج وتحديد شروط الخروج هي صعبة على الاوروبيين ام اكثر لطفا.
وعلى الرغم منم ذلك، لا يمكن الانكار ان البركزيت بعد هذا الحكم، الذي حتى وان كان غير ملزما، تمر الآن في مرحلة حرجة خاصة مع وجود كتلة ضخمة للحزب القومي الاسكتلندي في مجلس المعوم، فهذه الكتلة ستصوت حتما بكاملها ضد البركزيت، بما يعكس خيار الشعب الاسكتلندي الذي صوت في الاستفتاء لمصلحة البقاء في الاتحاد الاوروبي.
وظهر امس اعلنت زعيمة هذه الكتلة نيكولا ستيرجن انها تنظر في الانضمام الى المعركة القضائية ضد الحكومة من اجل فرض رغبة الاسكتلنديين. ويرى بعض المراقبين انه في حال اشتدت الخلافات بين الحكومة والبرلمان فإن هذا قد يجبر ماي على طلب حل البرلمان واجراء انتخابات نيابية مبكرة.
وبغض النظر الى ما ستؤول اليه المعارك القضائية بين الداعمين للبركزيت والمناهضين له في الاسابيع او الاشهر المقبلة، فقد استفاد الجنيه الاسترليني من قرار المحكمة امس، وقفزت قيمته بنسبة 1 في المئة امام الدولار الاميركي.
وكان هذا متوقع الحدوث، فكلما صدرت اشارة من لندن بإحتمال عدم حصول البركزيت او بتأخيره ترتفع قيمة الاسهم ويتحسن اداء العملة البريطانية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00