8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

بريطانيا: برلمان معلق ومفتاح 10 داوننغ بيد الأحرار

لم تأت صناديق الاقتراع التي انتهى فرزها في بريطانيا أمس بمفاجآت تذكر، فتوقعات استطلاعات الرأي ببرلمان جديد معلق، اصبح حقيقة لم تعرفها البلاد منذ العام 1974، إذ ان المحافظين نالوا الأغلبية لكن من دون أمكانية تشكيلهم حكومة ضيقة، وجاء العماليون ثانيا، لكن مع امكانية البقاء في الحكم ضمن ائتلاف مع الليبرالي الديموقراطي، الذي بات زعيمه نيك كليغ يملك المفتاح لدخول الزعيم المحافظ ديفيد كاميرون 10 داوننغ ستريت أو بقاء العمالي غوردون براون في مقر الحكومة البريطانية، من دون ان يتمكن كليغ من استخدامه لنفسه.
فقد احتل حزب المحافظين الصدارة بحصوله على 306 مقاعد مقابل 258 مقعدا لحزب العمال، في حين جاءت نتيجة حزب الليبراليين الديموقراطيين مخيبة للآمال بـ57 مقعدا فقط (اقل من العام 2005 بخمسة مقاعد) وقبعت الاحزاب الصغيرة الاخرى في ذيل الترتيب بمجموع مقاعد لم يتجاوز الـ28 مقعدا بينها مقعد وحيد لحزب الخضر هو الاول من نوعه في تاريخ البلاد..
وبعدما تبين لـالمحافظين عدم قدرتهم على تشكيل حكومة بمفردهم، هرع كل من كاميرون وبراون من اجل عقد اتفاق مع كليغ، وفيما توقع المراقبون ان يتفق كليغ مع براون من اجل تشكيل حكومة، الا ان الزعيم الليبرالي الديموقراطي اوضح امس في تصريح له عقب صدور النتائج انه كما قلت سابقا، سأعطي الفرصة اولا للحزب الذي حصل على اكبر عدد من المقاعد (...) اعتقد ان على حزب المحافظين ان يبرهن الآن عن قدرته على تشكيل حكومة تخدم المصالح الوطنية. عقب تصريحات كليغ هذه، وجه اليه كاميرون دعوة لمشاركته في حكم البلاد، واكد في بيان ادلى به خلال مؤتمر صحافي انه يريد تقديم عرض كبير ومفتوح لليبرالليين الديموقراطيين يمكن حزبينا من الاتفاق، واضاف اريد ان نعمل معاً للتصدي للمشاكل الطارئة والخطيرة: ازمة الديون والمشاكل الاجتماعية والنظام السياسي المعطل. وشدد كاميرون على ان شراكة مبنية على الثقة ضرورية من اجل تشكيل حكومة قوية وثابتة بسرعة.
وأعلن كاميرون اعتزازه بالنتائج التي حققها حزب المحافظين، وقال إننا حصلنا على مليوني صوت أكثر من العمال، ولفت إلى أن هذه النتيجة أفضل من النتيجة التي حققتها زعيمة المحافظين السابقة مارغريت ثاتشر في انتخابات العام 1979. لكنه أقر بـأننا فشلنا في تحقيق الغالبية (المطلقة). واعتبر ان النتائج تشير بشكل واضح الى ان حق حزب العمال في الحكم قد انتهى.
بذلك فإن كاميرون سيبدأ اولا مشاوراته من اجل تشكيل حكومة ويبقى الأمر منوطا بمدى استيعاب المحافظين الشروط التي سيمليها عليهم الليبراليون الديموقراطيون من اجل القبول بالإنضمام الى حكومة يرأسها كاميرون. وفي حال فشل كاميرون في التوصل الى اتفاق مع كليغ يبقى امامه خياران اما تشكيل حكومة اقلية (امر مستبعد نظرا لعدم قدرتها على اتخاذ قرارات تواجه رفضا من مجلس العموم) او افساح المجال لبراون لتشكيل حكومة ائتلافية.
ويقول الديموقراطيون الأحرار إن النظام الحالي مجحف في حقهم. ومعلوم أنهم حصلوا في اقتراع اول من امس على نسبة 23 في المئة من مجموع أصوات الناخبين ونالوا 57 مقعداً، في حين حصل العمال على 29 في المئة ونالوا 258 مقعداً، بينما نال المحافظون 36 في المئة وفازوا بـ306 مقاعد.
وهناك ثلاثة سيناريوات قد تنتج عن البرلمان المعلق، الاول حكومة ائتلافية والثاني حكومة اقلية والثالث حل البرلمان والذهاب لانتخابات جديدة:
السيناريو الاول ينتج عن اتفاق بين الاحزاب التي تتقاسم البرلمان فيسمون رئيسا جديدا للحكومة وهنا يلعب الحزب الثالث دورا مهما في هذا الاختيار.
السيناريو الثاني يحدث في حال فشل التفاوض على حكومة ائتلافية وعندها يؤلف زعيم الحزب الذي يملك العدد الاكبر من المقاعد (اي كاميرون) حكومة اقلية، يكون أداؤها محاصرا ويمكن للمعارضة ان تسقطها بأن تحجب الثقة عنها. لذا ففي معظم الاحيان تستمر هذه الحكومة لوقت قصير يشكل فترة انتقالية قد تدوم اشهرا الى حين التوصل الى تشكيل حكومة تعطى اكثرية لأحد الاحزاب.
السيناريو الثالث (حل البرلمان) واجراء انتخابات جديدة.
وهذا ما حصل لحكومة العمال في شباط (فبراير) 1974 برئاسة هارولد ويلسون بعدما فاز العماليون في الانتخابات العامة بعدد اكبر من المقاعد فانتزعوا السلطة من المحافظين (الحزب الحاكم حينها) وشكل ويلسون حكومة اقلية دامت 8 اشهر تم التحضير خلالها لانتخابات جديدة، وفي تشرين الاول (اكتوبر) من ذلك العام اعطت العمال اكثرية طفيفة مكنتهم من تشكيل حكومة اكثرية.
لمناقشة السيناريوات المطروحة، التقت المستقبل منسقين انتخابيين للأحزاب الثلاثة: حزب المحافظين رونالد دوبسون سميث (الرئيس السابق لبلدية الضاحية اللندنية واندزورث ومنسق حملة الحزب الفائز في مقاطعة ديفون ـ جنوب غرب انكلترا)، ومن العمال الاعلامي غوردي غريفين (احد منسقي حملة الحزب الحاكم في لندن)، ومن الليبراليين الديموقراطيين الأكاديمي بريان نيومان (احد منسقي حملة الحزب في ضواحي لندن).
اشار سميث الى ان الناخبين اوكلوا قادة الاحزاب الثلاثة اتخاذ القرار بتسليم الحكم للشخص الذي يرونه مناسبا. وقال ان المفاوضات بدأت فورا وكاميرون فاجأ الجميع بهذا العرض المفتوح لليبراليين الديموقراطيين بالمشاركة في الحكم واعتقد اننا سنرى حكومة محافظة وليبرالية في آن. ما يزعجني هو ان غوردون براون قد خسر الانتخابات بنحو مليوني صوت ولكن بإمكانه ان يقول اود البقاء في داونينغ ستريت اذ لا يوجد في الدستور البريطاني اي تشريع يجبره على التنحي من منصبه. ولكني استبعد امكانية ان يستمر بالحكومة الحالية لأنها اصبحت حكومة اقلية.
أما غريفين فاعتبر ان النتائج كانت متوقعة. من الطبيعي عندما تكون في السلطة لثلاث ولايات متتالية ان يسأم الشعب قليلا ويرغب في تجربة سياسة حزب آخر. ولكن عندما تنظر الى الأزمة الاقتصادية وحرب العراق والمشاكل العديدة التي واجهها الحزب الحاكم وتقارنها بنتائج صناديق الاقتراع فإنك ستجد ان البريطانيين مخلصون جدا لحزبنا ويفضلونه على غيره. وهذا ما يشعرنا بتفاؤل كبير ويعطينا دفعة معنوية هائلة للتشبث اكثر بمبادئنا والنظر الى البعيد.
وعبر نيومان عن خيبة امله الكبيرة، وقال: لا اقدر ان اصدق ما حصل. لقد عملنا بجهد كبير خلال الاشهر الماضية، وكان كل شيء يتجه في الاتجاه الصحيح الى ان فاجأتنا النتائج، واشار الناشط الليبرالي الديموقراطي الى ان الحزب يريد فتح تحقيق في حوادث منع مقترعين من الادلاء بأصواتهم في عدد من الاماكن. حصل العديد من المشاكل ولا سيما لدى الشبان والشابات الذين يقترعون لأول مرة فمنهم من توجه الى قلم الاقتراع الخاطئ ولم يتمكن من الادلاء بصوته. كما تعلم نحن نعتمد بشكل كبير على صوت الشباب صوت التغيير. ولكن للأسف تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.
ومن ابرز الوزراء من حزب العمال الذين حافظوا على مقاعدهم: وزير الخارجية دايفيد ميليباند ووزير المالية اليستير دارلينغ ووزير الثقافة بن برادشو، في حين كانت ابرز الخاسرات وزيرة الداخلية السابقة جاكي سميث.
ويشار الى ان المرشح العمالي اللبناني الاصل بسام محفوظ خسر المقعد الذي كان يشغله نائب عمالي عن دائرة ايلينغ الوسطى واكتون اللندنية بفارق اكثر من 3000 صوت امام مرشحة المحافظين انجي براي. وكانت هذه الدائرة تعرف باسم آخر (ايلينغ واكتون وشيبرد بوش) في الانتخابات السابقة وتم استحداث الاسم الجديد بعد تعديل في الاحياء التي تشملها والتعديلات التي طرأت على عدد مقاعد مجلس العموم بزيادتها 4 مقاعد عن العام 2005 (646) ليصبح مجموعها 650 مقعدا.
وتضاعف عدد النواب المسلمين في البرلمان المقبل إلى ثمانية نواب بينهم ثلاث نساء هن شعبانة محمود في برمنغهام وروشنارا علي في دائرة بيثنال غرين في لندن وياسمين قريشي في بولتون. والثلاثة هن أولى المسلمات اللواتي يدخلن مجلس العموم، وجميعهن من حزب العمال. وتمكن حزب المحافظين، من جهته، من إدخال نائبين مسلمين هما أول النواب المسلمين على لوائحه (ناظم الزهاوي وساجد جاويد)، في حين خسر أول وزير عمالي مسلم، شهيد مالك، مقعده عن دائرة ديوسبري في شمال إنكلترا.
وفي تعقيب على نتائج الانتخابات، اكد البيت الابيض ان العلاقات المميزة التي تربط واشنطن ولندن لن تتأثر بالغموض السياسي الناتج عن الانتخابات البريطانية. وقال المتحدث باسم البيت الابيض روبرت غيبس: نحن نتطلع الى العمل مع اي شخص يشغل منصب رئيس الوزراء. واضاف ان الرئيس باراك اوباما اطلع على نتائج الانتخابات البريطانية.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00