أصبح تنظيم داعش خلال الـ24 شهراً الماضية، البعبع الارهابي الاكبر في العالم. ومع ازدياد عدد الهجمات الارهابية في اوروبا خصوصاً، اصبح الكشف عن آلية تصدير هذا التنظيم الوحشي، لارهابه الى القارة البيضاء بمثابة تحد كبير لاجهزة الاستخبارات والامن والدفاع الغربية عموماً والاوروبية خصوصاً.
وتعرض المستقبل في هذا التقرير، آخر ما تم توصل اليه المحقّقون الدوليون، وسُرب الى وسائل الاعلام، بشأن الهيكلية الداخلية لـداعش بعدما نزع الستار عن ذراع التنظيم السرية التي تصدّر الارهاب الى الخارج وتعرف باسم الوحدة الامنية.
وفي ما يلي تحقيق استقصائي نشرته صحيفة نيويورك تايمز الاسبوع الماضي عن هذه المجموعة الداعشية بعد جمع الصحيفة معلومات موثقة من اجهزة الاستخبارات الغربية، بالاضافة الى مقابلة اجرتها مع الماني داعشي سابق يمضي عقوبة ثلاثة اعوام سجنًا في مدينة بريمن الالمانية.
فقد اعتقد هاري سارفو أنه يلبي نداءً مقدساً، فغادر منزله في مدينة بريمن العام الماضي، وسافر لمدة أربعة أيام متتالية حتى وصل إلى الأراضي التي يسيطر عليها داعش في سوريا.
ولم يكد يصل حتى زاره أعضاء من جهاز سري في التنظيم الارهابي، وهم مرتدون أقنعة على وجوههم، فأبلغوه هو وصديقه الألماني انهم لا يريدون ان يأتي مزيد من الأوروبيين الى سوريا، لأن الأجدى بهؤلاء ان يقدموا خدماتهم في بلدانهم الاوروبية كمساهمة في تنفيذ خطة داعش بشن عمليات إرهابية حول العالم.
وكان الداعشيون يتحدّثون بصراحة مطلقة عن الوضع، وقالوا إن لديهم الكثير من الناس الذين يعيشون في الدول الأوروبية وينتظرون الأوامر لمهاجمة الشعب الأوروبي.
وهذا الكلام أُبلغ به سارفو وصديقه قبل وقوع هجمات بروكسل وباريس.
وأوضح الملثمون أن داعش لديه حضور جيد في بعض الدول الأوروبية، لكنه بحاجة إلى مزيد من المهاجمين في المانيا وبريطانيا على وجه الخصوص.
وسألوا سارفو اذا كان لديه مانع أن يعود إلى ألمانيا، لأن هذا هو ما يحتاجونه في الوقت الراهن. وأوضح المنشق ان الدواعش يرغبون بحصول عدة هجمات في في الوقت نفسه في بلدان عدة مثل انكلترا وألمانيا وفرنسا.
وتجدر الاشارة الى ان سارفو ألماني يتحدث الانكليزية بطلاقة، وكان درس حرفة البناء في معهد نيوهام في شرق لندن، ما منحه اهمية خاصة لدى الدواعش حول امكانية استخدامه في هجمات في المانيا او بريطانيا.
وينتمي زوار سارفو الى وحدة الاستخبارات التابعة لـداعش التي تعرف باللغة العربية باسم الوحدة الامنية، والعضو فيها بعرف بـالامني.
وبحسب وثائق استخباراتية فرنسية وبلجيكية والمانية واستجوابات جمعت من الشرطة في دول اوروبية عدة، اوضحت نيويورك تايمز ان هذه الوحدة أصبحت مزيجا من قوة شرطة داخلية وفرع للعمليات الخارجية كرس مهامه لتصدير الإرهاب الى الخارج.
وشدت الهجمات الداعشية التي نفذت في باريس في 13 تشرين الثاني الماضي، الانتباه العالمي إلى ذراع الإرهاب الخارجية لـداعش، وهي هذه الشبكة الامنية التي بدأت ترسل المقاتلين الى الخارج منذ عامين.
وقد ازاحت اقوال سارفو وشهادات مجندين آخرين تم القبض عليهم، الستار قليلاً عن الآلية التي يتبعها داعش لتنفيذ اعمال الارهاب والعنف خارج حدوده. وهذه الافادات تشير الى نوع من الخدمة السرية متعددة المستويات تحت قيادة عامة لكبير الدواعش في سوريا الناطق باسم التنظيم هناك أبو محمد العدناني.
واوضح سارفو ان تحت العدناني يعمل العديد من الضباط والمساعدين الذين مهمتهم تنسيق وتخطيط هجمات في مناطق مختلفة من العالم، وهؤلاء يقسمون الى اجهزة مناطقية فهناك جهاز سري للشؤون الاوروبية، وجهاز سري للشؤون الآسيوية وجهاز سري للشؤون العربية.
وما يعزز حقيقة ان الوحدة الامنية هذه هي جزء أساسي في عمليات داعش، هو ان المقابلات والوثائق والاعترافات تشير إلى أن هذه الوحدة لديها تفويض مطلق لتجنيد وإعادة توجيه عناصر من جميع أجزاء المنظمة من الوافدين الجدد، إلى المقاتلين المحنّكين ميدانياً، الى القوات الخاصة مروراً بوحدات كوموندوس النخبة.
وتظهر سجلات الاستجواب أنه يتم اختيار عناصر الوحدة بحسب الجنسية، ويتم تشكيل شبكات وخلايا صغيرة بحسب اللغة التي يتقنها هؤلاء، إلى وحدات صغيرة في أحيان كثيرة لا يعرف عناصرها بعضهم بعضاً، ولا يلتقون لأول مرة الا عشية الانطلاق الى الخارج.
ومن خلال الدور التنسيقي الذي يقوم به العدناني، كان التخطيط للإرهاب في الخارج يسير جنباً إلى جنب مع عمليات الدعاية واسعة النطاق التي يروجها داعش عبر فيديويات البروباغندا التي يصورها عناصره ويبثونها لتجنيد المزيد من ضعاف النفوس.
وبناء على شهادات دواعش اعتقلوا حتى الآن، أصبحت الوحدة الامنية تلعب دوراً مهماً حاسماً في القدرات الإرهابية لـداعش. وقد أدى المتدربون من عناصر هذه الوحدة، الهجمات في باريس، وصنعوا قنابل الحقائب التي استخدمت في مترو بروكسل ومطارها.
وتظهر سجلات التحقيق أن جنود الوحدة الامنية ارسلوا إلى النمسا وألمانيا وإسبانيا ولبنان وتونس وبنغلاديش وإندونيسيا وماليزيا.
وعلى الرغم من ان المسؤولين الأوروبيين يقولون ان بعضاً من الاعتداءات التي نفذها المهاجمون، لا تبدو انها ذات صلة بـداعش، الا ان سارفو يرجح وجود صلة ما بين المنفذين والتنظيم الارهابي، لكن السلطات لم تعثر عليها.
وقال سارفو انه سمع أن عملاء سريين في أوروبا يستخدمون المهتدين الجدد (المتحولين الى الاسلام) كوسطاء، وهؤلاء يطلق على الواحد منهم لقب الرجل النظيف لبعده عن رادار الشرطة، فهو يساعد على ربط المتحمسين لتنفيذ هجمات مع عملاء التنظيم الذين يوفرون لهم تعليمات حول كل شيء خاص بأي اعتداء ممكن ابتداء من كيفية صنع حزام ناسف وصولاً الى كيفية نسب الاعتداء الى داعش.
وبحسب مسؤولين في الاستخبارات والجيش الاميركي، فقد ارسلت هذه المجموعة مئات من عناصرها الى بلدانهم في الاتحاد الأوروبي، وهناك مئات منهم في تركيا. وقد اكد سارفو على المعلومات الاميركية هذه.
وتعتبر اول محطة للوافدين الجدد إلى داعش، مجمعات للمنامة في شمال سوريا قرب الحدود من تركيا، فهناك تجرى مقابلات مع المجندين، ويتم أخذ بصماتهم ويخضعهم اطباء لفحص بدني ويسحبون منهم عينة من الدم، ثم يدخلون الى مقابلة مطولة فيها اسئلة عادية مثل: ما اسمك؟ ما اسم عائلتك؟ من هي أمك؟ من اي بلد أمك في الأصل؟ ماذا درست؟ ما درجتك الآكاديمية؟ ما هو طموحك؟ وماذا تريد أن تصبح؟
وفي حالة سارفو، كانت خلفيته الدينية موضع اهتمام بالغ لاسياده الجدد. فهو كان ناشطاً في مسجد للمتشدّدين في بريمن، وقد ارسل المسجد نحو 20 شخصاً إلى سوريا، قتل منهم 4 على الاقل في المعارك هناك. وقد اكد هذه المعلومات منسق وزارة الداخلية الألمانية لمكافحة الإرهاب دانيال هينكه.
وأوضح سارفو انه كان له سوابق في المانيا، وقد امضى عاماً واحداً في السجن بسبب اقتحامه سوبر ماركت وسرقة 23 الف يورو منها. واشار الى انه على الرغم من أن عقوبة السرقة في المناطق الخاضعة لسيطرة داعش هي بتر اليد، إلا أن ماضيه الاجرامي كان يعتبر بمثابة رصيد لصدقيته بالنسبة لداعش. فهم يبحثون عن كل شخص لديه علاقات مع الجريمة المنظمة، اوبامكانه الحصول على هويات مزورة، أو لديه معارف في اوروبا بالامكان الاعتماد عليهم في تهريب المزيد من الارهابيين الى دول الاتحاد الاوروبي.
وقد اكدت السلطات الاميركية هذه الطبيعة البيروقراطية الإجراء، التي يقوم بها داعش لغربلة المنضمين الى صفوفه، بعد الحصول على اقراص الكترونية من مركز التنظيم في مدينة منبج السورية التي تم تحريرها مؤخراً من ايدي الارهابيين.
استمارة سارفو كانت ممتازة بالنسبة لـداعش، ففيها جميع الاجابات المفضّلة لديهم. ولهذا السبب في اليوم الثالث على وصوله، جاء أعضاء سريون من التنظيم وسألوا عنه. فاخبرهم انه يريد القتال في سوريا والعراق، ولكن الملثمين اجابوه بأن ليس لديهم الكثير من الناس في ألمانيا الذين هم على استعداد للقيام بمهمات هناك.
وكان سارفو ادلى بهذه الاعترافات فور إلقاء القبض عليه في المانيا العام الفائت، ووفقاً لمحضر استجوابه الذي يحتوي أكثر من 500 صفحة، فقد اوضح الارهابي التائب ان داعش كان لديه بعض العناصر في المانيا وانكلترا في البداية، لكن هؤلاء انسحبوا من آداء مهماتهم الواحد تلو الآخر، فقد كانوا خائفين على ما يبدو.
وعلى النقيض من ذلك، كان لدى التنظيم منذ البداية عدد كاف من المتطوعين في فرنسا. وقال سارفو حرفيا صديقي استفسر منهم عن فرنسا، فبدأوا في الضحك. وقالوا لا تقلق بشأن فرنسا. ما في مشكلة.
وقد أُجرت هذه المحادثة في نيسان عام 2015، اي قبل 7 أشهر من الهجمات الارهابية التي ضربت باريس في تشرين الثاني الماضي، واعتبرت أسوأ هجوم إرهابي في أوروبا منذ أكثر من عشر سنوات.
وفي حين أن بعض تفاصيل اعترافات سارفو لم يتم التحقق منها بعد، الا ان تقاطع تصريحاته مع اعترافات مجندين آخرين خلال عمليات الاستجواب، دفع مسؤولي السجون وعملاء المخابرات الألمانية الذين استجوبوه، الى التأكيد على انه صادق في ما يقوله.
ومنذ ظهور داعش قبل أكثر من عامين، فإن وكالات الاستخبارات الدولية تجمع شذرات من المعلومات حول الوحدة الامنية لهذا التنظيم. وبحسب اعترافات المقبوض عليهم، فإن هذه الوحدة في الأصل، كان تعتبر بمثابة جهاز شرطة داخل داعش، تشمل مهماتها إجراء التحقيقات والتحريات عن الجواسيس المحتملين.
لكن عناصرها الفرنسيين الذين اعتقلوا في عامي 2014 و2015، اوضحوا ان هذه المجموعة اصبح لها مهمات جديدة هي تصدير الإرهاب الى الخارج. ووفقاً لبيان وكالة الاستخبارات الفرنسية، فان الفرنسي المتهم بالارهاب نيكولا مورو (32 عاماً) الذي قبض عليه بعد مغادرته سوريا وعودته الى فرنسا، قال في اعترافاته ان الوحدة الامنية كانت تضمن الأمن الداخلي في دولة داعش، ثم اصبحت ايضاً تشرف على الأمن الخارجي عن طريق إرسالها الى الخارج الأشخاص الذين جندوا للقيام بأعمال عنف، على غرار ما حدث في تونس او في بلجيكا.
وأوضح مورو انه كان يدير مطعماً في الرقة في سوريا يقدم فيه وجبات الطعام إلى الأعضاء الرئيسيين في الوحدة الامنية، بما في ذلك عبدالحميد أباعود، الذي قاد ميدانياً هجمات باريس، ثم قتل في مواجهة مع الشرطة بعد ايام قليلة من العملية.
وقد افادت تحقيقات اخرى بناء على اعترافات سارفو وآخرين، ان الوحدة الامنية لـداعش هي التي دربت وأرسلت المسلح الذي فتح النار على الشاطئ في سوسة التونسية في حزيران 2015، والرجل الذي أعد القنابل للهجوم على مطار بروكسل.
وتظهر السجلات من وكالات الاستخبارات الفرنسية والنمساوية والبلجيكية، أنه لا يقل عن 28 عنصراً قيادياً مهمتهم التجنيد، قد نجحوا في الانتشار في بلدان خارج أراضي داعش، وساهموا في تصعيد الاعتداءات التي نفذت او خططوا للمؤامرات التي تم احباطها. ويقول مسؤولون ان عشرات من النشطاء الداعشيين تمكّنوا من التسلل وتشكيل خلايا نائمة.
ومن خلال حواره الخاص مع كوادر الوحدة الامنية، ادرك سارفو أنهم يستعدون لمد شبكات عالمية من الإرهابيين، ويبحثون عن المجندين المناسبين لملء الفراغات في بعض المواقع الدولية.
وتحدث سارفو عما سمعه منهم بأنهم يعملون لبناء بنية تحتية لهم في بنغلاديش. وقد حصل الشهر الفائت في ذلك البلد، حصار فرضه مسلحون تابعون لـداعش على مقهى يرتاده الاجانب وقتلوا 20 شخصاً على الأقل من الرهائن.
واشار سارفو الى أن المجموعة تبحث خصيصاً عن مجندين آسيويين متشددّين كالذين خدموا داخل تنظيم القاعدة سابقاً. ولدى داعش الآن، عناصر عملوا سابقا لمصلحة تنظيم القاعدة، وهؤلاء بمجرد انضمامهم لـداعش يُسألون عن تجاربهم، وإذا كان لديهم اتصالات مع اصدقاء لهم خصوصاً في بنغلاديش وماليزيا واندونيسيا.
وفي لقاءات له مع السلطات الألمانية، وفي المقابلة التي اجرتها معه نيويورك تايمز الاسبوع الماضي، اشار سارفو الى امكانية ان يكون لبعض المهاجمين الذين قاموا بعمليات في أوروبا، وتعهدوا بالولاء لزعيم داعش، ابو بكر البغدادي، صلة أكثر مباشرة مع التنظيم مما تعتقد السلطات.
واوضح ان العديد من عناصر الوحدة الامنية يبقون خارج الاضواء في أوروبا. وهؤلاء بمثابة ازرار يمكن تحريكها عن بعد، لتشغيل المهاجمين الانتحاريين المحتملين الذين شدتهم الدعاية الداعشية.
ويربط بين الطرفين ما سماهم سارفو الرجال النظيفين وهم غالبا من المتحولين حديثا إلى الإسلام او المتشددين حديثاً، وليس لهم علاقات بجماعات متطرفة، اي انهم لا يزالون خارج رادار اجهزة الامن الدولية.
واوضح سارفو ان عناصر الوحدة الامنية ليسوا على اتصال مباشر مع هؤلاء الرجال الذين يقومون الهجمات، لأنهم يعرفون إذا قبض على هؤلاء وتحدثوا، فسوق يفتضح امرهم ويلقى القبض عليهم. واضاف انهم في الغالب يستخدمون اشخاصا هم من المسلمين الجدد الذين يتم التواصل معهم، وايصال الرسالة عبرهم في الاتجاهين، كايصال فيديو الولاء لـداعش الذي يكون الارهابي قد سجله الى وسائل اعلام التنظيم بهدف تبني الاعتداء الذي نفذ.
وتتفق وثائق الاستخبارات واقوال سارفو على أن تنظيم داعش اعاد معظم مجنديه الاوروبيين الى بلدانهم لكي يشنوا هجمات فيها. وكشف سارفو ان التنظيم على ما يبدو لم ينجح حتى الآن في إرسال مهاجمين مدربين الى نقطة مهمة هي اميركا الشمالية، مؤكدا انه سمع عناصر الوحدة الامنية يتحدثون عن هذه المسألة.
وقال انه على الرغم من ان عشرات من الأميركيين قد اصبحوا اعضاء في داعش، الا ان جناح العمليات الخارجية في التنظيم، يدرك جيدا أنه من الصعب بالنسبة له إرسال هؤلاء الأميركيين مجدداً الى الولايات المتحدة او كندا بعدما يكونون قد سافروا إلى سوريا.
واضح الداعشي السابق ان التنيظم يعتمد في اميركا الشمالية على سياسات الولايات المتحدة وكندا التي تسهل لأي كان امتلاك اسلحة. واشار الى ان الوحدة الامنية في داعش ترى انه من الاسهل بكثير تجنيد اميركيين شماليين عبر مواقع التواصل الاجتماعي على شبكة الانترنت، فقيادات داعش يعتبرون الأميركيين اغبياء، ويمكن دفعهم نحو التطرف بسهولة، ويمكنهم شراء السلاح، لذلك داعش ليس بحاجة لأي وسطاء هناك في سبيل ايصال أسلحة لهم.
ومنذ أواخر عام 2014، اوعز داعش الى الأجانب المنضمين اليه، ان يجعلوا رحلتهم من اوروبا الى الشرق الاوسط تبدو وكأنها عطلة في جنوب تركيا، بما في ذلك حجز رحلة العودة وحجز برنامج قضاء عطلة شاملة في احد المنتجعات الذي منه يقوم مهربو البشر بترتيب ادخالهم إلى سوريا.
وتلك القصة هي غطاء لتأمين القدرة على تحريك الامور بسرعة لجهة تدريب المجندين في سوريا، ومنحهم على الاقل، الحد الادنى من التدرب على استخدام الأسلحة الأساسية. فهؤلاء عندما يعودون الى بلدانهم الاوروبية بامكانهم ان يزعموا انهم كانوا في رحلات استجمام في تركيا.
وكلما طال بقاء هؤلاء المشبوهين في التدريبات (اي طالت اقامتهم المزعومة في تركيا)، كلما ازدادت شبهات اجهزة الاستخبارات الاوروبية بشأنهم، وهذا هو السبب الذي يدفع بـداعش الى انجاز تدريبهم في أسرع وقت ممكن.
واوضح سارفو ان التنظيم ضمه الى وحدة القوات الخاصة التي لا يقبل فيها الا من هو اعزب وقوي البنية. وعادة ما يستخدم عناصر القوات الخاصة في المعارك الميدانية لدى اقتحام التنظيم لاحدى المدن، لكن مؤخرا اصبح عناصرها ايضا يستخدمون في تجنيد المزيد من المقاتلين في الخارج.
وتحدث سارفو عن التمرينات التي اجبر هو ورفيقه الالماني على القيام بها في صحراء الرقة. واشار الى انه تم تركهم هناك في وسط الصحراء، لكنهم لم يتاخروا في ملاحظة ان الرمال من حولهم تغطي مخابىء وكهوف لمقاتلي التنظيم تحميهم من نيران الطيران الدولي بدون طيار.
ثم انضم الى احد الكهوف المنتشرة في المكان مع 5 عناصر آخرين، وكانت التدريبات الاولى تمنعهم من الاستحمام او تناول الطعام الا ما يتم تقديمه لهم. حتى شرب المياه كان محصوراً فقط بكوبين فقط للشخص الواحد يوميا. والغاية من ذلك التشدد هو معرفة من هو فعلاً جدياً راغب في القتال وقادر على تحمل كل هذه المشقات. وكان اليوم يمر بساعات تمارين رياضية شاقة من الركض الى الحركات السويدية والزحف.
وفي الاسبوع الثاني، وزعت عليهم اسلحة كلاشنيكوف، وكانوا يتمرنون على استخدامها، ثم يجبرون ليلاً على النوم والرشاشات بين ارجلهم لكي يتعودوا عليها وكانها جزء من اجسادهم. ومن لم يكن يتحمل مشقة التدريبات، كان يكبل ويربط ويترك في حقل التمرين.
واشار سارفو الى ان تمارين الوحدات الخاصة تتضمن 10 مستويات، فبعد الاسبوعين الاولين، اخذوا الى نهر في منطقة الطبقة حيث كانت تجري تدريبات على الغطس والسباحة، وايضا الاهتداء ليلاً بمواقع النجوم. واشار الى انه التقى هناك بمقاتلين قدموا من دول عدة مثل المغرب ومصر وكندا وبلجيكا واندونيسيا. وسمع عن وجود وحدات خاصة اخرى احداها تدعى جيش الخلافة.
ومع تمرسه وتدرجه في التدريبات والقدرات القتالية، أصبح سارفو أقرب من أمير المخيم، وهو مغربي اخبره ان ابو محمد العدناني هو رئيس الوحدة الامنية في داعش، وهو الآمر الناهي وكل شيء يعود إليه.
والعدناني هذا الذي يقال ان عمره 39 عاماً، ولد في بلدة بنش في شمال سوريا، وقد رصدت وزارة الخارجية الاميركية مكافأة قدرها 5 ملايين دولار لمن يرشد التحالف الدولي الى مكانه. لكن التفاصيل عن حياته لا تزال لغزاً. وهناك عدد قليل جداً من الصور المتاحة له، وصورته المستخدمة على موقع وزارة الخارجية الاميركية قديمة عمرها سنوات.
وأوضح سارفو أنه عندما أنهى المجندون في القوات الخاصة جميع المستويات العشرة من التدريب، عصبت اعينهم ودفعوا للقاء العدناني، حيث تعهدوا بالولاء له مباشرة. ويبقى هؤلاء معصوبي العينين طوال الوقت في حضرة العدناني الذي حتى امهر المقاتلين العاملين تحت امرته لا يعرفون شكله الحقيقي.
وبالنسبة للعالم، فالعدناني هو المعروف بانه الناطق الرسمي لتنظيم داعش، وهو الذي اطلق نداء عالميا هذا العام داعيا للمسلمين لمهاجمة الكفار أينما كانوا، وكيفما استطاعوا.
وتعتبر اجهزة الاستخبارات والدفاع الغربية، ان العدناني اهم بكثير من مجرد لسان ناطق باسم الارهابيين، فهو يشارك بشكل كبير في العمليات الخارجية، وهو في أعلى الهرم الداعشي، وبامكانه التوقيع بنعم او لا حول تنفيذ اي مخطط الذي يهتم مرؤوسوه بمعالجة تفاصيله.
وخلال فترة وجوده في سوريا، تم الاتصال بسارفو لكي يكون طرفا فاعلا في فيلم دعاية موجه من اعلام داعش الى المتحدثين باللغة الألمانية. وارسل إلى تدمر، وقيل له ان يحمل راية داعش السوداء، وان يسير مراراً وتكراراً أمام الكاميرا. ثم ارغم طاقم الاخراج اسرى سوريين على الركوع، بينما اطلق مقاتلون ألمان آخرون النار عليهم.
واشار سارفو إلى ان اهتمام مخرجي الفيدو كان محصوراً في التأثير السينمائي فقط، وان القسوة التي ارتكبت بحق الاسرى، دفعته الى التشكيك في جدوى انضمامه الى التنظيم الوحشي. واكد ان جميع من يشارك في مثل هذه الفيديوات، يتم اختياره بعد تدقيق مركز وموافقة العدناني شخصياً عليه.
ومنذ تلك الحادثة، بدأ سارفو التخطيط لهروبه، وتمكن من ذلك بعد أسابيع من الركض والزحف في حقل من الطين قبل ان ينجح في العبور الى تركيا. ولدى عودته الى المانيا ألقي القبض عليه في مطار بريمن، حيث هبطت طائرته في 20 تموز 2015، واعترف طواعية بأنه انضم الى داعش، وهو يقضي الآن مدة ثلاث سنوات بتهم تتعلق بالإرهاب، وقد تم نقله مؤخرا من الزنزانة الانفرادية بسبب تعاونه الواضح مع السلطات ورغبته الصادقة في تغيير اسلوب حياته عند خروجه من السجن.
ومن بين الابتكارات الداعشية، دور الأجانب، خصوصاً الأوروبيين، في التخطيط لهجمات. وتتفق اقوال سارفو مع مستندات التحقيق التي خطها خبراء الإرهاب. وقال رئيس مركز دراسات الارهاب في باريس جان شارل بريسار أن المواطنين الفرنسيين والبلجيكيين مثل اباعود هم أكثر من عناصر داعشيين فقط، فقد أعطيت لهم حرية إدارة الأدوار. انها خارطة طريق خلاقة ومثيرة للاهتمام في الطريقة التشغيلية، لتكون قادرة على الاعتماد على شخص مثل اباعود، الذي لديه شبكته الخاصة في الخارج.
واضاف بريسار: لقد أعطوه نوعاً من الحكم الذاتي بشأن التكتيكات والاستراتيجية حتى إذا صارت العملية جاهزة للتنفيذ، وكل ما يحتاجه لتطبيقها هو الحصول على ضوء أخضر من قيادة داعش.
وبالنظر في القيادات الحالية لـالوحدة الامنية في داعش، يركز المحققون الدوليون على شخصين يستخدمان الاسمين المستعارين أبو سليمان، وهو مواطن فرنسي، وأبو أحمد الذي يقال إنه سوري. ويعتبر الاثنان من كبار مساعدي العدناني، وفقا لمسؤول عسكري أميركي رفيع المستوى ومسؤول كبير في الاستخبارات. وهذان الرجلان يلعبان دورا مباشرا في تحديد اسماء المقاتلين الذين يتم إرسالهم إلى الخارج، وفي اختيار الأهداف وفي تأمين الخدمات اللوجستية للعملاء، بما في ذلك دفع المال للمهربين لنقل هؤلاء المجندين الى أوروبا.
وفي حالة واحدة على الأقل، ارسلت تحويلات بين هؤلاء عبر خدمة ويسترن يونيون. وقد المحت أجهزة أوروبية عن دور محتمل لأبو سليمان أخبر عنه احد الرهائن المحتجزين الذين نجوا من الهجوم الذي استهدف مسرح باتاكلان في باريس في تشرين الثاني الماضي. فقد سمع هذا الرهينة احد الانتحاريين يسأل رفيقه هل يجب ان نتصل بسليمان؟. فاستاء زميله من انه تحدث عن سليمان هذا باللغة الفرنسية، وطلب اليه ان يكمل الحوار بالعربية.
وبحسب اجهزة مكافحة الارهاب، فإن الاسم الحربي لسليمان هذا، هو ابو سليمان الفرنسي الذي يعتقد انه في الثلاثينات من العمر، وانه من اصول مغربية او تونسية.
اما القيادي البارز الآخر، فهو أبو أحمد، ويظهر في اقوال متهم كان من المفترض أن يكون جزءاً من فريق المهاجمين في باريس، هو الجزائري عادل حدادي الذي قال لمستجوبيه انه هو وعضو آخر في الفريق، من جماعة عسكر طيبة يدعى محمد عثمان، انفصلا عن المهاجمين الآخرين الذين اوكلت اليهم هجمات باريس بعد أن وصلوا اليونان عن طريق القوارب. ثم القي القبض على حدادي (28 عاما)، وعثمان (22 عاما) في نهاية المطاف في مخيم المهاجرين في سالزبورغ في النمسا. وقبل ارساله مع الفريق الذي نفذ هجوم استاد دو فرانس، كان حدادي يعمل طاهيا في الرقة لعدة أشهر عندما زاره عناصر الوحدة الامنية وكلفوه بالمهمة.
ففي احد الايام، جاء سوري إلى المطبخ لرؤية حدادي، وقال له إن شخصا يدعى أبو أحمد يريد أن يراه. ثم اقتيد إلى مبنى من 5 طوابق، حيث خاطب الرسول لاسلكيا أبو أحمد. وانتظرا لساعات قبل وصول اوامر لارسال المجند حدادي إلى الموقع التالي.
المرحلة الثانية حصلت في الشارع، كان رجل يرتدي الأبيض بالانتظار، وطلب الى حدادي الذهاب معه في نزهة. وبعد مسيرة نحو 300 ياردة، وصلا الى مبنى سكني فارغ، وجلسا. كان حدادي خائفا ويرغب في الرحيل، لكن الرجل الآخر كان يتحدث طوال الوقت، ويخبره فقط باشياء ايجابية أن داعش يثق به، وبأنه الآن في حاجة لإثبات نفسه انه يستحق هذه الثقة. ثم اخبره انه على وشك أن يرسل إلى فرنسا، وسيستلم تفاصيل مهامه عندما يصل فرنسا.
لاحقا وصل أبو أحمد الذي وصفه حدادي بأنه رجل سوري عمره بين 38 و42 عاما، نحيف ذو لحية طويلة سوداء، ويرتدي ملابس سوداء. ثم جمع ابو احمد حدادي مع ثلاثة مهاجمين محتملين آخرين. ثم عرفهم جميعا بمهاجم آخر هو عثمان قبل يوم واحد من رحلتهم المرسومة الى اوروبا.
وقالت وثائق الاستجواب ان حدادي وآخرين يتحدثون العربية بطلاقة، اما عثمان فكان يتحدث بما يكفي للتواصل معهم.
وفي يوم رحيلهم الموعود جاء أبو أحمد واعطاهم رقم هاتفه المحمول التركي، وطلب اليهم تخزينه في هواتفهم تحت حرفي اف اف لعدم جلب الانتباه. واعطى حدادي مبلغ 2000 دولار اميركي نقدا بـ20 ورقة من فئة 100 دولار، ثم سيقوا إلى الحدود التركية. وفي تركيا التقوا رجلاً التقط لهم صوراً وضعت على جوازات سفر سورية، ثم رتب لهم في 3 تشرين الاول الماضي، رحلة على متن قارب الى جزيرة ليروس اليونانية.
كل هذه الخطوات اللوجستية، فضلا عن تحويل الأموال عبر ويسترن يونيون، نظمت من قبل أبو أحمد، أحد كبار المساهمين في الجهود التي يبذلها داعش لتصدير الإرهاب.
والى حين اعتقاله في كانون الاول الماضي، بقي حدادي في اتصال مع أبو أحمد من خلال الرسائل على الرقم التركي. كما تم العثور على الرقم تركي لأبو أحمد مكتوباً على قصاصة من الورق في جيب بنطلون الساق المقطوعة العائدة لأحد الانتحاريين الذين نفذوا الهجوم امام استاد دو فرانس.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.