8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

امرأة حديدية جديدة لرئاسة وزراء بريطانيا

اولا (خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي) بركزيت تعني بركزيت وسنحرص على جعل هذا الخيار ناجحا للبلاد، ثانيا سنحمي وحدة المملكة المتحدة من اي انقسامات. ثالثا سنحول بريطانيا الى بلد مناسب لجميع ابنائه وليس فقط لأثريائه وبريطانيا الجديدة ستلعب دورا جديدا في هذا العالم. هذه هي النقاط الثلاث التي اختصرت بها تيريزا ماي امام البرلمان، عصر امس في لندن، تحديد اولوياتها كرئيسة الوزراء الجديدة لبريطانيا.
فقد تسارعت الاحداث السياسية في بريطانيا امس، مع انسحاب وزيرة الدولة لشؤون الطاقة اندريا ليدسوم من السباق على زعامة حزب المحافظين، مفسحة المجال لإدارة الحزب كي تعلن وزيرة الداخلية تيريزا ماي زعيمة جديدة له مكان دايفيد كاميرون، وبالتالي رئيسة جديدة للوزراء.

واكد كاميرون امس انه لن ينتظر حتى الخريف، كما كان مقررا من قبل، بل سيسلم قيادة البلاد ومقر 10 داوننغ ستريت الى ماي بحلول مساء الغد. وهكذا ستصبح ماي بحلول مساء الغد ثاني رئيسة وزراء في تاريخ بريطانيا، بعد مارغريت تاتشر التي كان يطلق عليها لقب المرأة الحديدية. واللافت ان حزب المحافظين البريطاني كلما وجد البلاد مأزومة تحت سلطته يلجأ الى نسائه الحديديات لكي يتمكن من العبور بالمملكة المتحدة الى بر الأمان، وسط نهر فائض من الازمات نابعة هذه المرة من خيار البريطانيين مغادرة الاتحاد الاوروبي.
هذا المشهد المبني على التنازل والتفاهم وتوحيد البيت الداخلي لدى المحافظين يبدو مفقودا تماما لدى حزب العمال الذي يمر بأزمة داخلية حادة تهدد بانقسامه الى حزبين او اكثر. فأمس اعلنت انجيلا ايغل رسميا ترشحها لرئاسة الحزب ضد زعيمه الحالي جيريمي كوربن الذي حجب عنه نواب الحزب الثقة، وتتجه الانظار اليوم الى اللجنة التنفيذية الحزبية التي ستلتئم لتتخذ قرارا حول السماح لكوربن بالترشح اوتوماتيكيا للمنصب الذي يشغله ام انه يتعين عليه الحصول على دعم ما الا يقل عن 51 نائبا عماليا.
وعلمت المستقبل ان اللجنة ستقرر اليوم ان كان لكوربن الحق اوتوماتيكيا بالترشح مجددا لزعامة الحزب دون الحاجة لتأييد النواب. هذه المستجدات المتسارعة تؤكد ان الجنس اللطيف يهيمن حاليا على الشارع السياسي في بريطانيا منذ اقترع الشعب البريطاني لصالح خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الاوروبي. وذلك بعد سلسلة استقالات وانسحابات من رجال (مثل كاميرون ورئيس بلدية لندن السابق بوريس جونسون وزعيم حزب استقلال المملكة المتحدة نايجل فاراج) كان يتوقع منهم بدء المرحلة الجديدة لكنهم فضلوا تحت مسميات وذرائع عدة عدم تحمل المسؤولية الكبرى التي ستقع على اي قيادي سياسي بريطاني في واحدة من ادق المراحل التاريخية التي تمر بها البلاد.
وعلى الرغم من مظاهرات وانتقادات وتحركات قضائية قام بها الموالون للاتحاد الاوروبي طول الاسبوعين الماضيين، قطعت رئيسة الوزراء المقبلة تيريزا ماي امس، على هؤلاء الحالمين الطريق، مشددة على ان (خروج بريطانيا) بركزيت تعني بركزيت، وان على الجميع النظر الى الفرص التي يتيحها هذا الخروج والايجابيات التي بالامكان التوصل اليها بسببه، بدلا من التعاطي بسلبية مع خيار اكثرية البريطانيين وانتقادهم عليه ومحاولة تجاهله.
وعقدت ماي مؤتمرا صحافيا صباح امس في برمنغهام، حددت فيه ركائز سياساتها عندما تصبح رئيسة للوزراء، فشددت على انها ستحول بريطانيا الى بلد مؤات لجميع ابنائه بشكل متواز، وتعهدت بخطط ذكية لحل مشكلة الاسكان ببناء منازل جديدة جميلة دون انقاص المساحات الخضراء في البلاد، ومساعدة الشركات الصغيرة الحجم واعطاء الفرص للشباب والاجيال المقبلة لكي تصبح لديها القدرة على امتلاك منازل لأن العقدين الماضيين شهدا اتساع الهوة بين الاجيال المسنة المقتدرة ماديا والاجيال الشابة التي تعاني من اجل امتلاك منازل وبناء عائلات.
واكدت في خطابها انها ستحرص على جمع المستحقات الضريبية من المؤسسات والشركات العالمية الكبرى وان لا تتهرب شركات مثل غوغل وستاربكس وامازون بعد اليوم من دفع المتوجبات تجاه بريطانيا وشعبها. ووعدت بـالتوصل الى افضل اتفاق ممكن مع بروكسل حيال السوق الموحدة مع التأكيد في الوقت عينه ان سياسة الحدود المفتوحة مع اوروبا لا يمكن ان تستمر كما هي تحت اي طائل. ودعت ماي جميع السياسيين ورجال الاعمال الموالين للاتحاد الاوروبي الى الكف عن ايهام انفسهم بامكانية ابقاء بريطانيا في الاتحاد الاوروبي، لأن الشعب قرر، وطالبتهم بـالكف عن التعاطي بسلبية مع الطلاق بين لندن وبروكسل.
ويعتقد ان اندريا ليدسوم قررت الانسحاب من السباق مع ماي، بعدما اتضح لها انه سيكون من الصعب عليها التعاطي بحرفية مع منصب مهم كرئاسة الوزراء، خاصة بعدما جرتها صحيفة التايمز قبل ايام الى ارتكاب خطأ فادح بين بوضوح شديد افتقادها للخبرة اللازمة لمنصب قيادي. وقد اعتذرت ليدسوم من ماي بسبب التصريحات التي ادلت بها لـ التايمز وقالت فيها ان كونها اما فإن هذا يعطيها قدرة اكبر من منافستها على فهم حاجات الاجيال الصاعدة، ما اثار نوبة استياء عارمة من الرأي العام كون ماي لم تنجب اطفالا. وامس قبلت ماي الاعتذار بكل روح رياضية، وهذا ما اعتبره مراقبون نقطة تحول لدى ليدسوم التي وجدت ان من الافضل لها الانسحاب باحترام لمنافستها، فيما يرى مراقبون آخرون ان قرار الانسحاب جاء بعد اتفاق داخل الحزب بضرورة الاسراع في تغيير هوية المقيم في 10 داوننغ ستريت، فهذا من شأنه تجنيب بريطانيا واقتصادها الكثير من الخسائر التي كانت تنتج من حالة عدم اليقين وطول الانتظار لمعرفة الشكل الذي تكون عليه الادارة الجديدة للمملكة المتحدة والسياسات الاقتصادية التي ستنتهجها اوروبيا وعالميا.
نبذة عن تيريزا ماي
تبلغ تيريزا ماي من العمر 59 عاما. وهي من مواليد ايستبورن (ايسكس - انكلترا). دخلت الحياة السياسية في اواخر الثمانينات من القرن الماضي، حيث عملت في مناصب بلدية في احدى دوائر لندن. وخاضت الانتخابات العامة عام 1992 لتمثيل منطقة نورث وست دورهام في مجلس العموم لكنها خسرت. وجربت مرة اخرة عام 1994 عن منطقة باركينغ لكن محاولتها الثانية باءت ايضا بالفشل. بيد ان هذا الفشل لم يستمر طويلا، فقد نجحت ماي عام 1997 في الفوز كمرشحة المحافظين بالمقعد النيابي عن منطقة مايدنهاد (بركشير)، ولا تزال منذ ذلك الحين تفوز بالمقعد النيابي ذاته في جميع الانتخابات العامة التي شهدتها البلاد في العقدين الاخيرين
تقلبت ماي في مناصب عدة في حكومة الظل المحافظة التي كانت تعارض حكومات العمال التي ترأسها طوني بلير وغوردون براون على التوالي. وعندما فاز حزب المحافظين وحزب الليبراليين الديموقراطيين في انتخابات عام 2010 وشكلا حكومة ائتلافية برئاسة دايفيد كاميرون، عين الاخير ماي وزيرة للداخلية حيث قامت بواحباتها الوزارية على اكمل وجه وتحدت بروكسل مرارا في ما يتعلق بقدرة بريطانيا على ترحيل المجرمين والارهابيين من اراضيها. وتمكنت بعد مناوشات مع القضاء الاوروبي ومفاوضات مع المملكة الاردنية من ترحيل رجل الدين المتطرف ابو قتادة من بريطانيا الى الاردن في تموز عام 2013. وعقب الانتخابات العامة الاخيرة ربيع العام الفائت وفوز المحافظين بأغلبية تمكن بها كاميرون من تشكيل حكومة لون واحد، ابقى ماي في منصبها في وزارة الداخلية.
وتمكنت ماي طيلة حياتها السياسية كنائبة ووزيرة من كسب احترام كل من عمل معها وكل من تعرف عليها، وهذا ما ساهم في تسريع وصول اسمها الى قيادة الحزب بمجرد اعلان كاميرون استقالته من رئاسة الوزراء واعلان رئيس بلدية لندن السابق بوريس جونسون عدم رغبته في المنافسة على خلافة كاميرون في قيادة الحزب والبلاد.
اليوم يعقد كاميرون آخر اجتماع وزاري له ويتجه غدا الى قصر باكنغهام ليعرض استقالته امام الملكة اليزابيث الثانية، ثم يشارك في آخر جلسة اسئلة في مجلس العموم قبل ان يغادر وزوجته سامانثا مقر رئاسة الوزراء مساء الغد مسلما المكان لتيريزا وزوجها فيليب ماي .

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00