8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

طلاق لندن ـ بروكسل سببه الاتفاق التجاري المشروط بإبقاء بريطانيا حدودها مفتوحة أمام الأوروبيين

امضى رئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون مساء أول من أمس الثلاثاء، آخر عشاء رسمي له بصحبة نظرائه الاوروبيين في بروكسل، حيث أعرب الطرفان عن حزنهما واسفهما لعملية الطلاق التي امر بها خيار الشعب البريطاني في الاستفتاء الذي شهدته المملكة المتحدة الاسبوع الماضي.
وقال كاميرون انه آسف لنتيجة الاستفتاء لكنه ليس نادما على اجرائه. وفي المقابل اكد الاوروبيون على احترامهم القرار البريطاني الذي حدد ديموقراطيا، واعربوا عن تفهمهم حاجة بريطانيا الى بعض الوقت لكي ترتب بيتها الداخلي قبل بدء المسار القانوني لانهاء عضوية بريطانيا الذي سيستغرق عامين كاملين بحسب المادة 50 من معاهدة لشبونة.
هذا في ايجابيات القمة الاوروبية التي ختمت ظهر امس، باول اجتماع لزعماء 27 دولة من دون بريطانيا. اما في السلبيات، فكان هناك اصرار الاوروبيين على موقفهم من ان بريطانيا لن تتمكن من الاستمرار في اتفاقية التجارة مع الاتحاد الاوروبي الا اذا استمرت في فتح حدودها ومنح حرية الحركة والاقامة والعمل لمواطني دول الاتحاد الاوروبي.
وقد شدد كاميرون خلال القمة ان البريطانيين صوتوا للخروج من الاتحاد الاوروبي بسبب سياسة حرية التنقل هذه المفروضة عليهم من بروكسل، لذا يجب ايجاد صيغة ما لتعديل القوانين المتعلقة بهذا الخصوص. واشار رئيس الوزراء البريطاني الى ان هذه النقطة تحديدا هي سبب الخلاف بين لندن وبروكسل، واعرب عن امله في ان يقوم خلفه والاوربيون في المرحلة المقبلة بمفاوضات، وبناءة تؤدي الى حلول ترضي الطرفين.
ولدى عودة كاميرون الى لندن، اعلنت الحكومة تعيين مسؤول كبير كان يعمل في الداخلية هو اوليفر روبنز، ليشرف ابتداء من الرابع من تموز المقبل على فريق عمل مهمته دراسة كل ابعاد المفاوضات مع بروكسل من اجل ضمان حصول بريطانيا على افضل اتفاق ممكن مع الاتحاد بعد خروجها منه.
اذاً، ستستمر عضوية بريطانيا في الاتحاد الاوروبي، كما كانت قبل الاستفتاء الى حين ابلاغ بريطانيا رسمياً الاوروبيين برغبتها في انهاء عوضيتها. وعند الابلاغ يتم تفعيل المادة 50، وتبدأ مفاوضات الخروج وقواعده بين الطرفين.
وقد اكد حزب المحافظين الحاكم في بريطانيا ان هذا المسار لن يبدأ الا بعد دخول رئيس الوزراء البريطاني الجديد مقره في 10 داوننغ ستريت. ويغلق اليوم باب الترشيح امام السياسيين المحافظين الراغبين في خلافة كاميرون. وقد علمت المستقبل من مصادر اعلامية في الحزب الحاكم ان اعلان اسم خليفة كاميرون سيتم في التاسع من شهر ايلول المقبل.
من جهتها شددت بروكسل على انها لن تجري اي مفاوضات رسمية او غير رسمية مع اي وفد بريطاني الى حين بدء المسار القانوني لمغادرة بريطانيا الاتحاد.
وفي هذا السياق رفض رئيس مجلس الاتحاد الاوروبي دونالد توسك امس لقاء زعيمة الحزب القومي الاسكتلندي نيكولا ستورجن رئيسة الحكومة المحلية الاسكتلندية التي كانت ترغب في بدء مفاوضات تحفظ حق اسكتلندا بعضوية او ميزات ما مع بروكسل نظرا لأن الشعب الاسكتلندي صوت بأغلبه لمصلحة البقاء في الاتحاد الاوروبي. وانتهى الامر بستورجن بلقاءات حوارية غير رسمية مع كل من رئيس المفوضية الاوروبية جان كلود يانكر ورئيس البرلمان الاوروبي مارتن شولتز.
ورأى الاعلام البريطاني في رفض توسك لقاء ستورجن تطورا من شأنه ان ينعكس ايجابا على وحدة البيت البريطاني الذي اصبح مهددا بالانهيار بعدما لوحت ستورجن بإجراء استفتاء جديد حول استقلال اسكتلندا. واسهمت تصريحات ادلى بها اول من امس الرئيس الاميركي باراك اوباما، وشدد فيها على عدم تهويل الامر وتصوير عملية خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي وكأن حلف شمال الاطلسي قد انهار.
ووصف نتيجة الاستفتاء بأنها مجرد كبسة على زر التوقف للاتحاد الاوروبي الذي على ما يبدو يسير بسرعة اكبر مما ترغب به شعوبه وبالتالي يجب التريث قليلا لتعديل السرعة ثم الانطلاق مجددا بشكل صحيح.
واقتنع الاوروبيون في قمتهم امس، أن بريطانيا تحتاج الى بعض الوقت قبل ان تقدم طلبا رسميا لتفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة وبدء مسار مفاوضات الخروج.
ونص المادة يحفظ لبريطانيا هذا الحق في ان تقرر هي متى تشاء بدء مسار المفاوضات. وقد شدد كاميرون امام الزعماء المجتمعين أول من امس في بروكسل ان خيار الشعب البريطاني انهاء عضوية بريطانيا في الاتحاد الاوروبي لا يعني ان البريطانيين سيديرون ظهورهم لشعوب الدول الاوروبية الاخرى، فهؤلاء هم جيراننا واصدقاؤنا وتربطنا بهم صداقات تاريخية. لذا بريطانيا ستكون حريصة على ان تكون المفاوضات المقبلة مع بروكسل بناءة وتأمل ان يكون الاوروبيون هم ايضا حريصون على مفاوضات بناءة لمستقبل جيد للطرفين.
وفي الـ48 ساعة الماضية، واصل الجنيه الاسترليني ومؤشر فوتسي تعافيهما من الخضة التي ادت الى هبوطهما الحاد خلال الايام الثلاثة الاولى التي تلت الاستفتاء. وكان وفد من ادارة البنك الاوروبي المركزي شارك في القمة الاوروبية وطمأن قادة الدول الاوروبية على ان جميع تدابير التعاون والتنسيق تسير بشكل جيد مع بنك انكلترا وشتى البنوك في الدول الاوروبية الاخرى.
والتحذير الذي اطلقه فقط هو ان تداعيات خروج بريطانيا قد تؤثر بالدرجة الاولى على الاقتصاد البريطاني الذي ان تباطأ فقد يسبب نوعا من الازمة للاقتصاد العالمي ككل.
الخلاصة ان القمة الاوروبية امس والمؤشرات الايجابية من الاسواق والمصارف ما هي الا دليل واضح على ان عاصفة الرعب المالي وعدم اليقين التي سادت فور اعلان نتيجة الاستفتاء بدأت تنحسر.
والعامل الايجابي الذي ساهم في ذلك ايضا اقفال توسك الباب امس سريعا في وجه الاسكتلندية الاولى ستورجن، مما طمأن المستثمرين المتخوفين من انفراط عقد المملكة. ورغم هذه الايجابيات لم تمر الساعات الماضية، في بروكسل من دون مناوشات كلامية، فقد استفز زعيم حزب استقلال المملكة المتحدة نايجل فاراج اول من امس اعضاء البرلمان الاوروبي عندما سخر منهم قائلا بريطانيا لن تكون الدولة الاولى والاخيرة التي ستغادر الاتحاد. مشروعكم فاشل، وانتم لن تغيروا شيئاً في حالة النكران التي تعيشونها. وذكرهم بأنه قبل 17 عاما وقفت هنا وقلت لكم اني سأشن حملة في بريطانيا من اجل اخراجها من اتحادكم فضحكتم علي. ولكن اليوم انتم لا تضحكون. انتم غاضبون لأن من يضحك اخيرا يضحك كثيرا.
وفي الشارع السياسي البريطاني، لا تزال الاجواء ملبدة داخل اكبر حزبين المحافظين والعمال. وامس فتح الباب رسميا داخل المحافظين لمدة 48 ساعة فقط لاستقبال طلبات الترشيح لخلافة كاميرون في 10 داوننغ ستريت.
وعدد المرشحين المحتملين قد ازداد امس ليشمل ايضا الوزراء جيريمي هانت وستيفن كراب ووزير الدفاع السابق ليام فوكس. بينما بينت استطلاعات الرأي داخل الحزب امس ان وزيرة الداخلية تيريزا ماي تتقدم على رئيس بلدية لندن السابق بوريس جونسون في السباق على خلافة كاميرون. بينما بين استطلاع امس على مستوى الشعب ان البريطانيين يفضلون جونسون. وبالتالي لا تزال الامور شد ضبابية حول هوية الزعيم المقبل الذي سيحمل على عاتقه مسؤولية كبيرة هي مفاوضات احرج مرحلة في تاريخ بريطانيا منذ الحرب العالمية الثانية.
هذا وازدادت نار الحرب على زعامة حزب العمال استعارا. فمساء اول من امس صوت 80 في المئة (172 نائبا مقابل 40) من نواب حزب العمال لحجب الثقة عن زعيم الحزب جيريمي كوربن، متهمين اياه بان قيادته الضعيفة وعدم مشاركته بقوة في حملة البقاء في الاتحاد الاوروبي اديا الى مهزلة خروج البلاد من الاسرة الاوروبية. كما استقال عدد من وزراء الظل الجدد الذين عينوا في حكومة الظل خلال الـ48 ساعة الماضية. وعلى الرغم من التصويت الساحق لحجب الثقة عنه، رفض كوربن التنحي من زعامة الحزب واصدر بيانا ذكر فيه بأن القانون الداخلي لـالعمال يشدد على ان زعيمه يجب ان ينتخب من قبل القاعدة الحزبية اي من قبل المنتسبين.
وذكر كوربن المتمردين ضده بأنه انتخب في ايلول الفائت لزعامة الحزب بعد حصوله على 60 في المئة من اصوات المحازبين، ولهذا السبب لن يتنحي خاصة وانه متأكد انه في حال اعيدت الانتخابات الحزبية فإن المحازبين سيصوتون له مجددا.
ويدرس كوادر الحزب الآن حسابيا ما اذا كان لديهم القدرة على الاطاحة به، ويتشاورون حول هوية المرشح الشعبوي القادر على هزيمة كوربن في اي نتخابات حزبية داخلية مقبلة. وضم كاميرون امس امام مجلس العموم صوته لصوت اغلب النواب العماليين بغية التخلص من كوربن فطلب منه علنا في سابقة لم تحدث في تاريخ البرلمان بحق السماء ارحل.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00