ينطبق وصف خيار بريطانيا الخروج من الاتحاد الاوروبي بـالزلزال تبعاً لحجم تداعياته السياسية والمالية، واول ارتداداته إعلان رئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون تنحيه من منصبه منتصف الخريف المقبل، والرعب الذي ساد الاسواق المالية العالمية واوصل الجنيه الاسترليني الى ادنى قيمة له منذ العام 1985 ودفع قادة الاتحاد الاوروبي وزعماء الدول الاوروبية الى عقد اجتماعات طارئة لمواجهة تداعيات قرار البريطانيين على مستقبل الكيان الاوروبي الموحد. وللزلزال هذا، هزات ارتدادية ستنجم عنها موجات تسونامي عملاقة قد تؤدي الى تفكيك المملكة المتحدة والاتحاد الاوروبي.
النتيجة النهائية للاستفتاء الذي جرى على البقاء أو الخروج من الاتحاد الأوروبي، وشاركت فيه نسبة عالية من المقترعين (72,2%)، جاءت على الشكل التالي: 51,9% (17 مليونا و410 آلاف و742) صوتوا لانهاء عضوية بريطانيا في الاتحاد مقابل 48,1% (16 مليونا و141 الفا و142) صوتوا لاستمرار العضوية، وهذه الارقام معاكسة تماما لآخر استطلاع رأي اجراه مركز يوغوف خلال يوم الاستفتاء واشار الى ان معسكر البقاء سيفوز بفارق 4 نقاط مئوية. وبالنظر الى كيفية تصويت كل بلد من بلدان بريطانيا الاربع انكلترا واسكتلندا وويلز وايرلندا الشمالية، يبدو الانقسام الحاد واضحا وهذا ما قد يؤدي في نهاية المطاف الى انفراط عقد المملكة المتحدة. فأغلبية الاسكتلنديين والايرلنديين الشماليين صوتت للبقاء في الاتحاد الاوروبي، فيما صوت اغلب الانكليز والويلزيين للخروج.
التداعيات الفورية للخيار الزلزال محليا، انخفاض قيمة الجنيه الاسترليني الى مستوى غير مسبوق منذ العام 1985، واعلان كاميرون عزمه على التنحي من منصبه وتسليمه الى سياسي محافظ آخر عندما يعقد حزب المحافظين مؤتمره العام في شهر تشرين الاول المقبل، على ان يسعى كاميرون بحكومته الحالية قدر المستطاع الى تخفيف حجم تصدعات زلزال الخروج هذا في الاقتصاد البريطاني. اما التداعيات الفورية خارجيا فتصيب مباشرة وبشكل حاد اسواق المال العالمية، فالهبوط العمودي امس لمؤشر فوتسي بـ500 نقطة تقريباً عن معدلاته السابقة (وهو رقم غير مسبوق منذ ولادة المؤشر قبل 32 عاما) صاحبه هبوط حاد ايضا في مؤشرات داكس الالماني بنسبة 8 في المئة ومؤشر كاك الفرنسي بنسبة 10 في المئة ومؤشر نيكاي الياباني بنسبة 8 في المئة.
وخفضت وكالة موديز للتصنيف الائتماني رؤيتها المستقبلية لتصنيف المملكة المتحدة من مستقرة الى سلبية نتيجة لقرار البريطانيين الخروج من الاتحاد الأوروبي.
وقالت الوكالة إن فوز الداعين لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يضع الاقتصاد البريطاني أمام فترة طويلة من الغموض ما سيؤدي الى تداعيات سلبية على آفاق النمو على المدى المتوسط.
ودرجة تصنيف بريطانيا حالياً لدى موديز هي آيه ايه 1.
التداعيات اللاحقة محليا لهذا الزلزال، والتي يمكن وصفها بـالتسونامي ستصيب كيان المملكة المتحدة في الصميم. فبحسب اول بيان لزعيمة الحزب القومي الاسكتلندي نيكولا سترجن لدى صدور نتائج الاستفتاء، اسكتلندا صوتت بوضوح للبقاء في الاتحاد الاوروبي ولهذا ليس الشعب الاسكتلندي مضطرا للقبول بمصادرة خياراته. نحن نطالب منذ اليوم بإجراء استفتاء جديد على استقلال اسكتلندا عن المملكة المتحدة. والمنطق بالطبع يقف في صفها بعد تصويت اغلب الاسكتلنديين للبقاء في الاتحاد الاوروبي، وهذا يعطي ذريعة قوية للانفصاليين الاسكتلنديين كي ينظموا استفتاء جديدا على استقلال اسكتلندا عن بريطانيا وهذه المرة ستأتي النتيجة حتما كما يريدون. البلد الثاني الذي سيصبح من شبه المستحيل عليه ان يبقى في بريطانيا هو ايرلندا الشمالية فالحدود المغلقة التي ستنتج عن خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي ستعني ان على ايرلندا الشمالية فرض تأشيرات دخول على جيرانها التاريخيين الاسكتلنديين والايرلنديين الجنوبيين واتباع قوانين تجارية معينة، مما يحول ايرلندا الشمالية الى زاوية معزولة غير قابلة للحياة، وبالتالي سيكون المنطقي للايرلنديين الشماليين توحيد دولتهم مع جمهورية ايرلندا وولادة دولة جديدة هي ايرلندا المتحدة. ولم يفوّت حزب شين فين الفرصة هذه إذ طالب أمس بتنظيم استفتاء على انفصال ايرلندا الشمالية عن بريطانيا وانضمامها الى جمهورية ايرلندا. بعد هذه الانقسامات سيأتي الدور ايضا على ويلز التي قد ترى ان الافضل لها هي الاخرى الابتعاد عن انكلترا التي هي قد تنقسم على ذاتها ففارق مستوى المعيشة بين جنوبها الثري وشمالها الفقير شاسع جدا، وهذا ما ظهر واضحا في نتائج الامس وفيه مؤشرات كثيرة على غضب الانكليز الشماليين من حزب العمال الذي يمثلهم في البرلمان والدليل انهم صوتوا ضد توجيهات زعيمه جيريمي كوربن الذي كان داعما لحملة البقاء في الاتحاد الاوروبي. وبسبب نتيجة الاستفتاء يواجه كوربن اليوم ضغوطا شديدة داخل حزبه ويطالبه النواب العماليون بالاستقالة من زعامة الحزب ويهددون باللجوء الى تصويت داخلي يحجب الثقة عنه.
الخلاصة ان الاجواء السياسية والاقتصادية في بريطانيا بعد هذا الاستفتاء قاتمة ومكفهرة جدا، وتسونامي كارثي ينتظر المملكة التي اذا ارادت تفادي التفتت والاندثار وزوال مقعدها الدائم في منظمة الامم المتحدة ستحتاج الى حرب عالمية ثالثة او معجزة سياسية.
وكان كاميرون غالب دموعه عقب صدور النتيجة وقال في خطاب الى الشعب البريطاني لقد عملت من كل قلبي من اجل فوز خيار البقاء في الاتحاد. البلاد بحاجة الآن الى قائد جديد ليفاوض بروكسل على اجراءات الخروج، وتعهد بـاحترام قرار الشعب البريطاني مؤكدا انه سيتنحى من منصبه في تشرين الاول المقبل.
وفي محاولة منه للظهور بمظهر السياسي المتزن، دعا رئيس بلدية لندن السابق بوريس جونسون (وهو احد كوادر حملة الخروج وابرز الشخصيات المرجح استلامها رئاسة الحكومة عند تنحي كاميرون)، جميع البريطانيين الى التروي في اتخاذ الخطوة المقبلة، واشار الى انه لا داعي للتسرع في تحريك المادة رقم 50 من معاهدة لشبونة لبدء مفاوضات الخروج مع بروكسل، واثنى على قيادة كاميرون الذي خاطر بمستقبله السياسي عندما آثر ارجاع الكلمة الفصل للشعب كي يقرر. لكن اطرافا اخرى في معسكر الخروج مثل زعيم حزب استقلال المملكة المتحدة نايجل فاراج طالبوا ببدء مفاوضات الخروج فورا خاصة وان هذه المفاوضات ستستغرق ما لا يقل عن عامين.
وما كادت نتيجة الاستفتاء تصدر حتى هلل لها زعماء الاحزاب القومية المتطرفة المناهضة لبروكسل في شتى البلدان الاوروبية. وستكون الانتخابات الرئاسية الفرنسية العام المقبل مؤشرا واضحا عن ماهية ردة فعل الرأي العام الفرنسي، فمن المؤكد ان شعبية مارين لوبن ستتضاعف بعد قرار بريطانيا الانفصال عن الاسرة الاوروبية الموحدة. وفي حال وصول لوبن الى قصر الاليزيه، ستخرج فرنسا بدورها من الاتحاد الاوروبي وسيدق مسمار ضخم آخر في نعش هذا الكيان الذي لن يصمد وسيواجه انهيارا تاما اذا آثرت شعوب دوله الكبرى ان تحذو حذو بريطانيا. وقد تعالت الاصوات امس في كل من ايطاليا وهولندا مطالبة باجراء استفتاء مشابه للذي جرى في بريطانيا. ولكي يكتمل المشهد السوريالي الذي تعيشه بريطانيا منذ فجر امس، وقت المرشح الرئاسي الاميركي دونالد ترامب زيارته الى اسكتلندا في يوم الاستفتاء خصيصا ليقتنص اللحظة ويشيد بالنتيجة وان بريطانيا افضل خارج الاتحاد الاوروبي. لكن رأيه هذا لا يشاطره اياه اطلاقا زعماء دول الاتحاد الاوروبي، فقد حذرت المستشارة الالمانية انغيلا ميركل الدول الاعضاء في الاتحاد الاوروبي من التسرع في التوصل الى استنتاجات حول قرار بريطانيا الخروج من الاتحاد لأن من شأن ذلك زيادة مخاطر تقسيم اوروبا.
واعتبر الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند أن نتيجة الاستفتاء تشكل اختبارا صعبا لاوروبا، وطالب ببدء مفاوضات خروج بريطانيا بسرعة وبلا ابطاء. ودعا الاتحاد الاوروبي الى التركيز الآن على اولوياته التي تتمحور حول الامن والدفاع وحماية الحدود وتوفير فرص العمل علاوة على تعزيز منطقة اليورو.
واعلن الرئيس الاميركي باراك اوباما ان الصداقة المميزة التي تجمع بين الولايات المتحدة وبريطانيا ستستمر ولن تتأثر بخروج المملكة المتحدة من الاتحاد الاوروبي. وهذا ايضا ما اكدته المرشحة الديموقراطية للرئاسة الاميركية هيلاري كلينتون التي شددت على وجوب احترام خيار الشعب البريطاني.
وقال البيت الأبيض إن الرئيس الأميركي باراك أوباما ناقش تصويت بريطانيا على الانسحاب من الاتحاد الأوروبي في مكالمتين منفصلتين مع رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون والمستشارة الألمانية أنغيلا ميركل.
وقال البيت الأبيض في بيان إن أوباما أكد لكاميرون أن العلاقة الأميركية الخاصة مع بريطانيا وعضوية بريطانيا في حلف شمال الأطلسي تبقيان حجر زاوية في السياسة الأميركية. وذكر البيان أن أوباما وميركل عبّرا عن أسفهما لقرار الناخبين البريطانيين لكنهما عبّرا أيضاً عن احترامهما لإرادة الشعب البريطاني.
وقال متحدث باسم وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إن الوزارة على ثقة بأن العلاقات الدفاعية مع بريطانيا ستستمر.
اما الرئيس الروسي فلاديمير بوتين فاستبعد ان يؤدي خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي الى رفع العقوبات التي يفرضها الاتحاد الاوروبي على بلاده.
ودعت الحكومة التركية قادة الاتحاد الاوروبي الى استخلاص العبر من قرار الشعب البريطاني واعادة النظر في الاصلاحات التي يجب اجراؤها، اما الحكومة اليابانية فأعربت عن مخاوفها من تداعيات الطلاق بين لندن وبروكسل على الاقتصاد العالمي.
مالياً، ولطمأنة البريطانيين، اعلن البنك المركزي البريطاني (بنك انكلترا) والبنك المركزي الاوروبي ان جميع الاحتياطات اتخذت كي لا تتعرض بريطانيا لهزة اقتصادية قوية، فيما اعلن امين عام حلف شمال الاطلسي (ناتو) ينس ستولتنبرغ ان بريطانيا ستبقى دائما عضوا قويا في الحلف وان شيئا لن يتغير بعد قرار خروجها من الاتحاد الاوروبي.
وهكذا يكون الزواج بين بريطانيا والاسرة الاوروبية الموحدة الذي ابتدأ عام 1973 قد انتهى بعد 43 عاما، والباقي فقط هو اتمام مراسم الطلاق خلال العامين المقبلين.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.