8 آذار 2019 | 00:00

أرشيف

بريطانيا: أعداد المهاجرين حجّة قويّة لمعسكر الخروج من الاتحاد الأوروبي

قبل 10 ايام من الاستفتاء المصيري الخاص بمستقبل العلاقة بين بريطانيا والاتحاد الاوروبي، تكثف حملتا البقاء والخروج اللقاءات الجماهيرية، وتعج شاشات معظم المحطات التلفزيونية البريطانية، بمناظرات بين سياسيين ومشاهير ينتمون الى المعسكرين.
والناظر الى الموضوع برمته بعين مستقلة، بإمكانه ان يرى بوضوح ان الخيارين لهما حسنات وسلبيات في آن، فلا خيار البقاء في الاتحاد الاوروبي يعتبر ممتازاً لمستقبل المملكة المتحدة، ولا خيار الخروج فيه حلول ناجعة للمشاكل التي تعاني منها البلاد.
هذا الواقع يجعل المواطن البريطاني الذي سيتوجه يوم 23 حزيران الجاري للادلاء بصوته، في حيرة من امره، فأمامه خياران لا ثالث لهما، وكل خيار منهما له وجهان: قبيح وجميل. وتنعكس حيرة الشعب البريطاني هذه حكماً على استطلاعات الرأي المتقلبة بين يوم وآخر، وعاجزة عن التكهن بنتيجة واضحة ثابتة للاستفتاء.
وكان السابع من حزيران الجاري الموعد النهائي لتسجيل المقترعين اسماءهم كي يتمكنوا من التصويت. لكن الضغط الجماهيري مع اقتراب ساعة الصفر، ادى الى تعطل الموقع الالكتروني الذي خصصته الحكومة من اجل تسجيل الاسماء، ما اضطر رئيس الوزراء دايفيد كاميرون الداعم لحملة البقاء، الى اعطاء المواطنين مهلة 48 ساعة اضافية للتسجيل.
واثارت تلك الخطوة شكوك حملة الخروج وغضب كوادرها الذين شككوا في نيات الحكومة، واعتبروها انها تدبير اتخذ عمداً لتسجيل عدد كبير من المؤيدين لـالبقاء بغية التصدي للتقدم الذي احرزه معسكر الخروج في استطلاعات الرأي التي اجريت منذ اواخر ايار الماضي.
وتتبادل الحملتان يومياً الاتهامات بالكذب على الناس وترهيبهم. ولكن مهما قيل من قبل الطرفين، يبقى هناك مسلمات واضحة لدى البريطاني هي ان الاقتصاد قد يتعرض لخضة قوية لا احد يدري قوة ارتداداتها في حال صوّت الشعب لمصلحة الخروج.
اما التصدي لموجات الهجرة المستمرة الى الجزر البريطانية بمئات الآلاف سنوياً، قد لا يكون ممكناً في حال صوّت الشعب لمصلحة البقاء.
تضاعف أرقام الهجرة الى بريطانيا
عقب نهاية الحرب العالمية الثانية انتهجت المملكة المتحدة سياسة الباب المفتوح امام المهاجرين من اجل انعاش الاقتصاد، واستقطاب اليد العاملة التي كانت البلاد بحاجة اليها في مجالات عدة. الا ان باب الهجرة هذا، كان مشرعاً لدول معينة هي دول الكومونولث عموماً، فكان أغلب القادمين الى بريطانيا، هم من باكستان والهند وبنغلادش وكينيا وجنوب أفريقيا وهونغ كونغ.
وبعد موجات من الهجرة استمرت نحو 3 عقود، بدأت الحكومة البريطانية بإغلاق الباب بشكل تدريجي منذ سبعينات القرن الماضي، واتخذت نهجاً اكثر صرامة تحت ادارة رئيسة الوزراء في الثمانينات، مارغريت ثاتشر. وحتى العام 2004 كان موضوع الهجرة لا يزال نوعًا ما تحت سيطرة الحكومة، اذ كان تقريباً عدد الوافدين الى المملكة يساوي او يزيد قليلاً على عدد الخارجين منها.
وبحسب الاحصاءات الخاصة بالهجرة التي أجريت بين عامي 2001 و2011 تبين ان عدد حاملي الجنسية البريطانية المولودين خارج البلاد، وعدد الاجانب المقيمين في بريطانيا، قد بلغ 7 ملايين ونصف المليون نسمة، اي ما يعادل نحو 12 في المئة من اجمالي السكان.
وقد اجريت تلك الاحصاءات لمعرفة مدى تأثير دخول معاهدة لشبونة التي تعطي حرية التنقل لشعوب دول الاتحاد الاوروبي حيز التنفيذ عام 2009. وقد تبين ذلك الاثر المقلق للحكومة في الاحصاءات التالية التي اجريت عامي 2013 و2014، اذ تبين ان عضوية بريطانيا في الاتحاد الاوروبي ضاعفت عدد المهاجرين الى بريطانيا، وان اغلب الذين يأتون إلى البلاد، قادمون من دول الاتحاد الاوروبي لا يغادرونها على عكس المهاجرين القادمين من قارات اخرى.
وسجل العام 2013 حصول اكبر عدد من المهاجرين على الجنسية البريطانية في تاريخ نظام الهجرة، اذ حصل فيه 208 آلاف مهاجر على الجنسية، ما اضطر الحكومة الى تشديد شروط الحصول على الجنسية، فهبط العدد عام 2014 الى نحو 129 ألفاً.
وجاءت احصاءات العام الماضي 2015، لتظهر بوضوح خروج موضوع الهجرة الى حد كبير عن سيطرة الحكومة، فقد تبين أن عدد المهاجرين الى بريطانيا بلغ العام الماضي 333 الف مهاجر، وهو رقم يبلغ ضعفي رقم الـ100 الف مهاجر الذي كان رئيس الوزراء دايفيد كاميرون وعد شعبه بأن يصبح الحد الاقصى لعدد المهاجرين الى المملكة كل عام.
وقد اعترف كاميرون امام الرأي العام بعد صدور الاحصاءات ان توقعاته لم تأت في محلها.
وبعدما بينت الارقام ان 184 الف مهاجر أتوا العام الماضي من دول الاتحاد الاوروبي لا سيما الشرقية منها، استغلت حملة الخروج من الاتحاد الاوروبي الفرصة لتبني دعايتها على هذه الارقام.
وعلى الرغم من انتزاع كاميرون من بروكسل، بعض التنازلات لجهة الحد من قدرة الاوروبيين المقيمين في بريطانيا من الاستفادة من نظام الرعاية الاجتماعية بشكل متساو مع البريطانيين، الا ان هذا على ما يبدو، لم يكن كافياً للحد من الاغراء الذي تشكله المملكة المتحدة لمواطني دول اوروبا الشرقية.
وما يثير قلق الرأي العام البريطاني ان رقم الـ333 الف مهاجر الذي سجل عام 2015، يُتوقع ان يتجاوز حاجز الـ500 الف مهاجر نهاية العام الجاري، وان يستمر في التضاعف خلال السنوات المقبلة طبعاً في حال استمرت عضوية بريطانيا في الاتحاد الاوروبي. وهذه المخاوف تحديداً تعتبر الآن العمود الفقري لحملة الخروج التي اصبحت تعتمد بشكل اساسي على موضوع الهجرة لاستمالة المواطنين.
قوانين أوروبية مزعجة
ويتيح ميثاق الاتحاد الاوروبي في احد بنوده، حرية تنقل مواطني دول الاتحاد الاوروبي الى اي بلد عضو في الاتحاد، ويسمح لهم بالاقامة والعمل في اي بلد يشاؤون.
وادى تطبيق هذا الميثاق منذ اواخر العام 2009 الى تسليط الضوء على الفارق الكبير بين دول شرق اوروبا وجنوبها من جهة، ودول شمال اوروبا وغربها من جهة اخرى.
فقد شهد الاتحاد الاوروبي في الاعوام الـ6 الماضية موجات نزوح هائلة من دول اوروبا الشرقية والجنوبية الى الدول الشمالية والغربية، بسبب الطمع بحياة كريمة في بلدان قوية الاقتصاد تملك منظومات تقاعد ورعاية صحية مجانية لا وجود لمثيل لهما في العالم.
وأدى هذا النزوح الى فقدان الدول الاوروبية الفقيرة اياديها العاملة، فازداد وضعها الاقتصادي والتجاري والانتاجي سوءاً، بينما تعرضت الدول الغنية لضغط سكاني هائل سبب ارتفاع معدلات بطالة مواطنيها اثر دخول الاوروبي الشرقي والجنوبي للعمل فيها بمعاشات اقل بكثير من المواطن المحلي.
هذا الضغط الهائل على عدة بلدان ابرزها بريطانيا، دفع رئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون الى المطالبة بتعديل هذا الميثاق، لأن بريطانيا كي تحمي اقتصادها ومجتمعها، يجب ان لا تستقبل اي مواطن من دول الاتحاد الاوروبي عاطل عن العمل، فالبريطاني يجب ان تبقى له اولوية العمل في بلده.
اما الاتفاقية الاوروبية التي تزعج البريطانيين في مسألة الهجرة غير الشرعية، فهي دون شك اتفاقية شينغن التي تسبب مشاكل عدة لبريطانيا على الرغم من انها بلد غير موقع عليها وليست طرفا فيها.
فهذه الاتفاقية وقعت للمرة الاولى قرب منطقة شينغن في دوقية اللوكسمبورغ في 14 حزيران عام 1985 بمشاركة خمس دول هي المانيا الغربية واللوكسمبورغ وهولندا وبلجيكا وفرنسا.
ولم تدخل هذه الاتفاقية حيز التنفيذ الا بعد معاهدة ماستريخت في العام 1997. وتوسعت عضويتها شيئاً فشيئاً خلال السنوات الـ14 الماضية حتى اصبحت تضم 26 بلداً اوروبياً، 4 منها خارج الاتحاد الاوروبي هي النروج وايسلندا وسويسرا والليشتنشتاين، و22 بلداً اعضاء في الاتحاد الاوروبي.
وتقضي الاتفاقية بإلغاء المراقبة الحدودية بين البلدان الاعضاء. ومنذ العام 1997 يحق لكل مواطني البلاد الموقعة على الاتفاقية وكل المقيمين بصورة شرعية على اراضيها التنقل بحرية والعبور بين بلد وآخر دون الحاجة الى تأشيرة دخول.
ومنذ حدوث الازمة الاقتصادية العالمية عامي 2007 و2008، عقدت قمم واجتماعات عدة بين بعض الدول الموقعة للاتفاقية، لدراسة امكانية تعديلها بعد ازدياد المخاوف من حصول اعمال ارهابية وتنامي مشكلة بقاء الاجانب الذين يحصلون على تأشيرة زيارة محدودة الزمن إلى دولة من دولة الاتفاقية، اطول من الوقت المسموح لهم، واختفائهم في دولة اخرى غير التي منحتهم التأشيرة، ما يصعب على القوى الامنية المحلية واليوروبول مهمة العثور عليهم وترحيلهم.
ولم ينجح اي اجتماع حتى الآن في احداث اي تعديل يذكر، ولكن تم التشديد على كيفية منح تأشيرات الزيارة للقادمين الى اي بلد من بلدان الاتفاقية ومدتها بحسب الهدف من الزيارة والحالة المادية للشخص المسافر.
وتعاني دول غير موقعة على شينغن من هذه الاتفاقية، بسبب محاولات تسلل مهاجرين غير اوروبيين، بصورة غير شرعية الى اراضيها عبر اراضي دول الاتفاقية. وتعتبر بريطانيا ابرز مثال صارخ على هذه الحالة، فلندن لم توقع الاتفاقية، لكن على الرغم من ذلك، يتمكن عدد من المهاجرين القادمين من افريقيا او آسيا بعد دخولهم الى اي دولة من دول شينغن الـ26، من استغلال عدم وجود رقابة حدودية بين دول الاتفاقية للوصول بسهولة الى المعابر المؤدية الى بريطانيا.
تنازلات بروكسل غير كافية
واعلن كاميرون في شباط الماضي، انه نجح بعد محادثات ماراثونية مع نظرائه في بروكسل، في ابرام اتفاق يجيب على معظم هواجس البريطانيين المرتبطة بالهجرة، والعملة المستقلة، وحجم السلطة السيادية، ونفقات الرعاية الاجتماعية التي تقدمها الحكومة البريطانية الى المواطنين الاوروبيين المقيمين في بريطانيا.
وشدد كاميرون على انه لم يعد هناك مسوغ لخروج بريطانيا من الاتحادالاوروبي، بعدما وافقت بروكسل على معظم الشروط البريطانية، ووصف الاتفاق بأنه يضمن لبريطانيا الحصول في آن واحد على افضل ما في سيادتها وعضويتها في الاتحاد.
وكرر كاميرون مراراً منذ آذار الماضي، بان بريطانيا ستكون اقوى واكثر امناً وهي داخل الاتحاد. وركز على أهمية اتفاقية التجارة الحرة، مشيراً الى ان جواب نعم للاتحاد هو الجواب الصحيح لمستقبل الاجيال القادمة، لأننا معًا مع الاوروبيين يمكننا ان نضمن تجارتنا واقتصادنا وامننا في عالم كثير التقلب ومليء بالتهديدات الامنية والبيئية.
لكن ارقام الهجرة التي ظهرت في ايار الماضي، فضحت عجز كاميرون عن الوفاء بوعوده بشأن الحفاظ على عدد مهاجرين سنوي لا يتخطى حاجز الـ100 الف، وخصوصاً بعدما تبين ان 184 الف مهاجر دخلوا بريطانيا العام الماضي، هم من الاتحاد الاوروبي.
هذه الارقام وظهورها في هذا التوقيت المحرج جداً لحملة البقاء، اديا فورا الى حشد تأييد اكبر لمصلحة حملة الخروج التي بدأت تتقدم بشكل فعلي على حملة البقاء بحسب آخر استطلاعات الرأي.
فعدم وفاء كاميرون بوعوده، زعزع ثقة الراي العام به وبكلامه، وبالتالي يرى الراي العام البريطاني اليوم بوضوح ان التنازلات التي حصل عليها كاميرون من بروكسل غير كافية وضئيلة جداً وعدد كبير منها مشروط بنتيجة الاستفتاء
مواقف الحملتين
ويعيش اليوم اكثر من 3 ملايين اوروبي من دول الاتحاد في بريطانيا، وهناك اكثر من مليونين منهم يعملون في المملكة المتحدة، وكل مهاجر من هؤلاء يؤثر إيجاباً او سلباً في الاقتصاد البريطاني.
فهناك العديد من هؤلاء القادمين من دول اوروبا الشرقية، إما عاطلون عن العمل ويستغلون خدمات الرعاية الاجتماعية المجانية في بريطانيا، وإما يعملون بأجور زهيدة لدى ارباب عمل اصبحوا يفضلونهم على العامل البريطاني الذي عادة ما يتقاضى أجراً اعلى. ولهذا السبب اصبح هؤلاء يؤثرون سلباً ويرفعون من مستوى البطالة خصوصاً لدى الجالية غير المتعلمة في بريطانيا.
ونظراً للارقام المرتفعة التي تجاوزت الـ300 الف مهاجر خلال العام الماضي وحده، اصبح وضع معسكر البقاء محرجاً امام الرأي العام بسبب تداعيات عدة، فتحول ذلك الى نقطة قوة لمصلحة معسكر الخروج قد تكون حاسمة في الاستفتاء المصيري.
وتروّج حملة الخروج الى ان السيطرة على موضوع الهجرة امر مستحيل طالما بقيت بريطانيا عضواً في الاتحاد الاوروبي. وتشير بالارقام الى ان الخدمات العامة بما فيها الاسكان والتعليم والرعاية الصحية اصبحت ترزح تحت وطأة الحشد السكاني الطارىء الذي يتسبب به عدد المهاجرين الذي يتضاعف من عام لآخر.
وتشدد هذه الحملة ايضاً على ان عمل الاوروبيين الشرقيين في بريطانيا باجور زهيدة ادى الى صعوبة ايجاد عمل لبعض البريطانيين، والى تقليص المدخول الفردي لدى البريطانيين العاملين في عدد من المجالات التي بدأ يجتاحها العمال الاوروبيون.
كما يستفيد معسكر الخروج أيضاً من واقع ان جرائم السرقة والاغتصاب والقتل ازدادت في المملكة المتحدة في السنوات القليلة الماضية، وفي احيان كثيرة يتبين ان المرتكبين هم اوروبيون شرقيون لهم سوابق في بلدانهم الام، ولم تعمم سلطات البلدان ملفاتهم الاجرامية على كامل دول الاتحاد، فيصولون هؤلاء ويجولون ويرتكبون فظائعهم بحرية.
كما يحذر القيمون على هذا المعسكر من احتمال انضمام تركيا مستقبلا الى الاتحاد وما يعنيه هذا من تدفق اسلامي قد يغير الديموغرافيا في بريطانيا بشكل كبير.
ولكل هذه الاسباب ترى حملة الخروج ضرورة خروج بريطانيا من الاتحاد الاوروبي بغية التخلص من موضوع حرية الحركة وحق العيش والعمل الممنوحة آليًا للمواطن الاوروبي، وان الحل يكمن في فرض نظام نقاط على جميع المهاجرين الاوروبيين شبيه بالنظام المفروض على المهاجرين القادمين من دول غير اوروبية.
في المقابل تدرك حملة البقاء جيداً ان موضوع للهجرة هو نقطة ضعفها التي قد تكون قاتلة في الاستفتاء. ولهذا السبب يحاول كوادر هذه الحملة بشكل محموم اقناع الراي العام بجوانب ايجابية للهجرة والمهاجرين الاوروبيين.
وستكون الايام الـ10 مقبلة صعبة جداً على معسكر البقاء الذي عليه بشتى الوسائل اعادة نوع من التوازن الى الاستفتاء، فآخر استطلاع رأي أجراه مركز الآراء الخاص بالاعمال او ار بي اظهر ان معسكر الخروج يحلق للمرة الاولى بفارق 10 نقاط مئوية عن معسكر البقاء، أي بـ55 في المئة مقابل 45 في المئة.

يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

8 آذار 2019 00:00