حاملة معاناة اي شعب يدخل عليه غزاة من الخارج فيقتلوه ويشردوه، نجحت جامالا الفنانة الاوكرانية التتارية بأغنيتها 1944 في الفوز مساء اول من امس بمسابقة يوروفيجن لأجمل اغنية للعام 2016 رغم كل الانتقادات التي وجهتها موسكو للمنظمين متهمة اياهم بتسييس المسابقة انتقاماً من ضم روسيا للقرم عام 2014.
وكان عدد كبير من هواة المسابقة التي يتابعها كل عام حول العالم اكثر من 100 مليون مشاهد يتوقع فوز ممثلة استراليا دامي ايم بأغنيتها صوت الصمت او ممثل روسيا سيرغي لازاريف بأغنية انت الوحيدة، لكن تصويت الجمهور حسم النتيجة لاوكرانيا وجامالا واغنية 1944، فالجمهور كان لا بد ان يختار الأغنية التي تحاكي معاناة هؤلاء الذين يشردون اليوم من منازلهم ليس فقط في القرم او شرق اوكرانيا بل ايضا في سوريا والعراق وفي اي مكان دخله غزاة عتاة مجرمون.
وشهدت المبارزة النهائية هذا العام تطبيق نظام تصويت جديد يقوم على تصويت منفصل للجنة الحكم وجمهور كل دولة بدلاً من التصويت الاجمالي الذي كان يعتمد في النسخ الماضية. وكانت الأسترالية - الكورية دامي ايم متقدمة بشكل مريح بأصوات لجنة الحكم، ولكن انقلب الوضع لجامالا بعد إضافة تصويت الجمهور، لتحل الأسترالية في المركز الثاني فيما اكتفى الروسي لازاريف بالمركز الثالث. وجاء الترتيب النهائي بحسب مجموع النقاط على الشكل الآتي: الاوكرانية جامالا في المركز الاول بـ534 نقطة. الاسترالية دامي ايم في المركز الثاني برصيد 511 نقطة، الروسي سيرغي لازاريف ثالثا بـ491 نقطة. واحتل متبارون من بلغاريا والسويد وفرنسا وارمينيا وبولندا وليتوانيا وبلجيكا المراتب من 4 الى 10. بينما احتلت دول كبرى مثل بريطانيا والمانيا مراكز متدنية 24 و26 على التوالي.
ولدى تسلمها جائزتها، شكرت جامالا أوروبا على أصواتها وقالت أريد السلام والحب للجميع. وقالت في تصريحات صحافية على هامش اختتام المسابقة إنه أمر مدهش. كنت واثقة من أنك إذا تحدثت في اغنيتك عن الحقيقة، فإن ذلك يمكن أن يلمس مشاعر الناس. وما جعل من مشاركة جامالا مميزة انها اختارت اغنية غير عادية لتؤديها في ذلك المهرجان العالمي، فـ1944 هي رسالة تذكر العالم بواحدة من المآسي التي عاشها اجدادها التاتار على ايدي الروس وتحديدا الابادة التي تعرض لها اكثر من 8000 تاتاري ابان الحرب العالمية الثانية على ايدي الديكتاتور السوفياتي جوزف ستالين.
وتروي جامالا من خلال مشاركتها الفنية هذه مأساة 230 الفا من تاتاريي القرم الذين شردهم ستالين قسرا من منازلهم في شبه الجزيرة باتجاه آسيا الوسطى بعدما اوهم نفسه ان هؤلاء القوم قد يتحالفون مع النازيين ضد الاتحاد السوفياتي. وقضى اكثر من 8000 منهم بسبب الجوع والعطش والمرض بعدما كدستهم القوات السوفياتية كالذبائح فوق بعضهم بعضاً في صناديق العربات التي اخرجتهم من ديارهم رغماً عنهم.
وفور اعلان فوز اوكرانيا بالمسابقة، غرد الرئيس الاوكراني بترو بوروتشنكو مهنئاً جامالا بالقول نعم.. اداء رائع وفوز لا يصدق. اوكرانيا كلها تبعث لك شكرها من القلب يا جامالا. لكن روسيا انتقدت النتيجة التي اعتبرتها رسالة سياسية موجهة ضدها عن سابق اصرار وتصميم، وهاجم عدد من نواب مجلس الدوما منظمي المسابقة الذين بحسب تعبيرهم كان يجب ان يحترموا شروط المسابقة التي لا تسمح بأغان ذات غايات سياسية. فكان رد المنظمين ان الاغنية تتحدث عن واقعة تاريخية وعنوانها يدل بشكل واضح على ذلك.
واكدت جامالا بدورها ان اغنيتها لا تحمل اهدافاً سياسية، واوضحت انا اغني قصة نازليخان جدتي الكبرى التي وضعت في حقيبة سيارة مع ابنائها الاربعة وابنتها وابعدوا عن ديارهم ولم تحيا هي لترى وطنها الام مجددا.
وكانت جامالا في لقاءات صحافية خلال مراحل المسابقة شرحت للجمهور ما تعرضت له نساء التاتار واطفالهن في تلك المرحلة قائلة بينما كان الرجال بمن فيهم جدي الاكبر يحاربون في الخطوط الامامية من الجيش السوفياتي ضد النازيين، جاءت قوات ستالين الى مناطقنا ورحلت النساء والاطفال والمسنين بهذه الطريقة البشعة. لم يكن هناك اي رجل ليقاومهم. لقد توفيت عمة والدي اي ابنة نازليخان وهي بين ذراعي امها في حقيبة العربة. وادخل جدي الى المستشفى بعد اصابته بمرض الزحار (الديزنطاريا) لكنه سرعان ما فر من المستشفى بعدما بلغه ان التاتار الموجودين في المشفى سيقتلون. كتب له ان يعيش وان ينجب. هو تمكن من العودة الى القرم بعد انتهاء الحرب لكن والدته نازليخان توفيت وابنتها في رحلة التشرد تلك.
واكدت جامالا انها كتبت الاغنية في صيف العام 2014 بعد اشهر على احتلال الروس شبه جزيرة القرم مجددا، واعترفت بأن هذا نكأ في قلبها جراح الماضي. واتهم نواب روس بينهم نائب من حزب فلاديمير بوتين يدعى فاديم دنغين وكذلك نائب رئيس وزراء القرم المعين من قبل موسكو روسلان بعلبك الادارة الاوكرانية ومنظمي مسابقة يوروفيجن باختيار جامالا واغنيتها بهدف الاساءة لروسيا وتوجيه رسالة سياسية لا يجب ان تمر في منافسة عالمية كهذه. لكن جامالا لم تكثرث لهذه الاتهامات وقالت انها ارادت تحرير روح جدتها فهذه الاغنية تخلد ذكراها.
جامالا تبلغ من العمر 32 عاما، مغنية اوبرا وجاز معروفة محلياً وعالمياً. اسمها الاصلي هو سوزان جمالدينوفا (جمال الدين). وهي تعيش في كييف منذ عودة الروس الى القرم في 2014.
ويشار الى ان العاصمة السويدية استوكهولم هي التي استضافت هذا الحدث الفني العملاق بين يومي 10 و14 من شهر ايار الجاري وقد تفوقت جامالا فيه على 42 فنانا يمثلون 42 بلدا.
وبحسب التقليد الذي تتبعه يوروفيجن فإن البلد الفائز يستضيف مسابقة العام المقبل، وبالتالي ستكون العاصمة الاوكرانية على موعد مع هذا المهرجان الغنائي في العام 2017.








يلفت موقع Mustaqbal Web الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.